د. أحمد كرماني عبد الحميد
على سبيل التقديم: لأن جوهر الأدب لا يكمن فقط في تمثيل الواقع، بل في قدرته على الكشف عن تناقضاته الداخلية، وخلق شكل فني يُجلي هذه التناقضات من خلال سيرورة تحوّل الشخصية أو الواقع. فالشكل الفني لا يعود مجرد تعبير، بل يصبح وسيلة للإمساك بالحياة في صيرورتها، وهي فكرة أساسية لفهم القصة القصيرة الحديثة، التي تسعى لالتقاط لحظة دالة تنطوي على تحوّل داخلي أو جدلي مكثّف.
وفي هذا الإطار، تصبح القصة القصيرة، بحكم معيارية شكلها وبنيتها، مجالًا كثيفًا لتحوّلات سريعة لكنها ذات دلالة رمزية واجتماعية عميقة. هذا التحوّل ليس لحظة شعورية فقط، بل انعكاسٌ لبنية اجتماعية أو لصراع طبقي أو لتحوّل في الوعي الذاتي للشخصية، فلا يمكن فهم الشخصية بمعزل عن علاقتها بالبنية الاجتماعية التي تنتمي إليها. ومن ثم، يكتسب كل تحوّل سردي بعدًا جدليًا يكشف من خلاله الكاتب عن صراع داخلي يعكس تحوّلات الخارج وكيفية مواجهتها.
تسهم القصة القصيرة، بوصفها شكلًا فنيًا يقتنص لحظة دالة، في إبراز التحوّلات لا من خلال تطوّر الحبكة فحسب، بل من خلال التوتر بين الذات والعالم. وهي بذلك تمثل الشكل الأكثر قدرة على تكثيف الصراع وتجسيده في لحظة فنية مشحونة بالدلالة. ويُعدّ التحوّل في القصة القصيرة تحوّلًا جدليًا في العلاقة بين الذات وواقعها، لا مجرد تبدّل في الحدث. وإن كانت الشخصية متجذّرة في سياق اجتماعي، فإن التحوّل يصبح كشفًا عن تناقض اجتماعي حين تأخذ هذه التحوّلات أشكالًا متعددة: إدراك حاسم، انهيار التوازن النفسي، انكشاف خداع، أو تبدّل في الوعي. وهي ليست لحظات معزولة، بل انعكاسات بنيوية للصراع.
ومن هذا المنطلق، فإن مجموعة “بيريه صوف” لهايدي فاروق تقدم تمثيلًا مكثفًا لهذه التحوّلات، من خلال تصعيد العلاقة بين الذات والواقع، حيث تنبني الشخصية الأنثوية بوصفها ذاتًا هشّة، تتقاطع فيها الأنوثة مع التمزق الوجودي، وتتشكل في نقطة تماس بين الذاتي والاجتماعي، بين الحنين والخذلان، وبين الإدراك والانهيار. تتحوّل هذه الذات في كل قصة ، ما يجعل من كل سردية لحظة كشف عن شروخ الأنوثة في تحولات السرد. والتي يمكن رصد جزء من ملامحها عبر ثلاث دوائر رئيسة تحولات المكان والزمان واللغة ، لا سيما والقصة في مفهوميتها العامة حدث يقع في مكان ما وزمان ما ، يشكله الكاتب بلغة سردية.
تجليات التحول :
1- تحوّلات المكان في مجموعة “بيريه صوف أخضر”: من الحيّز الحميم إلى فضاء التمزق
في بنية السرد القصير، لا يُعد المكان مجرد خلفية للأحداث، بل غالبًا ما يتحول إلى كائن حيّ، له طاقة رمزية ونفسية واجتماعية. وفي مجموعة “بيريه صوف أخضر” للكاتب فاروق يهايد، يتجلّى المكان بوصفه عنصرًا ديناميًّا لا ثابتًا، يشهد تحوّلات جوهرية توازي التحولات النفسية والوجودية للشخصيات. فالمكان ليس محايدًا، بل مرآة داخلية للمأساة، يتكثّف فيه القلق، ويتجلّى الحنين، وتتكوّن عبره علاقات الذات بالعالم، لا بوصفه فضاءً فيزيائيًا، بل كحامل للدلالة والتمزق والمحو.
