المجلة الثقافية الجزائرية

طيور أثيوبيا

علي الشدوي

لا بد من أنكم تعرفون إنسانا،  أو على الأقل سمعتم عن إنسان متقدم في السن، لكنه يبدو أصغر مما هو عليه. حارس العمارة  التي سكنْتُها من أؤلئك الذين افترض أنكم رأيتموهم. يُدعى آدم بيلو. كذكر النعام. هيئة ضخمة، تدعمها ساقان طويلتان وقويتان.  تنتهي رقبته الطويلة  برأس صغير. دائما ساقاه عاريتان بسبب زيّه الإفريقي. من سمرة وجهه، وشاربه الكث، لم يكن مستبعداً أن يكون ارتكب بعض الجرائم، هكذا تخيل عقلي حينما سكنْت لأراه أول مرة، يجتمع عنده  يوم الجمعة جيلان من اللاجئين: الجيل الأكبر الذي يتذكر أنه سكن الوطن، وتشارك العيش فيه. ذاكرة جيل هي في آن واحدة حميمية ومتشاركة. يرتبط في ذكرياته الفضاء الجسدي مباشرة بفضاء الوطن المأهول. مسالكه التي اجتازوها بسهولة أو صعوبة.
– الصعوبة الممتعة.
أخمّن أنها الجملة التي يقولها الكبار ليصفوا علاقتهم بوطنهم أمام إدراك الجيل الأصغر. ذلك الجيل الذي تحْملهم  أخيلتُهم وترميهم إلى أبعد مما هُم. شعورهم بعدم وجودهم في المكان المناسب. الخراب. القلق المرتبط بأن يصبحوا متسكعين وتائهين بعد أن وُضعوا على الطريق.
 يفضى حديثهم إلى أسئلة تتواتر من عائلة لاجئة إلى أخرى. الذي مات والذي  بقي. الذي  تزوج والذي لم يتزوج والذي لم ينجب. مَن أنجب الولد الذي يحمل اسم أبيه، ويحافظ على اسم العائلة. يرمي أحدهم اسما، فيُلتقط فورا، ويُترجم إلى حكاية تخرج منها حكاية أخرى.
تقيم عنده كل  أسبوع إحدى زوجاته الأربع. يأتين من حي بلْبلَة. أصغرهنّ اسمها حليمة.  شَنٌ هو وهي طبَقة. تظهر عيناها واسعتان مقارنة مع رأسها، تزيّنهما رموشٌ طويلة تذكّرني  بعينيْ نعامة إفريقية. لم تنجب  سوى ولد واحد مما ساعدها على أن تحتفظ برونقها مدة أطول.
ثم اقتصر آدم بيلو عليها في الأيام التالية. يبدو أنها الزوجة المفضّلة. بعد أن عاشت في الكوخ المبني طرف الحوش، وبعد أن تعرضت للشمس أكثر مما يجب  اندبغ جلدها. ثم تفكك جسمها وسمُنت بعد أن كانت هيكلا عظميا.
تسير حافية القدمين وشعرها مسرح إلى الخلف. تسير ببطء وكثافة لترافقها القطط. تدور حولها وتتمسح بساقيها من أجل أن تطعمها.
وهي تجهّز غداء الجمعة-في الحقيقة هي لا تجهز إنما تغدو وتجيء لتجلب ما تصدّق به الجيران- يصبح الضيوف اللاجئون ملكا لها. يتلاشى من حولهم الغبار. تنبت بدلا منه الورود. تنتعش البسمة على وجوهم بدل الأسى. لا يعود بينهم أي أعور ولا أحول ولا أعرج ولا أثرم ولا أثر لأي جرح متقيّح في سيقانهم أو أقدامهم. يستردون عافيتهم. يغرقون فيها كما يغرقون في رمال الوطن المتحركة. يعومون بين موجات نهديها، ويتأرجحون معهما، أنّى مالا مالوا معهما.
