عبد الغني بومعزة
.\”صدقني عندما أقول لك إن الجزائر تؤلمني في الوقت الحالي، كما يشعر الآخرون بألم في الرّئة \” ..
ـ ألبير كامو ـ
***
قبل ستين عاما، في العقد الذي أعقب الحرب العالميّة الثانيّة، كان ألبير كامو بطلا ثقافيّا عالميّا، احد أسباب هذه\” العظمة\”هو فهمه ملامح العالم ما بعد الحرب، طريقة تشكّل هويّة الإنسان ما بعد\”الابوكالبس\”، ليس هذا فقط، بل وضع تصوّرا فلسفيا لفهم كيفية التعايش مع عالم حيث القيمة الإنسانيّة منعدمة، لقد دمّر النازيون والقنبلة الذريّة والحركات القوميّة الفاشيّة الوهم التاريخي بأنّ هناك حدودًا للضّرر الذي يمكن أن يلحقه البشر المتحضّرون،أو سيُلحقونه ببعضهم البعض،الإنسانية كمنظومة أخلاقيّة لم تبدو أكثر قربا من صناعة نهايتها بيديها، وبأوهام عظمة زائفة، أنتجت أوروبا ما بعد الحرب عددًا كبيرًا من الكتاب الذين عكسوا الحالة المزاجيّة السّائدة في ذلك الوقت، لكن لم يتحدّث أي منهم بشكل مباشر وأعمق كألبير كامو الذّي ولد قبل 107 عام، في 7 نوفمبر، في منطقة نائيّة ومجهولة في احد المستعمرات الفرنسيّة، حيث كان والده يعمل في مزرعة عنب، في بدايّة الحرب العالميّة الأولى، انضم لوسيان كامو إلى فوج مشاة الزّواف، لكنّه قُتل بعد بضعة أسابيع في معركة المارن، والدة كامو كاثرين، ابنة مهاجرين أسبان، قامت بتنظيف المنازل لإعالة ولديها، احتفظت الأسرة بالشظية التّي قتلت لوسيان في علبة بسكويت في شقتهم المكوّنة من غرفتين في بلكور وهي منطقة شعبيّة في الجزائر العاصمة، كانت الشقة تفتقر إلى أدنى ضرورات الحياة،عمل شقيقه بدوام كامل كفتى تسوّق،كان نفس المصير ينتظر ألبير لكن معلم اسمه لويس جيرمان أقنع جدّة الطفل بالسّماح لكامو بالدراسة ومضاعفة الحجم السّاعي للدّروس الخصوصيّة اليوميّة والمجانيّة للحصول على منحة دراسيّة للمدرسة الثانويّة .
بفضل جهود المعلم المميّز والملهم، نجح ألبير في الالتحاق بالمدرسة الثانويّة وواصل دراسته في جامعة الجزائر، و هناك تخرّج كرجل يسار، مناضل طوباوي، قلق بشأن الظروف المعيشيّة المزريّة التّي تسببت فيها سياسة الاستعمار، في ديسمبر 1957، أهدى خطاب قبوله لجائزة نوبل لأستاذه السّابق، وعلى الرغم من الصّعوبات الشّديدة، يتذكّر كامو باعتزاز طفولته\”لقد ولدت فقيرًا وبدون دين،تحت سماء سعيدة، أشعر بالانسجام وليس العداء، بدأت أشعر بعدم التمزّق ولكن بالامتلاء\”، روى طفولته في روايّة غير مكتملة جاءت في شكل سيرة ذاتيّة حملت عنوان الرّجل الأوّل والتّي لم تُنشر إلاّ بعد 34 عامًا وهذا بعد وفاته عام 1960 \” لكم انتم الذين لم يتمكنوا من قراءة هذا الكتاب\”، كانت هذه العبارة المهداة لوالدته الأميّة .
