المجلة الثقافية الجزائرية

(عَملٌ سُفْليٌّ)

بقلم عمرو منير محمد

 

انتفض الحيُّ بأكمله لسماع هذا الصخبِ.

صوتُ شجارٍ مُدوٍّ يصدرُ من بيتِ الأستاذِ الجامعيِّ د. عبدِ الوهاب، وهو من البيوتِ التي تتصدّرُ المنطقةَ في الهدوءِ وسكوتِ السّرِّ.

صراخٌ عالٍ محتدٍّ متداخل بين حناجرَ متعددةِ الطبقاتِ؛ لم يستطعِ الجيرانُ معرفةَ فَحْوَى هذا الشجارِ أو سببه. كلُّ ما سَمِعُوهُ حالة فوضى تعتري منزلَ الدكتور، مما دفعَ ساكني العماراتِ المجاورةِ إلى التحركِ نحو منزلهِ مندفعين كالجرادِ فربّما يكونُ ذلك سطوًا مسلّحًا على المنزلِ الهادئِ الذي يقطنُه هذا الرجلُ المحترمُ مع أبنائِه بعدَ أن أسّسَهُ فورَ عودتِهِ من دولِ النفطِ الخليجيّةِ في مهمةٍ تدريسيةٍ مُعارا في إحدى جامعاتِها.

اتصلَ أحدُ أصحابِ المحالِّ في الحيِّ ببوليسِ النجدةِ طالبًا من الشرطةِ أن تأتي على عَجَلٍ لإنقاذِ هذه العائلةِ المذعورةِ، بسببٍ لا يعلمُ أحدٌ درجةَ خطورتهِ.

صوتُ سَرينة البوليسِ يملأُ الأثيرَ ويُشعِرُ السكانَ بالطمأنينةِ. وصلت سيارةُ النجدةِ على عَجَلٍ خلال دقائقَ…

ترجّلَ رجالُ الشرطةِ من السيارةِ مهرولين صوبَ المنزلِ. صوتُ طرقاتِهم القويُّ على البوابةِ الخشبيةِ كان مدوِّيًا.

فتحَ د. عبدُ الوهابِ البابَ لهم في عجلةٍ، مستغيثًا بهم أن يُنقذوه ممّا هو فيهِ.

المشهدُ صعبُ الوصفِ: كلُّ أثاثِ المنزلِ مقلوبٌ رأسًا على عقبٍ، النوافذُ الزجاجيةُ مهشَّمةً على الأرضِ، البيتُ تعمُّهُ الفوضى، والابنُ الأكبرُ ياسِرُ يقفُ وسطَ مِنضدةِ الصالةِ في حالةِ هياجٍ تامٍّ يصرخُ في الجميعِ هلعًا:

— لا أحدَ يقتربُ مني… لا أحدَ يقتربُ مني… أعلمُ أنَّ الكائناتِ الفضائيّةَ أرسلتْكم لكي تنالوا مني… لا أحدَ يقتربُ… لا أحدَ يقتربُ…

حاولَ الأبُ والأمُّ تهدئةَ هذا المراهقِ الثائرِ، الذي تبدّلتْ أحوالُهُ مؤخرًا؛ اعتزلَ العائلةَ والأصدقاءَ ولم يعد يكترثُ بدراستِه، وأخيرًا تصاعدتِ الأمورُ لتصلَ بهِ إلى الهياجِ العارمِ وتهشيمِ كلِّ ما يحيطُ بهِ في المنزلِ، مردّدًا تلكَ العباراتِ عن قربِ وصولِ الفضائيينَ الذين يستعدّونَ لاحتلالِ كوكبِ الأرضِ.

قامَ رجالُ الشرطةِ بالسيطرةِ على الشابِّ وقيَّدُوهُ حمايةً لوالدهِ وعائلتِه من حالتهِ غيرِ القابلةِ للتحكّمِ.

استدعى الأبُ على عَجَلٍ طبيبًا متخصصًا في الأمراضِ النفسيّةِ والعصبيّةِ بعد أن تواصلَ هاتفياً مع أحدِ مراكزِ العلاجِ النفسيِّ الشهيرةِ في المدينةِ.

