. لأوّل مرّة منذ سنوات عديدة، كان لديّ دافع غبي للبكاء لأنّني شعرت بمدى كره كلّ هؤلاء النّاس لي ..
الغريب ، ألبير كاموـ ـ
***
عبد الغني بومعزة
تعتبر روايّة الغريب أوّل روايّة كتبها ألبير كامو، تدور أحداثها في الجزائر العاصمة ونشرت عام 1942، وهي روايّة ذات قيمة فلسفيّة تتحدّث عن فلسفة العبث، اختصارا لنقل انّها روايّة العبث، تبدأ في اليوم التّالي لوفاة والدة ميرسو، جزائري فرنسي، شخصيّة غير مباليّة بالواقع وغريب في بيئته، تُروى الرّواية بصيغة المتكلم من قبل بطل الرّوايّة، بحيث يعتبر نفسه شخصًا يجد الحقيقة عبثيّة وبالتالي لا يبالي بها، لقد أصبح\”دخيلًا\”في مجاله لأنه يعتبر أنّ التقدّم التكنولوجي قد أبعده عن القرارات الاجتماعيّة، ميرسو منذ بدايّة الرّوايّة شخصيّة باردة، غير مباليّة، يتعامل مع الأحداث بعدم اهتمام، يلتزم بجنازة والدته لكنّه لا يبكي، يتعامل مع موتها بطريقة تبدو للكثير باردة وغير مقبولة، لا يهتم كثيرًا بمشاعر صديقته ماري التّي يواعدها ولا يظهر أيّ ندم على تحقيق العدالة وعلى قتل شخص دون سبب، لا يدافع عن نفسه ضدّ حكم الإعدام، ، لا يبكي، لا تظهر عليه علامات الحزن كما هو المعتاد بالنسبة لأي شخص آخر، لا يهتم كثيرًا بمشاعر ماري الفتاة التي يواعدها ، ولا يظهر أي ندم على تحقيق العدالة وعلى قتل شخص دون سبب. لا يدافع عن نفسه ضد إعدامه، لا يبالي بوجوده ولا بمصيره ، ولا بفكرة موته، كلّ شيء سيّان عنده، الحياة، الموت، تعكس الرّوايّة طريقة رؤية ألبير كامو لعلاقة الإنسان مع الآخر، مع بيئته، أقله من كونه جزءًا من عالم فاسد وعدم إيمانه بالله .
شخصيات الرّوايّة :
مورسو، أو ميرسو( Meursault ) :
البعض يطرح فهما آخر لاسم بطل الرواية ميرسو وهو ( mer +solei = Meursault ) ، هو بطل روايّة الغريب و أيضا الرّاوي، شاب ينظر للحياة بلامبالاة، نكتشف هذا من خلال تصرفاته و ردّات فعله عند موت والدته في دار للمسنّين، أو عندما تخبره صديقته ماري كوردونا برغبتها في أن تكون زوجته، يبقى خارج الظروف، الغريب في شخصية ميرسو انّه يتعامل مع الواقع والحياة بجفاء وبرودة، مخلص، بدون عقدة وصادق لدرجة تجعل من حوله غير مرتاحين، غير مبال بما قد يظنّه الآخرون عنه، يتصرّف ويتحدّث فقط وفقًا لذلك، سواء شعر به، أو فكر فيه، يواجه الوقائع مثل أي موقف آخر في الحياة اليوميّة، يفتقد للمفاهيم التقليديّة لسياقه الاجتماعي، ولا يؤمن بمجتمع لا يعرف فيه الفرد العادي القوانين أو الطريقة التّي حكم بها، ناهيك عن الإيمان بالدّين .