عمل كامو في بدايّة مسيرته المهنيّة في الصّحافة، وبفضل مساعدة احد أصدقاءه وجد وظيفة في جريدة اعتبرت حينها \”وكرا وملجئا للشّيوعيين\”، كشفت افتتاحياته عن رجل متيقظ وغاضب بشكل متزايد بسبب التناقض الكبير في وجد أنّ البشر مجبرون على البحث عن معنى في عالم لا يوجد فيه معنى، بالنسبة له كان الوضع عبثيّا، بعد كلّ شيء، ما الذي يمكن أن يكون أكثر عبثيّة من حرب دمّرت كلّ معتقد – أخلاقي وروحي وفلسفي وديني – ، كان لدى أي قدرة غريبة على رؤيّة نفسه ينعكس ويتحوّل إلى صورة مناقضة ومختلفة عمّا كان عليه من قبل، يذكرنا هذا بعبارة عزيزة على كافكا وهي\”المسخ\”، البعض يفضّل عبارة فرويديّة وهي التشوّه، كلّ هذا ينتج فكرا عدميا، ربّما يبدو الانتحار الجماعي إجابة معقولة عمّا حدث في الحرب والقنبلة الذريّة، لكن كامو لم يكن عدميا، لم يؤمن بهذه الفكرة، قال بأنّ الانتحار لم يكن مطلوبا، بل المقاومة، الشّجاعة على مواجهة عبثيّة الحياة، في خضم الحرب وما سببته من مآسي، نشر اثنين من أهم أعماله، الغريب وأسطورة سيزيف، وأبرز فيهما ما كان يسمّى بعد ذلك بمبدأ العبث، كان الدّافع لكلا الكتابين هو الاهتمام الفلسفي بالثورة ضدّ معضلة العبثيّة، وكانت الرّسالة التّي أرسلها على النحو التّالي\”من واجبنا كأفراد أن نقدّر الحياة أيّ كانت،بما فيها الطريقة التّي نعيشها لأنفسنا، في الواقع، من واجبنا كأفراد تجسيد هذه القيمة\”، يلخص المقال عن سيزيف أنّ النّضال ليس خيارا بقدر ما هو قدر الإنسان إذا أراد أن يعيش حرّا ومتحرّرا من القيود، قيود الحضارة التّي فشلت في ضمان متطلبات الإنسان، كالعدالة، الحريّة والكرامة، سيزيف يدرك بشكل قاطع انه لن ينجح في مهمّته، إيصال الصّخرة إلى قمّة الجبل، ليس لأنّه عاجز، بقدر ما أنّ القوى الغامضة أعلنت عداءها لإرادة الإنسان، ستتدحرج الصّخرة مرارا وتكرارا بمجرّد وصوله إلى القمّة، ما يهم هو الإصرار على النضال، على رفع الصّخرة من مكانها و إيصالها حيث نريد،هذه هي المهمّة النّبيلة، أمّا النهايات فلا تهم، بيت القصيد، يقول كامو ـ قدر المرء أن يكون مقاوما، أن لا يستسلم، لا وجود لمكان راحة في الحياة .
***
نجد الكثير من أفكار وفلسفة كامو في وقائع جزائريّة (Les Chroniques algériennes) والتّي هي مجموعة من المقالات والخطب والرّسائل الموجهة إلى المحرّر وتتضمن كلّ ما كتبه عن الجزائر، وهي منشورة على مدى عشرين سنة،من عام 1939، حيث لم يكن أي شخص في فرنسا مهتما بهذا البلد كما كتب في المقدّمة، حتّى عام 1958، عندما بدا الجميع يتحدّث عن الجزائر والمأساة الإنسانيّة الواقعة فيها، تلخص هذه النّصوص موقف رجل يجهل كل شيء عمّا يحدث في السّاحة الخلفية للإمبراطوريّة، يتكون الجزء الأوّل من الكتاب من سلسلة من المقالات كُتبت عام 1939 عن منطقة القبائل الجبليّة في شمال الجزائر التّي يسكنها منذ قرون\”شعب القبائل وهم مجموعة فرعيّة من البربر\”، لقد قاتلوا طويلاً وبشدّة الاستعمار