منذ القصة الأولى “هكذا رأيت”، يُبنى المكان حول المقعد الخشبي، وهو في الظاهر مجرد قطعة أثاث، لكنه يتحوّل تدريجيًّا إلى بؤرة مكانية يتجمّع فيها الخوف والذاكرة والغياب. بيت الطفلة لا يُروى بوصفه مكانًا عاديًّا، بل كحيّز محفوف بالصمت والصوت الغامض والظلّ الثقيل للأب الراحل. المقعد في الركن الأيمن من الغرفة يصير مركزًا للبنية السردية، ومُستودعًا لتحوّلات الزمن والمأساة. المكان هنا يُجسّد التحوّل من الألفة إلى الرعب، من العائلة إلى العدم، من الطفولة إلى النضج القَلِق. وكما يعبّر لوكاتش، فإن المكان في النص العظيم لا يكون حيادًا بل يُعاد إنتاجه كجزء من الصراع بين الذات والعالم.
يتصاعد هذا التوظيف الرمزي للمكان في قصة “ساعة شيطان”، حيث يبدو المنزل للوهلة الأولى مأوىً أموميًّا، لكنه يتحوّل تدريجيًّا إلى حيّز قمعي، محكوم بالصمت، مُثقل بتكرار يومي خانق. النوافذ، الممرات، الغرف، كلها تُرسم بلغة جافة تُحاكي جفاف العلاقة بين الأم وطفليها. البيت، الذي يُفترض أن يكون “دفءً”، ينقلب إلى معمار مغلق، يُعبّر عن انسداد عاطفي. فلا الجدران تُنقذ، ولا العتبات تُفضي إلى معنى. مأساة أم مع متوحدين في الخامس عشر من عمرهما، وهنا يتحوّل المكان إلى بنية سردية موازية للمأساة النفسية، لا يحتضن الذات بل يُعيد تصدّعها حين تتعاطف هذه الانثى مع هذا الشاب الذي رأته نزيلا في إحدى السجون معاقبا في جريمة قتل ، فتستبد بها الهواجز النفسية وتخشى ساعة شيطانية تتخلص فيها منهما إشفاقا عليهما من الحياة العصيبة التي تنظمها ومجتمع لا يرحم.
وفي قصة “حفل للتذوق” تأخذ بعدًا مختلفًا، حيث يتحوّل المكان إلى علامة طبقية. قاعة الحفل ليست مجرد مكان خارجي، بل تمثل فضاءً قيميًّا، تصطدم فيه أحلام مصطفى مع جدران الذوق والنخبوية والتمييز. لا يوصف المكان هنا فقط بملمسه، بل بما يمنحه أو يمنعه من حضور اجتماعي. وهو ما يُحيلنا إلى وظيفة المكان كما في أدبيات لوكاتش: ليس الحيّز المكاني مهمًا بذاته، بل بما يعكسه من بنى اجتماعية كامنة. القاعة تمثل رمزًا لطبقة لا يمكن اقتحامها دون “لغة خاصة”، وملابس معينة، وسلوك مقنّن. هكذا يتحوّل المكان من فضاء مفتوح إلى قيد رمزي يُقصي الداخل الغريب.
أما في قصة “لا رامبيلا”، يتبدّى المكان كـ فضاء غرائبي مزدوج: من جهة هو شارع في برشلونة، ومن جهة أخرى هو مرآة فاضحة للرغبة والانفلات من أسر الهوية الثقافية التقليدية. تتحرك البطلة في “لا رامبلا” بوصفه فسحة جسدية، لكن المكان لا يمنحها حريتها، بل يكشف عن تمزقاتها. تتوه في الزحام، لكنها لا تندمج فيه؛ تراقب العابرين، لكنها لا تكون منهم. المكان هنا ليس ميدانًا للحلول، بل مرآة لاغتراب الذات داخل حرية زائفة. وبهذا يصبح المكان بنية جمالية تُعيد إنتاج مفارقة الاغتراب في زمن ما بعد الحداثة: أنت حر في الجغرافيا، لكنك مأسور في التكوين النفسي.