شخصية ميرسو ( الغريب ) :
نجهل عنه كلّ شيء، عن عائلته، والده، والدته، هل لديه إخوة، أو أخوات؟، يعيش فاقدا للوعي بالمعايير والتوقعات الاجتماعيّة، غرابته وصدقه لا تعتبر فضائل لأنّه يقول ما يفكّر ويشعر به، يميل إلى جعل الآخرين غير مرتاحين، ليس لأنّه يفعل هذا عن قصد، بل هي طبيعته، غارق في الأسئلة، ما هو غير متوقع، حالة الجوّ، المتقلب، الحاجة للتفسير و الشّرح\”ما زلت مذنبًا قليلاً على أي حال\”،\”أنا غير مبال\”، احد تعبيراته المتكرّرة، وبما انّه لا يتوقع شيئا من الآخرين، فهو يفضل عدم التعبير عن مشاعره، أو أرائه\”ليس لديّ الكثير لأقوله\”، يعتبره الآخرون محجوزًا، شارد الذهن، غريب الأطوار والتصرّفات، قليل الكلام\”قلت نعم، ولكن في أعماقي كنت غير مبال، ثمّ سألني إذا كنت غير مهتم بتغيير الحياة، أجبته أن الحياة لا تتغيّر أبدًا، وأن كلّ شيء على أي حال هو نفسه وأنّ حياتي هنا لا تكرهني على الإطلاق، كان غير سعيد، أخبرني أنّه كان يجيب دائمًا بشكل مراوغ، أنه ليس لديه طموح\”، مشكلته الأخرى انه يصعب عليه إنشاء روابط عميقة مع أيّ شخص،إنّه لا يشعر إلا برغبات ومشاعر غامضة، بينما يتمسّك براحة محايدة ومنعزلة وصامتة\”أردت أن أؤكد له أنني مثل أيّ شخص آخر، تمامًا مثل الجميع، لكن في النهاية لم يكن مفيدًا جدًا\”، بعد ارتكاب جريمة ما، تكتسب هذه الخصائص بعدًا مرضيًا في نظر المجتمع\”وجه رجل لا أقرأ فيه سوى الفظائع\”، مشكلة ميرسو انه لا يستوعب الأحكام الصادرة من الآخرين، أحكام صادرة في حقه لأنّه يعتبر نفسه شفافا، واضحا، لا يخفي شيئا، لذا نجده يقول\”لم أندم كثيرا على أفعالي، لكن القسوة الشّديدة أذهلتني، كنت أودّ أن أحاول أن أشرح لك بحرارة، تقريبًا بالحب، أنني لم أتمكن أبدًا من الشعور بالندم الحقيقي على أي شيء أو ، \” ربّما لم أكن متأكدا ممّا يثير اهتمامي حقًا، ولكن، على أي حال، كنت متأكدًا تمامًا ممّا لا يثير اهتمامي، بالتحديد، ما قاله لي لا يهمّني […] ولم يكن لديّ الوقت لأهتم بما لا يثير اهتمامي\” … \” فتحت نفسي لأوّل مرّة على اللامبالاة الرّقيقة للعالم، وجدته مشابهًا جدًا لي، وأخويًا جدًا، باختصار، فهمت أنه كان سعيدًا وأنه لا يزال كذلك، حتى يتم استهلاك كلّ شيء، حتى لا أشعر بالوحدة، كان عليّ أن آمل أن يكون هناك يوم إعدامي عدد كبير من المتفرّجين وأنهم سيستقبلونني بصرخات الكراهيّة \”.
ماري كوردونا (marie cordona ) :
زميلة سابقة لميرسو في العمل وعشيقته، شابة ومرحة، تحب السّباحة والتواجد في الهواء الطلق، تحب البطل وتريد الزّواج منه، ربّما أحبّها ميرسو بسبب جمالها، لكنّه لم يكن راغبا في الارتباط بها.
ريمون سينتس (Raymond Sintes ) :
جار ميرسو، يقطن معه في نفس العمارة، على ما يبدو وهذا ما سنكتشفه فهو يعمل قوّاد، يقترب من ميرسو لمساعدته على الاقتراب من صديقته التّي ضربها عندما اكتشف انّها تخونه مع شخص آخر، شخصيّة عنيفة وفاسدة ويبدو انه كان يستخدم ميرسو لتحقيق مآربه الخاصة، لكن أثناء المحاكمة يشهد لصالح بطل الرّواية لمساعدته .