الفرنسي في نهايّة القرن التّاسع عشر وتعرّضت المنطقة بسبب هذه المقاومات إلى عمليات قمع وإبادة وجرائم وحشيّة، في الثلاثينيات من القرن الماضي كانوا شعبًا مهزومًا يعيش في الجهل والبطالة و المجاعة، لقد كتب بصدق لكن لا احد كان مستعدا للإصغاء\” لا أستطيع أن أوافق على سياسة الاستقالة التّي من شأنها أن تترك الشّعب العربي في بؤس أكبر، من شأنه أن يمزّق الشّعب الفرنسي في الجزائر من جذوره العلمانيّة، ولن يؤدي إلا إلى تعزيز الإمبرياليّة الجديدة التّي تهدّد حريّة فرنسا والغرب، دون أن يربحها أحد، مثل هذا الموقف لا يرضي أحدا اليوم، وأنا أعلم مقدما الاستقبال الذي سيحصل عليه من الجانبين\”، ما زاد من سوداويّة المشهد هو الحرمان، عدم الاعتراف بوجود شعب آخر غير الفرنسيين، يبدو هذا من بارزا عندما كتب:\”في بلد حيث السّماء والأرض دعوتان للسعادة، يعاني ملايين الناس من الجوع، لم يكونوا فقط أشبه بخرق باليّة، لكنّهم عاشوا على الخبز والحسك حيث يموت الأطفال بانتظام وهم يأكلون الجذّور السّامة،القلة القليلة من الناس(المحظوظين)كان بمقدورهم الذّهاب للمدرسة، يذهبون إليها عراة ومغطين بالقمل، هذا بعد سيرهم لأميال من قراهم، يأكلون التّين والبصل\”، يواصل معبّرا عن صدمته لما شاهدته عيناه من مآسي بشريّة كانت في وقت ما من مشاهد العصور الأوروبية القديمة\”الحقيقة هي أننا نعيش يومياً بجوار أناس لا تختلف حالتهم عن الرّيفيين الأوروبيين منذ ثلاثة قرون بيد أننا– ونحن فقط – لا نبالي بمأزقهم اليائس\”، غامر بعد ذاك بطرح اقتراحات راديكاليّة كتوفير لهم المزيد من المدارس وإزالة الحاجز الزّائف بين مدارس الأوروبيين ومدارس أهل البلد .
كان هناك شعور بالغضب والامتعاض، لم يكن يصدّق انّه يمكن أن يعيش النّاس في تلك الظروف الشّبيهة بالعصور القديمة\” أودّ أن يكون لديّ بعض الحجج التّي كثيراً ما تُسمع في الجزائر، الحجج التّي تستخدم ما يسمّى بـعقليّة القبائل لتبرير الوضع الحالي، هذه الحجج تستحق الازدراء، إنّه لأمر حقير، على سبيل المثال، أن نقول إن هؤلاء الأشخاص يمكنهم التكيّف مع أيّ شيء، عندما يتعلق الأمر بالتمسّك بالحياة هناك شيء في الإنسان قادر على التغلب على أبشع المآسي، إنّه لأمر حقير أن نقول إن هؤلاء النّاس ليس لديهم نفس الاحتياجات كما لدينا\”،إحدى النتائج التّي صدمته حقًا هي التوزيع الغير المتكافئ للحبوب من قبل الحكومة، وهو أمر حيوي في بلد مثل الجزائر، بين السّكان الأصليين و الأوروبيين، تقريبًا كانت الحبوب التّي يتمّ توزيعها على عائلة محليّة مكوّنة من خمسة أفراد لمدّة أسبوعين ستغذي عائلة فرنسيّة مكوّنة من ثلاثة أفراد لمدّة يومين، كتب:\” إعطاء 12 كغ من الحبوب كلّ شهرين أو ثلاثة أشهر للعائلات \”الأصليّة\”التّي لديها أربعة أو خمسة أطفال يشبه البصق في المحيط، يتم إنفاق الملايين كلّ عام، وهؤلاء الملايين من أجل لا شيء … في بعض الحالات، تكون نتائج الأعمال الخيريّة غير ضروريّة \” .
