شعر: آدم دانيال هومه.
عيناكِ غزالتانِ مذعورتانِ
تفرّان من غابةٍ تتربّصُ بها الذئاب
من ليلٍ يطاردُ الضوء
ويعلّقُ على أغصانِ الريح جماجمَ العابرين.
كلّما ارتجفتا
اشتعل البرقُ في قلبِ العتمة
وانشقّ صدرُ الغيم عن شلالٍ من النور
كأنّ اللهَ ما زال يكتبُ على صفحات السماء
وصيّتَه الأولى للمحبّة.
أمّاه…
يا آخرَ سنبلةٍ لم تحنِ رأسَها للعواصف
ويا أوّلَ ترنيمةٍ خرجت من فمِ الخليقة.
سماءُ قلبكِ مطرّزةٌ بطواويسِ الفردوس
تزهو بألوانٍ لم تعرفها أقواسُ المطر
وتفيضُ بأطيافٍ تتكسّر عندها مرايا الشمس
خجلاً من بهائها.
بكِ يستعيدُ ترابُ الرافدين قداسته،
ويعودُ الطينُ الأول ليتذكّر أصابعَ الخالق
حين صاغ الإنسان من قبضةِ نور
وقبضةِ تراب.
وبكِ يفوحُ عطرُ السلالاتِ الأولى
وتنهضُ المدنُ النائمة من سباتها الطويل
فتفتحُ نينوى نوافذها للريح
وتغسلُ بابلُ جدرانها بماء الفرات
وتستعيدُ آشورُ صهيلَ خيولها
ورنينَ سيوفها
وأجراسَ معابدها.
وحين تنثرين غبارَ الطلع على رياض الأطفال
تزهرُ الضحكاتُ
كما لو أنّ الربيع خرج لتوّه من رحمِ السماء.
أسمعُ وقعَ قدميكِ على أرصفةِ ذاكرتي
فتتسابقُ الأزمنةُ إلى احتضانِ خطاك.
وأشعرُ بحفيفِ حبّك يسري في دمي
كما تسري الأنهارُ في عروقِ الأرض.
وتتلألأ عيناكِ في مرآةِ قلبي،
فتغدو النجومُ مجردَ قناديلَ صغيرة
أمامَ اتساعِ نورهما.
وأرى شعاعَ القيامة ينبثقُ من حنايا قبورِ الشهداء،
فتتكسّرُ أبوابُ الموت
ويخرجُ الذين ناموا على وسائدِ الدم
حاملين سنابلَ الحياة.
وفي هدأةِ الليل…
سمعتُ وقعَ حوافرِ حصانِ نبوخذنصّر
يدكُّ شارعَ الموكبِ في بابل
فتتردّدُ أصداؤه
من زقّورات الجنوب إلى قممِ الشمال
ويهتزُّ العراقُ
كما تهتزُّ القصيدة في صدرِ شاعرٍ
أثقلته المنافي.
ورأيتُ التاريخَ ينهضُ من رماده،
ويمسحُ الغبارَ عن ألواحِ الطين،
ثم يسألُ أبناءه: أين الذين شيّدوا الحضارات؟
وأين الذين زرعوا الحروفَ الأولى في حقولِ الإنسانية؟
لكنّ الريح لم تُجب.
ورأيتُ كردستان عاريةً على الرصيف
تتلفّعُ بصمتِ الصخور
وتنتظرُ شمساً أضاعت طريقَها.
كانت صورتُها تنعكسُ في مرآةِ الدنيا
كسنبلةٍ أحرقها القيظ
أو كنهرٍ سُرقتْ منه ينابيعُه.
تمضغُ رغيفاً لوّثه الغبار المتساقطُ من حذاءِ السلطان
وتخبّئُ دموعها في جيوبِ الجبال.
وفي قراها
كان الأطفالُ يكبرون بين ضوضاءِ الطحالب
ويصنعون من الحجارة ألعاباً صغيرة
بينما كانت السماء
تنسى أن تمطر في نوهدرا.
وكانت أزاهيرُ الدم تتفتحُ في البطاح
وتتشابكُ مع أشواكِ اللعنات
فيغدو الربيعُ فصلاً من الحداد.
وكان صريرُ الأسنان
يسبقُ خطى الراحلين إلى البرزخ
حيثُ الأرواحُ
تعدُّ أسماءَها قبل عبورِ النهر الأخير.
غير أنّ الليل لا يبقى إلى الأبد.
ففي الهزيعِ الأخيرِ من الموت
سيجيءُ المخاض.
سترتجفُ الأرضُ في أحشائها
وتتمزّقُ أثوابُ الظلام.
لن يكونَ الميلادُ ولادةَ أجسادٍ بلا أرواح
ولا صرخةَ خرابٍ جديد
بل ولادةَ وعيٍ
يغسلُ التاريخَ من صدأِ القرون.
يومئذٍ…
ستزلزلُ الأرضُ زلزالَها،
وتفتحُ القبورُ أبوابَها الثقيلة.
وينهضُ الشهداءُ بجباهٍ من نور
لا ليطلبوا ثأراً
بل ليوقظوا الضمائرَ النائمة.
سيشعلون المشاعل فوق رؤوس الجبال
حتى ترى الأوديةُ طريقَها إلى الفجر.
وسيرفعون الرايات في المنافي
لا راياتِ الكراهية
بل راياتِ الإنسان والوطن والحرية.
وسيعرفُ الأطفالُ
أنّ الأوطان لا تُبنى بالدموع
بل بالمحبّة
ولا تحفظها السيوفُ وحدها
بل تحفظها القلوبُ التي لا تبيعُ ذاكرتَها.
وحين يطلعُ الفجرُ الأخير
سيعودُ الفراتُ يغسلُ قدميه في الضوء
وسيصافحُ دجلةُ كلَّ نخلةٍ نجت من الحريق.
وسيعودُ الحمامُ
ليبني أعشاشَه على مآذنِ المدن و أجراسِ الكنائس
وتتعانقُ الأصواتُ
كما تتعانقُ الأنهارُ عند مصبِّ البحر.
وحينها…
سأبحثُ عن عينيكِ بين حدائقِ القيامة
فأجدهما
كما عرفتهما دائماً: غزالتينِ جميلتين
لكنّهما هذه المرّة لن تفرّا من الذئاب
لأنّ الغابةَ ستكونُ قد تعلّمتْ
أن الأشجارَ خُلقتْ لتظلّلَ العاشقين
لا لتعلّقَ على أغصانها مشانقَ الأبرياء.
،،،،،،،،،،،