أما في “إلى حجرتك بأثينا”، فإن المكان يُعاد بناؤه بالكامل من الخيال والذاكرة. الحجرة ليست مجرد مكان في خريطة الواقع، بل صورة متخيّلة لرغبة قديمة، لحنين لم يُعش، ولعلاقة لم تكتمل. الحجرة تتحول إلى وهم مُراوغ، تسكنه الحروف والانتظارات، وتدور حوله اللغة بلا مركز. إنها ليست مكانًا، بل استعارة للرغبة المؤجلة. وهنا نجد التحوّل في دلالة المكان من الخارج إلى الداخل، من المشاهدة إلى الاستبطان. لا يتجسّد المكان إلا بوصفه صورة ذهنية، ما يجعل القصة تمرينًا لغويًّا في بناء حجرة لم تكن يومًا على الأرض.
ومن وجهة نظري ، التحوّل الأقصى للمكان يتجلى في “الحاجز القطني”، حيث يتحوّل الفاصل المادي بين شخصين إلى بنية رمزية معقدة. الحاجز ليس قماشًا فقط، بل تعبير عن انفصال داخلي، عن مسافة لا تُختصر بالكلمات. يُكتب المكان هنا بلغة مضمرة، عبر غياب التواصل، عبر تكرار الإيماءات، عبر الفوضى الصامتة. لا تتحدد الغرفة فقط بما تحتويه، بل بما تمنعه: من لمس، من بوح، من اقتراب. وهكذا يتحوّل المكان إلى بنية سيميائية، كل عنصر فيه علامة على الانهيار العاطفي.
نلمس في مجمل قصص المجموعة أن المكان يُبنى لغويًّا لا ماديًّا، وأنه يتحوّل من نص إلى آخر، ومن شخصية إلى أخرى، من فضاء للدفء إلى ساحة اغتراب، من حلم إلى كابوس، من بيت إلى متاهة. وهذا التحوّل يُبرز براعة الكاتب في تشخيص المأساة لا عبر الحدث بل عبر الجغرافيا الحميمية . ولعل ما يجعل هذه التحولات في المكان فاعلة فنّيًا أن الكاتبة لا تلجأ إلى الوصف الزخرفي أو الإنشائي، بل يبني المكان عبر حركة السرد، وتوتر الحوار، وصمت الإيماءات. فكل مكان في النص يخفي خلفه علاقة مأزومة، أو هو نفسه تشكّل من تلك العلاقة. إنها أماكن لا تُنتج الراحة، بل تكشف القلق. أماكن لا تُجسّد المألوف، بل تُعيد تكوين الغريب. أماكن تتحرك مع الشخصيات، أو تتحلل معها، أو تنغلق في وجهها.
2- تحولات الزمن في بيريه صوف التوتر النفسي كصوت زمني باطني
في مجموعة “بيريه صوف أخضر” تتعامل الكاتبة مع الزمن لا كمجرى خطّي للأحداث، بل ككائن سردي ينبض بتوتر الشخصية، ويتشكّل من الداخل بقدر ما يتشكل من العالم. فالزمن في هذه القصص ليس إطارًا محايدًا، بل هو علامة على خلل عميق في وعي الذات، ووسيلة تُكشَف بها المأساة النفسية المختبئة تحت سطح الحياة اليومية. تتحوّل السرديات إلى مرايا زمنية مأزومة، يتداخل فيها الماضي بالحاضر، وتتكرر فيها الذكرى كما لو كانت تعيش للمرة الأولى، ويُستشرف المستقبل غالبًا لا بوصفه أملًا، بل تهديدًا أو استمرارًا لتشوّش نفسي.

بنية الزمن في المجموعة تميل إلى الارتداد والاسترجاع، فالشخصيات لا تعيش الحاضر بوصفه لحظة مستقرة، بل كامتداد لما كان أو لما لم يكتمل. في قصة “هكذا رأيت”، لا تبدأ الحكاية من زمن طفولة معلوم، بل من صوت داخلي في الزمن الحاضر يُعيد الساردة إلى مشهد مقعد الأب الذي كان “يُصدر صوتًا نافرًا”، وهو صوت ليس خارجيًا فقط، بل أشبه بطَنين ماضٍ لم يُدفن. الزمن هنا يتقاطع مع الحواس، ويتحوّل إلى إحساس مادي: صوت، ظل، زاوية، رائحة. وفي هذه العودة، لا نرى الزمن كذكرى فقط، بل كقلق متجدّد، لا يهدأ حتى بعد مرور “خمسين عامًا”. إنها كتابة عن طفلة لا تكبر أبدًا، لأن الزمن توقف في لحظة اختفاء الأب، وتحول إلى أبدية جرحية.
