بسمة الشوالي – تونس
– أمّي..
أصاخت.. يتراصّ الحفيف في السّماء، يتكثّف، يهِفّ هبوبا ما ينفكّ يعتو.. ريح صغيرها المختلفة تتحلّل في رشح أنفها الدّامع، وصوته يركض خفيفا مرحا حافي القدمين في فناء السّمع الدّاخليّ..
هشّت..
– حنظلة أنت هنا..؟
أتكون الحرب قلَبَت الكون رأسا على عقب فأرضه سماء وسماؤه مداس..؟ وأرواح الأحبّة..؟ هل يدرجون الآن بيننا..؟ حنظلة يا قلب أمّك أضلّك عنّي الزّحام..؟ أنا هنا حيث تركتَ جسمك. تعال يا صغيري واحذر عراك الصّبية على حبّات الكجّات التي خسروا، أو على درّاجة منسيّة في الطّريق.. اِنتبه أن تدهسك مزنجرة أو ينهشك كلب بشريّ..
كلاّ.. إنّما يتهيّأ لي، حشرج صوتها منكسرا. حبيبي هنا، بين يديّ قِدَدا..
تصدّرت اللّحظة العاقلة مقدّمة الذّهن الفارّ من عقله. اِستدركت منتكسة. السّماء تثقل، تتساقط كِسفا من خضرة تؤول لحظة فأخرى إلى سواد كظيم يجمجم في حلقه الوعيدُ الفائح..
الأرض تميد، تخبط، تهتزّ، تتفتّق، تنشقّ، تتكسّر حوافّها الصّخريّة، تقعقع مقاطعها الحجريّة، تتقلّب جنوبها الغافية، تنسكب مياهها خارج ضفافها، تتعرّى تربتها من أرديتها، تهاجر رياضها بزهرها وعشبها وأكسيتها النباتيّة خارج حدودها الطبيعيّة.. تجتاح الخضرة الأمكنة، السّاحات العامّة، الزّناقي الضيّقة.. تطغى على الشوارع، الأنهج، الطرقات المعبّدة، وتنخسف تحت أقدامها الماردة مدن برمّتها.. يسقط جدار العزل الجائر، تتقطّع الأسلاك الشّائكة، وتفرغ الأخرى من شحناتها الكهربائيّة الصّاعقة.. يتدفّق النّاس في الاتجاهات المتعاكسة ولا يتعانقون أو يرمّمون بالحبّ المنازل المتصدّعة منذ عقود من الفصل القهريّ..
الكلّ، هؤلاء وأولئك فارّون نحو لا أحد ولا مكان..
“ماذا يجري يا أمّ حنظلة..؟”
تتساءل في غير اهتمام جدير بما يمور حذوها وأبعد بما هو أدهى. مركز العالم مرمى حجرها الملتاث دما وأتربة، كلّ الزّمن دقائق حنظلة المطموسة، وكلّ الخريطة الكونيّة جسده الصغير مزقا..
خسفت البصر كرّة أخرى إلى طفلها أمامها. بين دمعة وعي رضيض وضحكة عقل مُختَبِل راحت في أناة تلمّ إليها شتات صغيرها، ترتّب أجزاءه، تتريّث في رفع أمعائه حذر أن تؤذيها.. “
” صرتَ أصغر ممّا كنت يا ولدي، هل أضعتُ منك قطعة ما؟
تحسب قطعه بتؤدة شلوا شلوا وتعيد الحساب..
“هي كاملة، لكنّها فقط غير ملتئمة.. لا تحزن، أمّك معك ولن تدعك نهبا لأحد.. سأعيد جبر كسورك، وخياطة جلدك يا حبيبي.. نعم سألدك من جديد أكمل، أجمل، أشرس ممّا كنت.”
شيّعت شهقة أخرى إلى السّماء المعشبة..
“حنظلة يا روح أمّك الشّاقية أعدت تلعب في بستان أبي غسّان من جديد..؟ سيقصفونك ثانية يا كبدي فعد، إنّهم يخافون الأسماء يا ولدي، يحاربونها في لافتات الأنهج، وبطاقات الهويّة وحتى في همهمات النّوايا المستترة.. عد أو دعني أوافيك حيث أنت فأردّ عنك مطر الصّواريخ العمياء..”
خفضت نحو ركبتيها نشيجا حرشا يجرح أرضيّة الحلق الجافّ.. صارت تخبط فخذيها حينا، تنتش شعرها حينا، وتلطم وجه الإسفلت الضّريج بكفّين جريحين..
– أمّاه..
ثانية، تناهى إليها النّداء.. عادت تتنصّت على مفاصله المصطفّة مرمى فؤادها الأثكل.. من أيّها يخرج الصّوت يا ترى..؟ فتحة فمه قد رُدمت و.. أم..؟ شبح هنا..؟ فما من شيء إلاّ ينقلب إلى سوء منقلب من حولها..
اِرتاعت. “الحزن يُذهب عقلك يا امرأة، لُمّي طفلك وعودي إلى منزلك..”