تنفّستِ العائلةُ الصعداءَ بعد أن غَرِقَ هذا الشابُّ الثائرُ في سُباتٍ عميقٍ بعدَ حقنهِ بمهدِّئٍ قويٍّ، إذ شخّصَهُ الطبيبُ بحالةِ هياجٍ حادٍّ ناتجةٍ عن فِصامٍ عقليٍّ، ونصَحَ العائلةَ باللجوءِ إلى المركزِ الطبيِّ المتخصّصِ في علاجِ مثلِ تلكَ الحالاتِ.

فتحَ الأبُ بابَ المنزلِ لأهلِ المنطقةِ من الزائرينَ؛ عيونُهم تملأُها الحسرةُ على حالِ الأستاذِ الجامعيِّ المسكينِ، الذي ابتلاهُ القدرُ بابنٍ مُصابٍ بالجنونِ على حدِّ قولهم.

نظراتُ الشفقةِ في عيونِ الجيرانِ اخترقت قلبَ العائلةِ المكلومةِ؛ لم يتحمّلْ د. عبدُ الوهاب رؤيةَ ولدهِ بتلكَ الحالةِ المزريةِ، كأنَّ العلاجَ سيجعلُهُ جثةً هامدةً.

انتهت زيارةُ أهلِ الحيِّ للعائلةِ، وبعضُهم يضربُ كفًّا بكفٍّ من الحالِ التي وصلتْ إليها تلكَ العائلةُ.

حاولتِ الأمُّ خلالَ إصرارِ زوجِها على قرارهِ بإيداعِ ابنهِمْ في إحدىِ المصحاتِ النفسيّةِ الواقعةِ على أطرافِ المدينةِ اعتقدتْ أنَّها بفعلِ ذلكَ كأنَّها ألقَتْ ابنَها في عرضِ بحرٍ متلاطِمِ الأمواجِ.

لم يكترثْ ربُّ العائلةِ لتوسلاتِها النابعةِ من خوفِها على تركِه في حالتهِ الصعبةِ في مكانٍ بعيدٍ عن أعينِهم، وهو بتلكَ الحالةِ.

اتّفقَ الأبُ مع القائمينَ على تلكَ المصحةِ على نقلِ الابنِ ليلاً بعد منتصفِ الليلِ، بعيدًا عن أعينِ أهلِ المنطقةِ، الذين صنّفوا بالفعلِ منزلَ د. عبدِ الوهاب بأنه يأوي إنسانًا مَسَّهُ الجنونُ، ممّا يجعله خطرًا مُحتَمَلًا على نفسهِ وعلى الآخرينَ.

تمَّ نقلُ الابنِ كما أرادَ، وأخذتِ العائلةُ في تنفيذِ باقي الخطةِ المَوضوعةِ بعنايةٍ من قبلِ ربِّ البيتِ.

أشاعَ الأبُ بين سكانِ الحيِّ أنّه سينتقلُ هو وعائلتُه إلى منزلِ أقارِبِهِ في الريفِ حتى يستجمَّ الابنُ ذوُ الأعصابِ المحترِقَةِ بما تتمتّعُ بهِ القريةُ من هدوءِ وسكينةٍ.

تركَ الأبُ وعائلتُه المنزلَ ومكثوا في شقّةٍ مفروشَةٍ بمكانٍ مجاورٍ للمصحةِ النفسيّةِ التي وُضِعَ فيها ابنُهم. مرتِ الأيامُ ثقيلةً على صدورِهم. تابعَ الأبُ حالةَ الابنِ بشكلٍ يوميٍّ ذهابًا وإيابًا إلى المصحةِ. وافقَ مضطرًا على إخضاعِ الابنِ لجلساتِ نظْمِ موجاتِ الدماغِ بالتيّارِ الكهربائيِّ.

بعد متابعةٍ دقيقةٍ وعلاجٍ متواصلٍ ورعايةٍ نفسيةٍ وسلوكيةٍ، تَلَقّى الأبُ مكالمةً تُبَشِّرهُ بتحسّنِ حالةِ ولدهِ وأنّهُ يمكنُ استكمالُ العلاجِ بالمنزلِ.