والدة ميرسو :
يعتبرها الكثير لغز محيّر، من تكون هذه الأم؟، ما المغزى من توظيفها في الرّوايّة؟، لماذا لم يعطها الكاتب اسما كغيرها من الشخصيات؟، ما نعرفه عنها انها كانت نزيلة في مصحّة خاصة بكبار السّن وهناك ماتت، يتعاطف البطل مع والدته بسبب حبّها للطبيعة وطريقتها في التعامل مع أحداث الحياة، يعتقد انّها في نهاية حياتها ربّما تكون والدته قد احتضنت عالمًا لا معنى له وعاشت في الوقت الحاضر مثله .
القس.(L\’aumônier ) :
إنه قسّيس السّجن والمسئول عن التحدث والاعتراف للسجناء، حاول بشكل ما إقناع ميرسو بجدوى الإيمان واليقين بالعالم الآخر، الغيب، وبأنّ أفضل طريقة لتجاوز فكرة الخوف من الموت هو الإيمان، الصّلاة والدّعاء للحصول على المغفرة و الصّفح، لا طريقة أخرى لتجاوز فكرة الموت إلاّ بالاعتقاد واليقين بالخالق، بسبب المواقف المختلفة فيما يتعلق بالدّين، يجادل ميرسو مع القس ويخبره بغضب أن الحياة ليس لها معنى وأنّ جميع البشر سيموتون، هذه الكلمات تملأه بالفرح و الاطمئنان .
توماس بيريز (Thomas Pérez ) :
صديق قديم لوالدته وكان قريبا منها عندما كانت تقيم في دار رعاية المسنّين في مارينجو، يعتبر احد الرّوابط العاطفيّة النّادرة في الرّوايّة، إلا أنّ هذه الصّداقة بين السّيد توماس بيريز ووالدته أثارت اشمئزازه .
القاضي :
هذا الرّجل حكم على ميرسو لموقفه من الحياة وليس لقتل\”العربي\”، في الواقع، كان الرّجل غير مبال بوفاة والدته بقدر ما كان مهتما إن كان بطلنا متديّنا آم لا، لذا اعتبر ميرسو خطرًا على المجتمع، حتى أنّه يحمل صليبًا أمام الشّاب ويطلب منه أن يخبره إذا كان يؤمن بالله، تمثل هذه الشخصيّة المجتمع المهدّد من قبل المعتقدات الغير الأخلاقية لميرسو .
الحارس :
تظهر هذه الشخصيّة في بدايّة الرّواية، وهو الذي يعتني بالمسنّين في الملجأ حيث عاشت الأم خلال السّنوات الثلاث الأخيرة من حياتها، رجل ثرثار وهو الذي رافق ميرسو لرعاية والدته في اليوم السّابق لجنازتهأ، أمضيا اللّيل في الحديث والتدخين وشرب القهوة في المشرحة .
مدير الملجأ :
هو مديرة الملجأ، حيث عاشت الأم في عزلة لمدّة ثلاث سنوات، عندما ذهب ميرسو لحضور جنازة والدته، يلمح إلى أنّه لا يشعر بالذنب لأخذها إلى دار التقاعد، بل كان متفهّما لأنّ ميرسو لم يكن بوسعه رعايتها والاهتمام بها، مع ذلك، أثناء المحاكمة ينتقد بشدّة بطل الرّوايّة . سيليست :
صاحب مقهى يأكل فيه مورسو بشكل متكرر. لا يزال سيليست مواليًا لمورسو أثناء محاكمته بالقتل. يشهد أن مورسو رجل أمين ومحترم ويؤكد أن سوء الحظ دفع مورسو لقتل العربي. إن ادعاء سيليست بأن القتل ليس له سبب منطقي وأنه كان مجرد حالة سوء حظ يكشف عن رؤية عالمية مشابهة لنظرة مورسو.
ماسون ( Masson ) :
صاحب منزل الشّاطئ وصديق ريمون، هذا الرجل لديه مزاج مرح وهو رجل قوي، يشهد لصالح ميرسو ويقول إنّه شاب ذو شخصيّة .