تتحول هذه العلاقة المقلقة مع الزمن في قصة “ساعة شيطان” إلى صراع يومي مع التكرار. تعيش البطلة في زمن دائري خانق: الاستيقاظ، إعداد الإفطار، الجلوس أمام صمت طفليها، ثم تكرار الدائرة. ليست المأساة فقط في العجز عن التواصل مع الأطفال، بل في أن الزمن هنا لا يتحرك، بل يتآكل ببطء قاتل. كل نهار هو نسخة من سابقه، واللحظة لا تختلف عن الأخرى. وهذا الجمود الزمني هو ما يصنع التوتر النفسي: إذ كلما توقف الزمن الخارجي عن التغير، تآكل الزمن الداخلي للمرأة، فصارت تستهلك ذاتها ضمن حلقة لا فكاك منها. وهكذا يصبح الزمن نفسه قيدًا، ربما يتوقف الزمن في مشهدية تحركها بالطفلين إلى مدرستهما فتسمع شفقة بعد الأمهات حين تهمس إحداهن ” متوحدان”.
وفي قصة “إلى حجرتك بأثينا”، يُرسم الزمن كمنطقة وسطى بين ما كان يجب أن يكون وما لم يحدث أبدًا. هنا يتحوّل الزمن إلى طيف، لا يُقاس بالساعات، بل بالحروف والنداءات والحلم المجتزأ. الحجرة التي كانت ستجمع بين الحبيبين، تبقى في حيّز الافتراض، والرغبة، والتمنّي. والزمن ذاته يُعاد تشكيله عبر الرسائل، والتذكّر، والخطابات المؤجلة. لا حضور حقيقي في هذه القصة، بل تردد بين ماضٍ لم يحدث وحاضرٍ بلا جسد. وهنا نلمس الزمن بوصفه خيانة داخلية: شيء وعدت به الذات نفسها، لكنها لم تصله قط. ويُصبح التوتر النفسي نتاجًا مباشرًا لهذا الزمن المُعلّق، الذي لا يُمنح للبطلة كحق، بل كحسرة.
أما قصة “لا رامبيلا” تقدم تحوّلًا مختلفًا في علاقة الشخصية بالزمن. البطلة تمشي في شارع غريب، يتقاطع فيه الزمن السياحي السطحي مع زمن جسدها العميق. إنها في اللحظة، نعم، لكنها تعيش توترًا ناتجًا من فائض الحضور: الجسد المرئي، النظرات، الأصوات، المحيط المتغير. ومع ذلك، فإن الزمن لا يتحرك بها إلى جديد، بل يحاصرها كنوع من الاستعراض القسري. هنا تظهر أزمة الزمن الحديث كما تُصوّرها الكاتبة: زمن السرعة، التعدد، التفكك، الذي يزيد الذات اغترابًا بدل أن يمنحها حرية. فكلما انفتحت اللحظة على الآخرين، انغلقت الشخصية على ذاتها أكثر، حتى تحوّل التوتر النفسي إلى ما يشبه الخدر أو الانفصال.
في قصص مثل “حفل للتذوق” ، و”جنازة “، نرى الزمن بوصفه سلطة اجتماعية. مصطفى، بطل “حفل للتذوق”، يدخل الحفل وهو يحمل تصورًا زمنيا لصعوده الطبقي، لحظة مفصلية ستبدّل حياته. لكن الزمن هنا يُقصيه لا لخلل فيه، بل لأن المنظومة لا تعترف بزمنه، لأنه آتٍ من زمن/طبقة/لغة أخرى. يتبدد الزمن الشخصي في لحظة الإقصاء، ويُستبدل بزمن رمزي خارجي لا يمكن النفاذ إليه. وفي “جنازة”، يتحوّل الزمن إلى سرد متخيل، فلا نعلم هل الجنازة حدثت أم لم تحدث، وهل الميت قد مات حقًا أم لا. لكن الأهم هو أن الوعي السردي يسعى إلى صياغة مأساة من خلال تركيب الزمن نفسه. الساردة تحكي لأنها لا تملك الزمن، أو لأن الزمن الحقيقي قد انكسر، فتُعيد بناءه بلغتها الخاصة، لعلها تنقذ ذاتها من السقوط في خواء اللاحادث.
