بقلم: عبد الحكيم بن لطرش
أُحدّثكم مباشرة من الطابق السادس من عمارة مُكوّنة من خمسة عشر طابقا. توقَّفَ مِصعد العمارة للمرّة الثالثة هذا الأسبوع.. لو كنت أعلم أنّ مصعد العمارة مُصاب بمرض الشلل المُزمن ما كنت قبلت بمسكن في الطابق الثاني عشر.
فيما يُفكّر الرياضيون الذين يتسلّقون الهيمالايا؟ لطالما راودني هذا السؤال، يأتيني مُلحّا كصغير يبكي ويضرب ويشتم بكلمات لا يفهمها غيره كي يتحصّل على سلاحه الذي يرش بدل الرصاص ماءا. عادة ما أراهم مُبتسمين على أغلفة المجلات و على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.. هل نسعد بعد أن نصل إلى نصف الارتفاع؟ هل نفقد شيئا من ذاكرتنا؟ ثم فيم نفكّر؟
صُعودي مِئتا وثمان درجات ثلاث مرات في أسبوع واحد، وهو ما يعادل الوصول إلى ثُلث ارتفاع برج ايفل، مكنّني من الإجابة عن السؤال.
أرجو طمأنتكم: لا أريد المُقارنة بين صعود جبال شاهقة كالهيمالايا وصعود السلالم، لكنني أؤمن أن هنالك علاقة ولو بسيطة بين ما يشعر به الرياضي وما أحسه أنا عند تسلُّقي الدرج.
– عمى اللحظات الأولى: من الدور صفر إلى الدور الرابع
يكون البدء بخطوات كبيرة تجمع بين أربع أو خمس درجات بالمرة.. ويأتي مُرفقا بابتسامة عريضة. تدل الخطوات الكبيرة على همّتك بينما تعكس الابتسامة معدّل طاقتك المرتفع. مثلك تماما، يتسلّق صاحبنا الرياضي الجبل بخفّة لا تُضاهى تجعله لا يسأل عن الارتفاع الذي وصل إليه وتُنسيه شرب المياه. بطارية كلاكما ملأى على آخرها.
– الوعي بضُعفنا: من الدور الرابع إلى الثامن
تركض أحصنة قلبك لا مُبالية في كسر أضلع صدرك الواهِنة. لا تطيق إسكات صهيل أحصنتك الذي يخرج على شكل تنهدات مُتثاقلة. تتوقف أقدامك عن الحركة دون استشارتك، فلست أنت من يتحكّم بها بل هي .. وقد أعلنت اضراباً لحظِيّاً. لا حلّ أمامك إلا السمع والطاعة. ترفع رأسك نحو الأعلى لتجد رقم “ستة”، تبتسم له وتُحدّثه رافعا صوتك فتخرج كلماتك ملتوية و غير مُتماسكة كقطيع أغنام يُفتح لهم الباب بعد يومين من الحبس. ” لقد .. لقد وصلت ل .. للمنتصف ! ”
– هذيان: الثلث الأخير
يجول بالك في أشياء بعيدة جدا عن اللحظة الراهنة.. كأنك تنفصل عن المكان والزمان. تُفكّر في وجه صبي تبسّم لك هذا الصباح في الباص دون أدنى سبب، و في والدته الغارقة في أعماق جوّالها. ثم يتوقّف عقلك عن التفكير. تواصل التقدّم للأمام وفي خطواتك شيء من اللامبالاة، من عدم الإكتراث وكثير من التّيه. وصلت للطابق الثاني عشر، واصلتَ التقدم وقبل أن تخطو خطوة نحو الطابق التالي تذكّرت أنّه طابقك، رجعت للوراء كما يتذكّر أبطال الأفلام ماضيهم، فيكبس المخرج على ضغطة زر ليجعلنا نشاهدهم صغارا يلعبون في الشوارع، ثم في غضون ثوان نرى قصّة حياتهم كلها. أخرجت من جيب حقيبتك السوداء المُهترئة سلسلة مفاتيحك ببُرودة تامّة، فور دخولك رميت الحقيبة كأنّك تلقي بالقمامة، نزعت معطفك الشتوي ثم رميت بنفسك في سريرك و نمت.
*****
ما شعورك بعد وصولك للقمّة؟ يسأل الصحفي القدير ثم يمد ميكروفونه ويُقلّص فتحتا عينيه تعبيرا منه عن اهتمامه وشوقه الكبير بجواب الرياضيّ. لم يتمالك الرياضي قواه، خرّ كناموسة بعدما شحطتها الجدّة بظهر ملعقة خشبية عمرها قرن و رُبع.