غمرتِ الفرحَةُ العائلةَ حين رأوا ياسِرَ يدخلُ عليهم الشقّةَ مع أبيهِ بعد أن عادَ إلى حالته المتزنةِ السابقةِ مع ما يشوبُها من فتراتٍ من عدمِ التركيزِ وقِلّةِ الكلامِ.

شعرَ أهلُ الحيِّ بعودةِ العائلةِ إلى منزلِهم؛ قرّر بعضُهم الاتفاقَ على موعدٍ لزيارةِ د. عبدِ الوهاب للاطمئنانٍ عليهم ولِلترحيبِ بهم بعد عودتِهم من رحلةِ الاستجمامِ من أجلِ الابنِ الذي أصابَهُ الجنونُ المفاجئُ كما اعتقدَ معظمُهم.

توقّعَ الأستاذُ الجامعيُّ تلكَ الزيارةَ واستعدَّ لها جيِّدًا هو وعائلتُه؛ فقد نجحَ العلاجُ الدوائيُّ والجلساتُ النفسيةُ في إعادةِ الابنِ تدريجيًّا إلى الحياةِ.

أطلقتِ الأمُّ البخورَ الهنديَّ الفاخرَ في كافةِ أرجاءِ المنزلِ؛ أدارَ الأبُ الراديو على إذاعةِ القرآنِ الكريمِ كعادتهِ، ولكنْ هذه المرّةَ تعمّدَ رفعَ الصوتِ بدرجةٍ تصلُ إلى أسماعِ من يجلسُ في غرفةِ الصالونِ من الضيوفِ.

دخلَ الأبُ بصحبةِ ابنهِ وقد ارتدى جلبابًا أبيضَ وعلّق في عنقهِ مسبحةً طويلةً من الكهرمانِ الأسودِ. جلسَ الأبُ وابنُه مع الضيوفِ بعد أن تناولَ الابنُ جرعتَهُ اليوميّةَ من العلاجِ.

لاحظَ الأبُّ نظراتِ الشفقةِ والخوفِ في أعينِ ضيوفِه من الجيرانِ، الذين لم ترتفعْ أعينُهم عن الابنِ الجالسِ بهدوءِ وثباتٍ. هنا أدركَ د. عبدُ الوهابُ أنَّ اللحظةَ سانِحةٌ لإكمالِ خطّتهِ المَوضوعةِ من البدايةِ، فبدأَ في الحديثِ مع الضيوفِ عما حدثَ لولدهِ في الفترةِ الأخيرةِ:

— الحمدُ للهِ… ربّنا سترها معنا وعرفنا سببَ ما حصلَ للولدِ… ربّنا ينتقمُ من الذي كانَ السببَ…

نظَرَ الجيرانُ إلى بعضِهم البعض مُندهِشينَ من كلماتِ د. عبدِ الوهابِ المبهمةِ.

لم يَدَعْهُم يفكّرونَ كثيرًا فيما يقصدهُ بكلامِه هذا؛ باغَتَهُم على الفورِ قائلاً:

— واحد ابن حرامٍ من المنطقة هنا عمل للولد عمل سِفْلي ودفنه في مقبرة بره البلد… حسبيَ الله ونعمَ الوكيلُ فيه… الحمد لله على كلِّ حال؛ قدرنا بفضلِ اللهِ تعالى أن نفكَّ العملَ. ربّنا يبارك لـشيخ مبروك من عائلتِنا قدر يوصل للعمل ويفكه بإذنِ اللهِ، والحمدُ للهِ راح السّحر الذي كانَ على الولدِ، وعن قريبٍ سنعرفُ من الذي عمل فينا كذا وسننتقمُ منهُ بإذنِ اللهِ.

ظهرت علاماتُ القلقِ على وجهِ الضيوفِ. تردّدَ بعضُهم بالنظرِ إلى بعضٍ، محاولينَ التكهنَ بهذا الشخصِ الذي قامَ بهذا الفعلِ الشائنِ في حقّ ابنِ د. عبدِ الوهابَ، والذي استطاعَ أخيرًا النجاةَ من سِحرِ هذا العملِ السُّفليِّ الذي كادَ يحوّلهُ إلى مجنونٍ في نظرِهم.

بقلم عمرو منير محمد

روائي وقاص و عضو إتحاد كتاب مصر