عبدالعزيز الظاهري •
لقد تغير كل شيء داخلي، أنا متأكد من ذلك، نعم هذه هي الحقيقة
قد يسأل أحدهم: كيف عرفت؟
ومن حقه أن يسأل.
وسأجيب بكل ثقة: لقد تغيرت الأحلام المرعبة التي كانت تتقاطر عليّ كل ليلة.
كانت أحلامي متشابهة بصورة مخيفة؛ أرى نفسي أزور صديقًا لي، وما إن أدخل منزله حتى أجدني فجأة أجلس مع رجل غريب، وبين أناس لا أعرفهم، يتحدثون بلغة لا أفهمها
أرتبك، ثم أخرج من المنزل مسرعًا، لأكتشف أنني في بلد آخر
أبحث عن هاتفي كي أستعين بأحد أصدقائي، فأكتشف أن بطاريته فارغة
أدور في شوارع المدينة ليلًا كالمجنون، لا أعلم إلى أين أذهب، ولا بمن أستغيث
ثم أصحو من نومي مذعورًا، وطبول قلبي لا تكفّ عن عزف إيقاعها المرعب.
وعن طريق سؤال العارفين بتفسير الأحلام، عرفت أن هذا النوع من الرؤى يعبر عن الإحباط، وعن أمنيات لم تتحقق، فتعود إلينا على هيئة كوابيس
لكن الحال تغيّر مؤخرًا
اختفى ذلك الحلم تمامًا، واستُبدل بحلم آخر أكثر هدوءًا وجمالًا، وكان السبب زيارة لصديق لي، رأيت خلالها رجلًا في الثامنة والأربعين من عمره، في منتهى الشياكة والأناقة، ومع ذلك كان الجميع يقولون إنه مجنون
كان يتحدث مع نفسه، يضحك أحيانًا ويبتسم أحيانًا أخرى
وحين سألت صديقي عنه قال:
هذا عمي-
ثم أخذ يروي لي قصته
قال:
لم يكن عمي من زمرة المجانين الذين نعرفهم، فهو — كما ترى — رجل جنتلمان بكل ما تحمله الكلمة من معنى
يرتدي أفخر الملابس، ويتعطر بأرقى العطور، ويعمل موظفًا في تحليل البيانات براتب مرتفع
ثم تنهد صديقي وأكمل:
في العاشرة من عمره، أحب ابنة خاله طيف، تلك الجميلة ذات الأعوام العشرة، وكانت تبادله الشعور نفسه رغم صغر سنهما.
لكن طيف رحلت عن الدنيا وهي في الثانية عشرة من عمرها.
ومنذ ذلك اليوم تبدل حاله، وجن جنونه
صار يزور قبرها باستمرار، يحدثها ويسامرها، وكأنها ما زالت على قيد الحياة
ورغم ذلك أكمل دراسته بتفوق، حتى تخرج من الجامعة بمرتبة الشرف
كان الأمر غريبًا في نظر الجميع
شاب لا يتحدث مع أحد، حتى مع أساتذته، يعيش في عالمه الخاص، ومع ذلك كانت درجاته مرتفعة في كل المواد، وأناقته تلفت الأنظار، مما جعل الناس يتعاطفون معه بدلًا من النفور منه
وأضاف صديقي:
أكمل عمي حياته بشكل طبيعي، وحصل على وظيفة مرموقة، وهذا ما أدهش الجميع أكثر من جنونه نفسه.
وفي أحد الأيام ذهب إلى خاله وأخبره أن طيف قامت من قبرها، وأنها ترافقه أينما ذهب، وأنه يريد الزواج منها.
وبسبب حالته، وشفقة العائلة عليه، وافقوا على تزويجه بها غيبيًا، وكأنهم يسايرون عالمه الخاص.
ثم صمت صديقي قليلًا، والتفت إليّ قائلًا:
هل تعلم أن عمي كان يردد دائمًا سورة واحدة من القرآن؟
سورة العصر-
انتهت القصة، لكن شيئًا منها ظل عالقًا داخلي
عدت إلى منزلي، وأخذت أفكر طويلًا في قصة عم صديقي، أحللها من كل زاوية، وأبحث عن السر الذي جعله يعيش هكذا، بين الجنون والسلام
ومع ذلك لم أصل إلى شيء
وأخيرًا تذكرت سورة العصر التي كان يرددها دومًا
عدت إلى تفسيرها، وتوقفت عند الآية الأولى
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
حينها فقط أدركت شيئًا بسيطًا، لكنه عميق
أن الحياة قصيرة جدًا، مجرد حلم عابر لا يستحق كل هذا العناء الذي نستهلك أعمارنا فيه
لذلك قررت أن أعيش واقعي كما هو، دون أن أتخلى عن أحلامي
أتمنى، وأسعى، لكن دون أن أرهن قلبي للنتائج
فإن تحققت الأمنيات فذلك جميل، وإن لم تتحقق، فهي على الأقل كانت محاولة تستحق أن تُعاش.