تشم فيهم رائحة القرد الحيوان. تمتعت بنوع من الحدس أهّلًها لأن تكتشف أعمق ما في طبيعة القرود. شرعت تبتكر الوسيلة تلو الوسيلة لإثارتهم. يبدو لي أن آدم بيلو يعذّبهم بها. بينما تَغْنج هي يقهقه هو معهم كما لو كانوا قطيعا من الذئاب. لا حزن ولا شعور بالأذى. كما لو أن غُنْجها وطنهم، وجسدها  أحضان طبيعته الأصلية؛ حيث طراوة الأشياء وبدائيتها.  العشب الذي يشكل الفرشة الطبيعية للأجساد الذّكرية. يا لمتعة قهقهة الجيل الأكبر من اللاجئين!  وعلى رأسه قهقهة آدم بيلو التي يفتقدها الجيل الأصغر الصامت. ذلك الجيل الذي قيل له: إن الله يتصارع مع الشيطان، وساحة الصراع هي القلب؛ لذلك فكثرة الضحك تميت القلب.
حين تثيرهم حليمة فهي لا تنتهك؛ لأن لا ظروفَ تنْتهكها. تريدونني. تشتهونني. تقول ذلك من دون أن  تشكل إيماءاتها عبئا أخلاقيا. دون أن تترك أثرا في زوجها. هي في مركز اهتمام المجموعة. مندمجة معهم، لكنها هامشية. تشبه المجانين العقلاء  في الثقافة العربية الذين يقولون من دون أن يؤثروا، من دون أن يزعزعوا سلطة. أو لأقل “دنيوسوس” في الثقافة الإغريقية. أجنبية وغريبة، ولها صورة الآخر. مخيفة ولطيفة في آن. ترمي الموجودين بالرجس والجريمة، في الوقت الذي تهبهم الهروب من واقعهم اليومي. يصبح الحوش خشبة مسرح تُعرض عليه حكاية كما لو أنها حقيقية. نعمة العودة إلى التواصل السعيد المُتذكّر، فيتذوقون حلاوة عصر وطنهم الذهبي المستعاد.
لو أنني سألت واحدا منهم عما تعنيه حليمة له فأظن أنه سيقول” أختي. لن يقول: حبيبتي. عشيقتي. صاحبتي. لا لأنها متزوّجة؛ إنما لأن لكلمة أختي  معنى أقوى. تموّه العلاقة العشقيّة بين الأخ والأخت في الجزء القديم من البشرية. إضافة إلى هذا المعنى المُموّه هناك اندماجها فيهم. تلعب علاقة الاندماج دورا مهما بين اللاجئين. تهيمن عليهم صورة الجماعة. يوجدون معا. في ذلك المكان والزمان تكون كل النساء خارج مجالهم ماعدا حليمة إلى أن ينفضّ اجتماعهم.
يعم الصمت قبل صلاة العصر كما لو أن الحديث انتهى. يبدأ الجميع في إلقاء تحية الوداع على الجميع. يعينون مواعيد جديدة لكي يلتقوا، ويتبادلون اتفاقات معينة تخص ما يحتاجه بعضهم من بعض. ثمة لغة وداع مشتركة تجمعهم، ومفردات متعارف عليها، وحميميّات مشتركة.
يسعني القول إنهم أصبحوا أصدقاء. ما إن يتجمعوا حتى أهبط إليهم. تجربة دنوّ من أناس يختلفون لكن فجأة يصبحون قريبين. جماعة متخيّلة تسمح لك بالاستعمال لتكتشف فيها بُعدا حياتيا يختلف عن بعدك. على وجه الدقّة لا يختلف إنما يتجاوب. أثّر في هذا البعد. هز مشاعري. أحد ما على ما أتذكر قال: إن الصداقة،حتى بين الرجال، تنزع إلى أن تكون شبيهة بالمشاعر التي نشعر بها تجاه الأنثى؛ تلك التي تنطوي على شيء من الحب.