علي الشدوي
هناك الكثير من الفتيات اللاتي تعرفتهُنّ في محل منيلك. إحداهن تُدعى جميلة. نصفها عَفري ونصفها عربي. من البنات اللاتي يسترن جمالهن ليمنحْنَه مَن يتأمله. كطائر السمّان؛ بودك أن تشويها قبل أن تأكلها. ألذّ ما فيها فخذاها البضان حينما تضع أحدهما فوق الآخر.
عشريّة وجريئة. خياليّة. بشرتها ناعمة ومشدودة ، شعرها مضموم، وجسدها مفروك بغسيل السدر. تحيط عنقها بعقد يتدلى إلى ما فوق نهديها ، وتلبس في ذراعيها أساور نحاسية . تحبّ الأطفال، وتتمنّى لو أنها تعمل في روضة، وتكمل دراستها التربوية في المعهد السعودي.
بدون أي تعقيد أصبحنا صديقين. في مساء اليوم الثاني كنّا قد عدنا-أنا وهي -من دورالي. عرجنا على مطعم حضرمي. أكلنا واحتفظتْ بما بقي لبعض صديقاتها. عبرنا باحة مجلس الشعب. أردتُ أن أودّعها لأنها ستنعطف إلى اليمين، وسأكمل أنا السير إلى شاطئ الإيرون.
-سأذهب معك. ثم فتحت الكيس للقطط.
جلسنا مقابل البحر. ثم وقفنا نتكئ على مصدّ من الحديد؛ ونحن ننظر إلى الأفق. انحنت لتراقب كائنا بحريا فظهر أصل نهديها. ذكّراني -وهما بدون حماّلتين – بعصر النساء الذهبي حين كُن قريبات من الطبيعة، ولم يتلوّثن بعد بالثقافة. لا أظن أنها يوما ما ستكون زوجة؛ لأن طبيعتها الأقرب إلى الطبيعة سيلوثها الزواج؛ المؤسسة الأسوأ التي اخترعتها الثقافة البشرية.
لكنها مرتبطة بابن عمها الذي يعمل سائق شاحنة بين جيبوتي وأثيوبيا. لم يدخل بها. مجرد وعد من أبيها قبل أن يموت. لو خُيّرت ما اختارت لكنه النّصيب كما اعتادت أن تقول. لا تحبه لكنها تعوّدت عليه. يأتي ليراها ثم يذهب. تبكي لا لأنها تحبّه؛ إنما لأنها تعودت عليه.
تركنا البحر خلفنا لنسير في اتجاه القصر الجمهوري. الطريق طويل ولا يُسمح للسيارات بالسير فيه. بدا ونحن ننظر إليه كما لو أنه يخترق الأشجار المزروعة على جانبيه. وضعتْ يدها في يدي. يدها صغيرة ورقيقة وناعمة. سرنا في وسط الطريق، ولم يكن ينقص المشهد إلا مخرج موهوب ليكون مشهدنا من الخلف نهاية فيلم ذلك اليوم الأول الذي قضيناه معا.
تكرّرت لقاءاتنا. لا شيء يحدث سوى تلميحات تجيب عنها بـ ” أكل العنب حبّة حبة “. ظننْت أنها تقصد ” لا تستعجل ” بينما تبيّن لي مع الوقت أنها تقصد ” اعقل ” . خذلتها اللغة العربية لأنها لا تعرف تلميحاتها، وجرفتني أنا لأنني أعرف تلميحاتها.
لها آراء تلفت الانتباه. فالبشر ليس لهم آباء بالمعنى العضوي؛ إنما بالمعنى المجازي. حكتْ لي أن أباها هاجر من جيبوتي إلى أثيوبيا وبقي هناك أعواما ثم عاد ليجدها خُلقت. فرح بها، وعجز أن يفهم تلميحات العيساويين إلى أنّ أمها ليست عفيفة ولا فاضلة.
قالت وهي تبتسم
-الروح هي التي أتتْ بي لتدسّني في رحم أمي .
ثم حدّثتني بما أثار استغرابي.
– قبل الاستعمار الفرنسي عاش بنات قريتي حياة جنسية حُرّة. ولسبب غامض لم يكُنّ يحملْن، وإذا ما حملت إحداهن فذلك عار لا يُمحى. تسأم الفتاة من حياة كهذه فتتزوج.
بدا لي ما قالته كلاما بلا معنى لكنني تركتها تكمل
-عجز المبشّرون أن يقنعوا رجال قريتي بمفهوم ” الأبوة ” لكي يقولوا ” أبانا الذي في السماء “؛ لأن الرجال لم يصدقوا أن أي أحد يمكن أن يكون له ولد ذكر .
قلت لها
-لا ينتظرْن حتى ينضج العنب.
استمرّت علاقتنا إلى أن مللنا الحياة الحرة التي عشناها فتزوجت. ثم تطلّقت، وعملت خادمة في بيت موفَد سعودي. رأيتها هناك. لم تكن جميلة التي أعرفها. تحجّبت، ولبست العباءة. وضعتْ جزءا من العباءة على كفها لكي تصافحني.
لقد كانت أجمل مما أراه بكثير. الآن كل شيء يغطيها إلا عينيها المتّقدتين؛ أما آنذاك فقد كان بوسعي أن أرى لا عينيها وحدهما؛ إنما كلها.
سألني الموفد
-أتعرفها؟
لم أجب بما أريد؛ إنما بما شعرت أنها تريد
-لا .
شرع يمدحها. وقد خمّنت أنه متيّم بها.
غادرتْ المجلس. كانت قد جاءت لتجهز سفرة الغداء.
سألني ما إذا سمعتُ عن القرية التي عجز المبشّرون عن تنصيرها. وامتدح الإسلام الذي لا يعرف مفهوم الأبوّة، وكيف أن ذلك ساعد الدعاة المسلمين على أن يدخل أهل القرية في الإسلام.
لم أناقشه في العلاقة التي أقامها واكتفيت بأن قلت
-تدعم الأخلاق الاجتماعية الأفعال الاجتماعية المرغوبة.
لم أرَ جميلة بعد ذلك، لكن حكاية قريتها ظلّت معي. وسواء أكان ذلك ما حدث في قريتها، أو سمعت به، أو حتى قرأته فإن ما حدث هو الجزء القديم من البشرية، ولا بد أننا مررنا به في يوم ما ثم تجاوزناه؛ أعني الوقت الذي لم يكن يعرف فيه البشر الأبوة العضوية.