يضيف :
\” ما هو مطلوب هو سياسة اجتماعيّة بنّاءة، يجب أن تتكوّن هذه السّياسة من المشاريع التّي ترعاها الدّولة والتّي من شأنها تشغيل النّاس، كما كان، لم يكن هناك أي شيء، كان لدى الناس وظائف تكسبهم أجورًا فقيرة، لقد تمّ تنبيهي إلى حقيقة أن الرّواتب في منطقة القبائل غير كافيّة، ولم أكن أعرف أنها كانت مهينة، قيل لي أن يوم العمل تجاوز الحد القانوني، لم أكن أعلم أنها كانت ضعف المدةّ تقريبًا، باختصار، الحياة هنا كانت عبوديّة\”، تمحوّرت حالة اليأس من الوضع القائم حول موضوع التعليم، يعرف السّكان\”الأصليون\”أن التعليم هو الطريق إلى التحرّر، كتب كامو حول هذه القضيّة التّي يعتبرها حسّاسة ومصيريّة بالنسبة للجزائريين:\” يقال لنا أنّ التعطش للتعلم والذّوق للدراسة أصبحا أسطوريين في منطقة القبائل، لكن المنطقة لم يكن بها سوى عدد قليل من المدارس، نقص المدارس هو المشكلة التربويّة في منطقة القبائل اليوم\”، يتابع:\” عندما ألقي نظرة على ملاحظاتي، أرى ضعف عدد الحقائق المروّعة على قدم المساواة، وأنا أشعر باليأس من القدرة على نقلها جميعًا \”، ويحث قرّائه على تدوينها:\” تخيّل حياة اليأس واليأس وراءهم، إذا وجدت هذا طبيعيًا، فقل ذلك، لكن إذا وجدته مثيرا للاشمئزاز، إذا فلنغير ما يمكن تغييره، وإذا وجدت هذا مستحيلا، غير قابل للتصديق، إذا رجاء، اذهب والق نظرة بنفسك\”، بعد أقل من عشرين عامًا على كتابة كامو لهذه الكلمات، نجحت ثورة التحرير في استخلاص من شعب القبائل أكثر زعماء الثورة قدرة على التنظيم والتنظير والشّجاعة والصّمود .
تشمل وقائع جزائريّة على مقالة وحيدة نشرها عام 1957 بالانكليزيّة في مجلة\”انكاونتر\”والتّي دعا فيها لتحرّر المجريين من السّوفييت ولم يطالب بنفس الأمر للجزائريين\”المسألة الهنغاريّة بسيطة، يجب أن يسترد الهنغاريون حرّيتهم، بالنسبة للجزائر فهي مختلفة لأنه يجب ضمان حريّة مجموعتين من السّكان\”، عودة لهذه القضيّة التّي تسببت في قطيعة مع سارتر والشّيوعيين،في الخمسينيات من القرن الماضي، انتفضت شعوب دول الكتلة الشّرقيّة ضدّ الأنظمة الشّيوعيّة، كانت انتفاضات قوميّة تطالب بالحريّة والكرامة، لقد أفزعته القصص القادمة من الاتّحاد السّوفيتي، فكره ستالين والحزب الشّيوعي، وفي غضون ذلك، كان سارتر يقاتل من أجل إيديولوجيته وكان مستعدًا للتغاضي عن العنف لأسباب تتعلق بانتصار الشّيوعية لما فيها\”خير للإنسانيّة\”، وعلى الرغم من أنّ ألبير كامو لم ينضم فعليًا إلى الحزب الشّيوعي الفرنسي، إلا أنه استمرّ في الدّفاع عنها في جميع أنحاء أوروبا حتّى عام 1956، إلى أن أقنعته الدّبابات السّوفيتيّة في بودابست عكس ما كان يعتقد انّه الحقيقة، انتقد ببلاغته الفلسفيّة النظام الشّيوعي واعتبره ردّة اليسار، و من المعروف أنّ جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار اللذان بقيا شيوعيين انتقدوا موقف زميلهم واعتبروه مرتدا، كان قبلها كامو نشر في أكتوبر 1951 روايّةّ الإنسان المتمرّد حيث عبّر من خلالها\”عن فلسفة التمرّد المرسومة بشكل فظ، لم يكن نظامًا فلسفيًا بحدّ ذاته، بل كان اندماجًا للأفكار الفلسفيّة والسّياسيّة، فكلّ إنسان حر، لكن الحريّة نفسها نسبيّة، يجب أن نتبنّى الحدود والاعتدال والمخاطر المحسوبة\”.. قبل كلّ شيء، أدان كامو العنف الثوري، بالطبع يمكن استخدام العنف في الظروف القصوى(لقد دعّم المجهود الحربي الفرنسي أثناء الاحتلال الألماني)، لكن استخدام العنف الثوري لدفع التاريخ في الاتّجاه الذي تريده هو طوباوي واستبداد وخيانة للنفس،قرأ سارتر الإنسان المتمرّد باشمئزاز، لقد دفع عنف الشّيوعيّة كامو إلى مسار آخر:\”أخيرًا،اخترت الحريّة لأنّه حتّى لو لم تتحقق العدالة، فإنّها تحتفظ بسلطة الاحتجاج ضدّ الظلم وتحافظ على التواصل مفتوحًا\” .