مما يجلني أقول : في مجمل المجموعة لا يُستخدم الزمن كخط بياني أو تقنية، بل يُفكَّك من داخله: تتحول اللحظة إلى مرآة، ويتحول الماضي إلى متاهة، ويتحول المستقبل إلى فراغ مضغوط. فالتوتر النفسي للشخصيات لا يُفهم إلا من خلال تموضعها الزمني: من علّقته ذاكرته في الطفولة، من ابتلعه تكرار يومي خانق، من فاته زمن الحب، من اقتلع من زمنه الرمزي، من مات ولم تدركه لحظة موته. الزمن هو المأساة الكبرى، لا لأنه يمضي، بل لأنه لا يُعطى أحيانًا، أو يعاد بشكل مؤلم، أو يُقطّع حتى يتحول إلى شظايا لا يمكن تركيبها. بهذا المعنى، فإن تحولات الزمن في “بيريه صوف أخضر” هي الوجه الآخر لتحولات الذات: ذات تبحث عن توازن في زمن متشظٍّ، وتحاول أن تكتب في الحكاية ما لم يتح لها أن تعيشه في الواقع. وهذه الكتابة نفسها، التي تلتقط اللحظة، وتعيد تشكيل الماضي، وتُموّه الحاضر، هي شكل من مقاومة النفس للانهيار، ومن بناء المعنى ،وهي في ذلك، تبرع في جعل الزمن صوتًا داخليًا مشحونًا، لا يُقاس بالساعة، بل بالخوف، والحنين، والتوق، والخسارة.
3- تحوّلات لغة السرد داخل مجموعة “بيريه صوف أخضر”: من السرد الذاتي إلى تعدّد الأصوات
في فضاء القصة القصيرة المعاصرة، لم تعد اللغة مجرّد وسيلة لحكي الحكاية، بل أصبحت كيانًا سرديًا متحوّلًا، يُعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، ويخلق تموّجات داخلية تعكس تعقيد الوعي الحديث. في مجموعة “بيريه صوف أخضر”، يتجلّى هذا التحول اللغوي بوضوح، حيث لا تستقر لغة السرد عند نمط واحد، بل تنتقل من السرد الذاتي الحميمي إلى السرد العلائقي المتعدد الأصوات، ومن البوح الفردي إلى إعادة تمثيل العالم بلغة مواربة، تعكس أزمات الكينونة، وتوترات الهوية، وتمزقات العلاقة بين الأنا والآخر.
يظهر السرد الذاتي في عدد من القصص بوصفه آلية فنية تنطوي على استبطان داخلي عميق، يتحوّل معه السرد إلى مرآة لوعي مشروخ أو تجربة مضمرة. فمثلاً في قصة “هكذا رأيت”، يندمج الصوت السارد مع الذاكرة، ويتشكّل النص عبر منظور شخصي تمامًا، حيث تنشأ لغة القصة من الداخل، أي من الطفلة التي تتذكر أباها وصوت الخشب النافر من المقعد. اللغة هنا ذاتية، حسية، مشحونة بالتوتر الوجداني، وتعمل على استدعاء الزمن الغائب، وتحويله إلى دفق لغوي مشحون. لا يكتفي السرد بوصف الحدث، بل يعيد بناءه شعوريًا، لكن هذا السرد الذاتي لا يظل محصورًا في الاعتراف أو الحنين، بل يتحول أحيانًا إلى سرد متشظٍ، كما في قصة “إلى حجرتك بأثينا”، حيث تنكسر الحدود بين الذات والآخر، بين الواقعي والمتخيل، ويغدو الصوت السارد مزيجًا من الحاضر والماضي، من الوعي والحلم. اللغة هنا تتجاوز البوح إلى نوع من التمثيل المسرحي الداخلي، تتوالد فيه الصور والذكريات، ويغدو السرد فعلًا مستمرًا لإعادة إنتاج الذكرى. إنها لغة ذاتية نعم، لكنها ذاتية متكاثرة، تميل إلى التفتت، لا إلى التماسك، كأنها تكشف عن تعدد الذات لا وحدتها.
