عبد العزيز دياب
ذات يوم قلت لأمى: أنا سمكة.
ضَحَكَتْ وحاولت أن تلاعب سمكتي. أخى “مازن” كان يعرف معنى أن أكون سمكة، تخلى عن لعبة البلياتشو الضاحك، سكب فوقى ماءً كثيرًا. أصبت ليلتها بالحمى، قررت أننى لن أكون سمكة بعد أن أتعافي، حتى لو كان البحر لها، والسفن الغارقة، والشعاب المرجانية، والجنيات، يمكننى أن أكون أشياء أخرى كثيرة: قط. شباك. كرسى. قطار. طبيب.
حدث ذلك بعد أن شَرَحَ أبى معنى التقمص، كلمة غريبة تحدث عنها رجل متحذلق فى التليفاز: ليكن التقمص هو البداية أذا أردنا أن نحقق أى نجاح، أن نتقمص شخصية الطبيب اذا أراد الواحد منا أن يكون طبيبًا. شخصية ضابط الشرطة إذا أراد أن يكون ضابطًا.
“أمى أنا طبيب”
دَخَلْت حجرة العمليات وأنا أنهر “مازن” فقد تطوع أن يكون مساعدي. كنت متحمسًا وجادًا، اسْتأصِل من أحشاء جسد وهمي أمامى وأخيط الجرح، مازن كان يناولنى المشارط. المقصات. يجفف عرقى، تلوثت ملابسه بالدم، وأعلن عن زهقه، تركنى وغادر حجرة العمليات.
“أمى أنا اليوم كتاب”
قلت ذلك عندما رأيت أبى يقرأ كتابًا ولم يحدث شيئًا، ورأيت أيضا أبله “ميرفت” جارتنا تقرأ كتابًا وهى تبتسم، كثيرون رأيتهم يقرأون كتبًا ولم يحدث شىء، نستثنى من ذلك الذين يمزقون الكتب فشلًا، يمزقونها فقط عندما تتمزق دواخلهم.
سألت مازن: ما رأيك لو أننى كنت كتابًا؟
تخلى عن لعبة البلياتشو الضاحك، بلل إصبعه السّبابة بتلقائية وبدأ يقلب صفحاتي، بالفعل صرت كتابًا. فرت منى بعض الصفحات، وقف مازن عند صفحة بعنوان: عين الغولة حمرا.
“اقرأ يا مازن”
قهقه مازن كشخص قوى يقف أمام غولة عينها حمرا، أو خضرا، أو زرقا. آآآه، تذكرت أن مازن لم يتعلم القراءة بعد، هو فقط يجيد اللعب مع البلياتشو الضاحك.
أنا الذى قرأت، ولا يعنى هذا أن الكتاب قرأ نفسه. مازن أمتعته حكاية الغولة أم عين حمرا. أنا لا أحب الغولة سواء كانت عينها حمرا أو غير حمرا بعد أن خطفت الأميرة “شاهندة” وذهبت بها إلى الغابة لتقدمها هدية للغول.
الأميرة “شاهندة” كانت جميلة وتشهد لها كل الكائنات، أعجبت بها الغولة، قالت هذه الجميلة للغول، ظل البحث جاريًا من قبل خطيبها وحبيبها المعلم “بَخْتَك” الحداد، المعلم “بَخْتَك” حداد، وفارس، وعالم باحث فى الفلك، والبصريات، والدورة الدموية.
طخ طخ
طاااااخ…
كان “بختك” يضرب بالمرزبة على الحديد عندما علم أن الغولة أم عين حمرا خطفت حبيبته “شاهندة”. قذف بالمرزبة من يده، اندفع يركض بحصانه إلى الغابة، تركنى مازن واندفع يركض إلى الغابة هو الآخر، لن أتركه وحده، بدأت أنا الآخر أركض وراءه، مازن كان أسرع منى، سبقى، دخل الغابة واختفى عن عينى. ناديت عليه كثيرًا، بحثت عنه حتى تعبت، جلست إلى جذع شجرة أبكى، دفنت وجهى فى كفي وأنا أهذى بحرقة: ضاع مازن. ضاااااع مازنننن.
لما رفعت وجهى بعيدًا عن كفى رأيتني فى حديقة الحيوان، وكان مازن يركب على ظهر فيل، لحظتها أدركت أن مازن بلل سبابته، طوى صفحة الغولة أم عين حمرا ونحن الآن فى صفحة جديدة بعنوان: حديقة الحيوان.