***
عندما تمّ نشر وقائع جزائريّة عام 1958، كان كامو قد استنفد الاهتمام الفرنسي في دعوته لهدنة مدنيّة في صراع كان يزداد تشددًا مع مرور كلّ يوم، في الواقع، لم يحظ الكتاب بأيّ اهتمام تقريبًا، اليوم، مع ذلك، من المؤثر بشكل خاص قراءة الكتاب لأنّه، بينما نسجّل ارتباط كامو العاطفي الدّائم بالجزائر ويأسه المتزايد مع احتدام الحرب، فإنها تكشف أيضًا عن رثاء موقفه وعجزه،هناك ملاحظة مهمّة يجب الانتباه إليها وهي عدم قدرته على فهم أعمق معنى للإمبراطوريّة، بمعنى آخر أن هذه\”الإمبراطوريات\”وعبر مراحل التاريخ أثبتت انّها تفتقد للقيمة الأخلاقيّة والإنسانيّة وانّها بحاجة لهذا النوع من الظلم والاستبداد للاستمرار واثبات وجودها، شخّص دان راذير أحد المع الصّحفيين الأمريكيين وبطل فضيحة\” واترغايت\”هذه الحالة بالعمى والإنكار، واصفا الاحتلال الأمريكي للعراق، انّها إمبراطوريّة تمتهن القتل والإبادة بمجرّد بدء حركة الثّورة والعصيان، نعم، انه مطلب الحريّة والعدالة، لكن القتل هو المطلوب، إنه ليس حتّى انتقام، لقد ساد عهد شرير لفترة طويلة، لقد فعل الكثير من الناس لأنفسهم أشياء لا توصف،لا أحد،سيملك الجرأة والشّجاعة للتحديق في مرآة التّاريخ ويقول انّه كان جزء من المجزرة، رغم انّه كان واعيا في كلّ هذه المقالات لمطالب الجزائريين الوطنيّة وشعورهم بالظلم الذي حلّ بهم، لكن في الوقت نفسه لم يكن يتخيّل الجزائر بدون فرنسا، وجود كامو في منطقة الظل وعجزه على فهم طبيعة الأشياء دفعه للاستمرار في هذه الحالة، وعندما كتب عام 1958 إن الفرنسيين في الجزائر بعد 130 عاما من الاستعمار هم في الحقيقة\”شعب أصيل(محلي) بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى\”، وكتب كذلك إنّ\”المطالبة بالاستقلال الوطني للجزائر ما هي إلاّ ردّ عاطفي على الوضع لأنّه لم تكن هناك أبدا امّة جزائريّة\”،ما يمكن ملاحظته أنّ كامو لم يكن مستعدا، أو لم يكن يرغب في مواجهة البنيّة الاستعماريّة للجزائر على خلاف سارتر الذي كتب عام 1956 محللا بنيّة الاستعمار كـنظام، وألبرت ميمي كتب\”المستعمِر والمستعمَر\”(1957) محللا بنيته النفسيّة، فقد تعامل كامو مع العنف معتبرا إيّاه نتاجا للظلم والسّياسات الاستعماريّة، وكان يأمل بالتوصل لحل يحقّق المساواة، من هنا نفهم دعوته لإنشاء فدراليّة تضم العرب والبربر واليهود والفرنسيين، كما تقول الباحثة الأمريكيّة أليس كابلان\”كان كامو يرى عبثيّة في تحقيق هذا الحلم، فهو المصاب بمرض السّل عندما كان في عمر السّابعة عشرة، كان قد كتب لصديق جزائري قائلا صدقني عندما أقول لك إن الجزائر تؤلمني في الوقت الحالي، كما يشعر الآخرون بألم في الرّئة \” .