وفي المقابل، تنحرف بعض القصص عن نمط السرد الذاتي نحو السرد الغيري أو التمثيل الخارجي، كما في قصة “حفل للتذوق”، حيث تحضر شخصية مصطفى من زاوية شبه محايدة، ويتحول السرد إلى أداة لرصد التحول الطبقي والبؤس الاجتماعي. هنا تتراجع اللغة الذاتية لصالح لغة تصف العلاقات والمواقف والصدمات بلغة مشهدية متماسكة. لكن مع ذلك، لا تغيب الذات تمامًا؛ بل تتسرّب عبر العبارات والانطباعات الخافتة، كأن السارد يتوارى وراء ظاهر الحدث، فيما يُبقي إحساسًا داخليًا مأزومًا في خلفية اللغة.
هذا التبدّل بين الذاتي والغائب، بين المونولوج الداخلي والتقرير الخارجي، يمنح لغة المجموعة مرونة سردية عالية. ففي قصة “ساعة شيطان”، تتحوّل لغة السرد من حديث داخلي متهدج عن تجربة الأمومة والعجز، إلى توصيفات يومية شبه باردة، ثم تعود لتتوهّج مجددًا بلغة قريبة من الشعر الداخلي. هذا التذبذب الأسلوبي يُعبّر عن مأزق الشخصية: الأم التي لا تجد وسيلة للتعبير عن شعورها بالخذلان، فتتأرجح لغتها بين الوصف والتورية، بين الكشف والإنكار.
وفي بعض النصوص، يتخذ التحول في لغة السرد شكلاً أكثر تركيبًا، حيث لا تعود اللغة مجرد انعكاس لذات أو لرؤية واحدة، بل تتكشّف عن تعدد أصوات داخلي. يتبدّى ذلك في “لا رامبلا”، التي تتكثف فيها الأصوات والرغبات والهواجس في مشهد داخلي متشابك. السرد هنا لا يُقدّم موقفًا سرديًا ثابتًا، بل حالة لغوية سائلة تتداخل فيها الهويات، وتتشابك فيها مشاعر النفور والانجذاب والاحتجاج. وهكذا تتولّد اللغة من صراع داخلي، يتحول معه النص إلى تعبير عن مأساة لا يمكن الإفصاح عنها بالكامل. أما في قصة “الحاجز القطني”، فنتلمس تطورًا مختلفًا، إذ تتحول اللغة إلى سرد رمزي ملغّز، تتكلم فيه الشخصيات عبر إشارات، وتتحول الأشياء (الملاءات، الحواجز، النوافذ) إلى رموز تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. لم يعد السرد هنا وصفًا للأفعال، بل بناءً لغويًا لواقع داخلي مفكك. اللغة تتواطأ مع التعتيم، وتُخفي أكثر مما تُظهر، مما يعكس تحوّلًا مهمًّا في لغة السرد من وضوح الحدث إلى غموض الدلالة.
هذا التحوّل اللغوي من الذاتية الشفافة إلى التعدد الصوتي الرمزي يعكس، في جوهره، تحولًا في بنية السرد نفسه: من سرد يبوح إلى سرد يُشكّك، من صوت فردي إلى أصوات متقاطعة، من لغة كاشفة إلى لغة مواربة. وتلك تحولات تماثل — من جهة البنية — ما يطرحه لوكاتش حين يرى أن التحول ليس مجرد موضوع خارجي، بل هو ما يحدث للغة ذاتها، حين تصبح معبرة عن التناقض الاجتماعي والتاريخي الكامن في الذات.
ومن ثم ؛فإن تحولات لغة السرد في “بيريه صوف أخضر” تُبرز بنية فنية عالية الوعي بالزمن والذات والآخر. فالسرد لا يتحرك فقط في خط درامي، بل يتقلّب لغويًا ليمثّل تحولات الكينونة، ويتكشّف عن لحظة وعي متحولة، تفتش عن لغة تناسب هشاشتها، وتقاوم بها انسحاقها. إنها لغة لا تستقر في صورة واحدة، بل تجرّب، وتناور، وتتقنع، وتتفتت، وتتماسك، كأنها تسير على حدّ السكين بين الإفصاح والكتمان، بين الحبكة والمحو، بين الصوت والصمت. وبهذا المعنى، فإن لغة السرد في هذه المجموعة ليست فقط وسيلة للتعبير، بل هي في جوهرها موضوع التحول ذاته.
ولو منحت الكاتبة لغتها مزيدا من الاهتمام بشعرية النص فتخففت من بعض الروابط الزائدة ، و تحقيق قدر من الإيقاع الهامس في حس شعري لارتقت لغة السرد في هذه المجموعة إلى قدر من الجمال الأخاذ.