– أمّاه..
هو حقّا يحدّثها..
– لا تفْرقي، لا تخبطي الأرض ينفلق كفّاك. لم أمت. أنت تشقّين الثّوب الأخير لديك. أيّ فستان تمزّقين غدا إذا سقطت أختي؟ لن يبقى لك بعد غد سوى لحمك تقدّينه حزنا علينا.
غرّدي خلف ضحكتي المسروقة كالحمامة الولهى واخفقي فيّ يشتدّ قلبي الصّغير، أمّي. يحبّ بعض النّاس جسدي يُهراق ليلتقطوا لأنفسهم صورة إلى جانبه. يحبّ العدوّ دمعك القاني ليتأسّى على ذات فزع روّعه من قبل على غير أيدينا. خبّئي سريّ أمّاه عن الكاميرات، مشهدي الخارق لكلّ أهوال الحروب يغري الدّول والأحزاب والتّيارات فيتقاتلون عليّ حول الولائم الباذخة والكؤوس المترعة وينسوْن جرحك المتعدّد للنّزيف..
لم أمت يا أبي. تريّث أن تجزع. ستوقظ أحلام أختي الصّغرى وأخي القادم على مهل الجنين المطمئنّ. حييت الآن أكثر. تعدّدتُ، أنا، في جسدي الواحد، تحوّلت من كلٍّ صغير إلى أجزاء أكبر ممّا يظنّون. معادني تحلّلت في دم الأرض الفقير فاغتن بي، أبي.. حبالي العصبيّة اشتدّت ترتق كوفيّة الأمل المتفتّقة، وأظفاري الصغيرة لم تعد هشّة أمّي، صارت محاريث تشقّ جلد التّراب المتيبّس فيخصب.. غدا أصير شجرة تلتفّ على جذعها الممشوق أمعائي كأطفال العلّيق أمّي. لحمي الغضّ لحاء الشّجرة، ونسغها من دمي الدّفيق. وقلبي ثمرة ما، لست أدري ما أكون، قد أَحِلُّ في جسد “البرتقال الحزين”، أو بكوز زيت الزّيتون، وربّما أنسكب ماء عنب نمير، أو قد أدبغ رؤوس أصابعك بقشرتي الرمّانةِ تفركينها لأخي القادم من بعدي، تغسلينني بعدئذ بحامض اللّيمون فلا أمّحي عنك فتنهرينني كم أنت عنيد يا حنظلة.. فأضحك منك منتصرا عليك..
تفتّشين عن عينيّ بين حبيبات التّراب المدمى أمّاه..؟
اُنظري على التلّة حيث كنت ألعب هذا الصباح. هناك أبعد قليلا على قفا التلّة شجرة توت، رأيتِها..؟
تانك عيناي دشّنتا عهد التّوت اللاّزورديّ كعينيك.
تعالي واجلسي تحت ظلّي الوريف عند الظّهيرة واجمعيني كلّ ربيع. لا تضعيني في سلّة السّعف تلك. جوفها كأقفاص الدّجاج الفارهة. اِملئي بي حجرك هذا كزهر الأرنج الذي تقطفين. اِشربيني عصيرا تَصِحِّي بي أمّاه. واسندي إليّ ظهر أبي عند رذيل العمر. اِفترشي التّراب عند جذري إذا سكن أوصالك الوهن، سأوصي مساحة ظلّي أن تذلّ لجنبك رحمة، ولا تَخِزك أصابعي النّاشبة في عيونهم. توكّئي على روحي وامضي إليّ.. ولا تنسي أمّاها ما أوصيتك به:
لا تفشي سرّي لأحد منهم ومنهنّ سيأتون لالتقاط الصّور عند مساقط أوراقي، فيزايدون بها عند كلّ انتخابات، ويرقشون على لِحَائي أسماءهم ليتظاهروا بصداقتهم لي عند القمم ومآدب الكلام الأمميّ.. أمّي.. دعيني وحيدا ككرمتنا العجوز خلف دارنا. أما تزال دارنا على حالها بعد..؟ ودعيني بسيطا كأنت، عميقا كالبئر التي بحوشنا المنهوب..
أسفر الشّحوب على وجهها، أضاء خافتا كفتيل ينوس. شخصت أعلى، تهيّأ لها وجه ابنها ينام في حضن زنبقة سماويّة، وجه مدوّر، شاحب البياض، بحريّ العينين. اِبتسم لها فومضت على شفتيها المبيضّتين ابتسامة خرقاء تخلّفت عن ركب المواجع المترحّلة من مقبرة إلى مقبرة. عهد الفقد قضى، قال حنظلة. أومأت برأسها أعلى أسفل مرّات متتاليات تزكّي سمعها. مازال الفتى العنيد يشيح عن النّاس بوجهه ويُوليهم قفاه العبوس لكنّها تصدّقه الآن أكثر. الموتى لا يكذبون. اِطمأنّت والمدن من حولها جزعت، تتقلّب فيها القلوب والأبصار والأفئدة الهلوع.