***
كتابات كامو عن منطقة القبائل، تعاطفه مع الشّعب وانتقاده للنظام الاستعماري، وألمه في وجه الظلم ، كلّ شيء رائع، حتّى بعد مرور سبعين عامًا من كتابة هذه المقالات والتحقيقات، لا يزال القارئ مشبّعًا بجمالها الأدبي، لكن في نفس الوقت، لا يمكن اعتبار ما كتبه هو دعوة للثورة والعصيان ضدّ إدارة بلاده، انّه صوت مواطن يائس من الإصلاح، ولا يريد لحكومة بلاده أن تسقط كما سقطت غيرها من الإمبراطوريات ودفعت ثمن الجمود والطغيان، مع كلّ الذّكاء النفسي الذّي بحوزته عجز كامو على إدراك أنه لا يمكن أن يكون هناك تقارب بين الجزائريين والمستعمرين الفرنسيين، كان هذا الانقسام على وجه التحديد بين ملايين الأشخاص الذّين نشئوا في ظل الحكم الاستعماري هو السّبب في أنّ الإمبراطوريّة كانت الأكثر ذنبًا وجرما، كتب أنطون تشيخوف إن الإذلال هو أسوأ شيء يمكن أن يلحقه إنسان بآخر، فهو يدمّر ويفسد أرواح المضطَهدين والمضطهَدين، لقد عاش الجزائريون لعقود طويلة تحت سلطة مؤسّسة كولونياليّة مارست كلّ أشكال الاحتقار والتّعذيب والإذلال، أجيال جزائرية بأكملها عاشت ونشأت في خوف وكراهيّة موروثة من أولئك الذّين هزموهم سنة 1830، ورثوا عبء الهزيمة التاريخيّة التّي تسبّبت في مأساتهم ومأساة الآباء والأجداد،لكن في المرّة القادمة عندما تسنح الفرصة التّاريخيّة سيطلقون النّار صوب العدو، يصف جورج اورويل فكرة حمل السّلاح ضدّ الإمبراطوريّة بعبارة\” إطلاق الرّصاص على الفيل\”، بطريقة ما، لقد عبّر كامو عن فهم لطبيعة العنف في مذبحة سطيف عام 1945، وقد اعتقد انه حالة واصلت الحكومة الفرنسيّة حرمان الجزائريين من حقوقهم، ومارست العنف ضدّهم فإنها ستخسر في يوم من الأيّام الجزائر، يريد أن يفعل ما هو أفضل من خلال شعبه، يريد أن تبقى فرنسا في الجزائر، لكنّها عليها بالمقابل تكريم أساطيرها التأسيسيّة عن الحريّة والمساواة والأخوة، ان وقائع هي دعوات متكرّرة لكلّ جانب للتوقف عن شيطنة الآخر حتّى تسود الحشمة الإنسانيّة\”ليس كلّ الفرنسيين في الجزائر متعطشين للدماء،وليس كلّ العرب قتلة جماعيين متعصّبين ، لقد أدى إراقة الدّماء إلى فصل النّاس،دعونا لا نجعل الأمور أسوأ مع الغباء والعمى، ويجب تعويض ثمانيّة ملايين عربي عاشوا حتّى الآن في ظلّ شكل معيّن من أشكال القمع، وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون مفهوماً أنّ حوالي 1200000 فرنسي من الجزائر لهم الحق في العيش في وطنّهم\”،من المهم قول بأنّ الكتاب يضبط الرّؤية ويقدِّم عدة أدلة على براءة القصد وإن ظل قصداً يصعب تطبيقه على أرض الواقع،لم يدعم استقلال الجزائر الكامل معتقداً بإمكانيّة تحقيق فيدراليّة تفتقر في الواقع إلى العمليّة والإنصاف، على نهج الفيدراليّة في سويسرا، ورغم القصد البريء لصاحب الغريب والطاعون فلم تشفع له عند النقاد ممن استقبلوا الكتاب عام 1958 بصمت ينمّ عن الاستنكار، فقد صدر عقب نشر كتاب المناضل الشّيوعي الجزائري الفرنسي هنري علاق\”القضيّة \”بما يحويه من سيرة ذاتيّة مرعبة عن وقوعه بين أيدي المظليين الفرنسيين وما تعرّض له من تعذيب .
بالإضافة إلى تحقيق في بلاد القبائل تحتوي وقائع جزائريّة على عدد من المقالات منها مقال لمحمد العزيز الذي كان عضوا في حزب عباس فرحات والذّي دعا صديقه للعمل\” من اجل وقف العنف كي يحلّ السّلام على سهولنا وجبالنا و شواطئنا، وان يتصالح الفرنسيون والعرب في الحريّة، ويحاولون نسيان الدّم الذّي نزف و قسّمهم، في ذلك اليوم سنقوم نحن المنفيين في الكراهيّة واليأس باستعادة وطننا\”، وكما تظهر المقالات لم يكن كامو مستعدا في يوم من الأيّام التخلي عن الجزائر الفرنسيّة ولا عن الفرنسيين في الجزائر،فهو وان شجّب العنف،إلاّ انه في سلسلة من مقالاته التّي نشرتها ـ l expresse ـ في الفترة ما بين 1955- 1956 أكّد على تطرّف الفرنسيين في الجزائر لكنّه فسّر هذا بأنّه نابع من حسّهم بالتجاهل من فرنسا الأم !، وقال أنّ ما تحتاجه الجزائر هو رأي ليبرالي قادر على التقدم نحو الحل، ويؤكد في واحدة منها على أنّ الخطأ هو جماعي، مع أنّ العرب هم المتضرّرون بشكل اكبر، لكن المستوطنون الفرنسيون قادرون أن يوفّروا الحلّ على نسيان مواقفهم المتحيّزة ضدّ العرب والمشاركة في بناء الجزائر .
تشير أليس كابلان كما هو حاضر في الكتاب إلى سؤال طالب جزائري لكامو في ستوكهولم عام 1957 عندما سأله عن موقفه من حركة التّحرير الوطني، حيث أسهب في الحديث عن الحريّة والعدالة وختم بالعبارة الشّهيرة\”يقوم أشخاص بزرع قنابل في خط الترام في الجزائر، قد تكون أمّي في واحد من هذه القطارات وإذا كان هذا عدلا فأنني أفضل أمّي، أو أحبّ أمّي أكثر\”، لعل الصّحافة الفرنسيّة قامت بنقل عباراته بطريقة تناسبها ممّا أدى بكامو لإرسال رسالة إلى جريدة ـ لوموند ـ وشرح فيها تعاطفه مع الشّاب الجزائري ولعل هذا الموقف كان وراء قراره بعد ستة أشهر إصدار ـ وقائع جزائريّة ـ وكتب فيها\”أودّ القول لذلك الشّاب الجزائري انني اشعر بالقرب منه أكثر من الفرنسيين الذّين يتحدّثون عن الجزائر بدون أن يعرفوها، كان يعرف ما يقوله، وقد ظهر هذا على وجهه الذي لم يحمل أيّ كراهيّة بل يأسا وعدم رضا،وأنا أشاركه في عدم رضاه\”، على العموم فكامو الذي يخرج من بين هذه المقالات هو الكاتب الأخلاقي الذي تعامل مع القضيّة التّي عاشها وولد فيها بأخلاقيّة وأحيانا بمثاليّة، لعل هذه المثاليّة هي التّي أدت لسوء فهمه، والى يأسه وصمته، ففي ذلك الوقت لم يكن الجزائريون ولا الفرنسيون يبحثون عن مواقف أخلاقيّة بل عن مواقف والتزام بالقضيّة، فالجزائريون الذين خرجوا في حرب تحريرهم لم يكونوا ليرضوا بغير الحريّة، و الفرنسيون والمستوطنون لم يكن أمامهم إلاّ القتال حتّى اللحظة الأخيرة، كان كامو يعي حجم المسؤوليّة وان كان مخطئا في موقفه أو مصيبا، وككاتب كان موقفه المسئول كشاهد يقضي بان يقول كلمته ويمشي، وبهذا يختم مقدمته للوقائع\” هذه شهادتي، وليس لديّ ما أضيفه \” .
***