النائب العام :
يتهم ميرسو خلال المحاكمة واصفا إيّاه بأنه شخص بارد ومتلاعب وأناني ويملك عقل متوحش وقاتل بدم بارد، ينظر لميرسو على أنّه تهديد للمجتمع . يدعو إلى تسليط عليه أقصى عقوبة، حكم الإعدام لعدم ارتباطه بوالدته عاطفياً .
سالامانو (Salamano. ) :
جار ميرسو في العمارة، لديه كلب مصاب بالجرب وكان يضربه ويشتمه، بعد فترة وجيزة يختفي الكلب، يتناقض مدى الحزن الناجم عن فقدان كلبه المريض مع عدم اكتراث ميرسو بوفاة والدته .
العربي ( L\’Arabe) :
شقيق عشيقة ريموند، قتله ميرسو بدون سبب، هذه الشخصيّة هي الثانيّة من حيث الغموض بعد الأم، لا يحمل اسم، نجهل كلّ شيء عنه باستثناء أنّه كان يتربّص بريموند، وانّه وجد نفسه على الشّاطئ مع ميرسو وهناك حدثت الجريمة،
، من الواضح أن الجريمة ليس لها دافع، لذا غياب\”العربي\”كشخصيّة قائمة بحدّ ذاتها في الرّوايّة تحمل التباسا غير مفهوم يجعل البير كامو محلّ انتقاد من النقاد والمستشرقين و خاصة ادوارد سعيد .
السّياق التّاريخي :
روايّة الغريب هي أوّل روايّة لألبير كامو، نُشرت عام 1942 وتدُور أحداثها في الجزائر العاصمة، نُشرت في الوقت الذي كانت تتكشف فيه الحرب العالميّة الثّانيّة، واشتغل عليها كامو بشكل كبير في تلك الفترة في فرنسا والجزائر وآسيا، و بدأت في الأشهر الأخيرة من عام 1939 عندما غزا الألمان النازيون بولونيا وانتهت في عام 1945، عندما اسقط الحلفاء أوّل قنبلة ذريّة في مدينة هيروشيما في اليابان .
على الرغم من عدم اليقين الفكري الذي أعقب نهايّة الحرب، كان موقف ألبير كامو هو موقف الكاتب الذي دافع عن قيم العدالة والكرامة الإنسانيّة، كانت حياته المهنيّة قصيرة، لكنّه يعتبر بإجماع النقاد والفلاسفة أحد أكثر الكتاب تأثيرًا في تاريخ القرن العشرين، بسبب جودة كتابته وعمق ودقة فلسفته .
أبدع ألبير كامو عمله في وسط مجتمع دمرته الحرب والفزع الذي أثارته، في فرنسا التّي أظهرت مجتمعًا حيث تهتم الأمم بالفوز والانتصار(تدمير الآخر)أكثر من الاهتمام بالفرد، خلقت هذه البيئة أناسًا حزينين، مدمّرين من الدّاخل، يائسين، منهارين، شعروا بالغربة أمام الوحوش البشريّة(النازيّة والفاشيّة)التّي ظهرت في كلّ مكان، وهي تدمّر وتخرّب وتبيد الحياة، تصنع الأسلحة الفتاكة(السّلاح النّووي، السّلاح الكيمياوي)لقتل أيّ شكل من أشكال الحياة، لقد كانت معسكرات الموت صدمة كبيرة لكلّ شعوب العالم،
يبدأ الكتاب بجملة نبيلة ولكن حزينة، الأم متوفاة وابنها اللاّمبالي ولا يبدو عليه القلق، هذه إحدى الجمل التّي تلخص أفضل الفلسفة التّي يحاول كامو نقلها إلينا، ميرسو هو فرد يظهر نفسه غير مبال بالحياة التّي تحدث فيها العديد من المآسي والتّي يواجهها دائمًا بنفس الطريقة، اللامبالاة ،هذا التفاعل المستمر يتمّ عن قصد لإظهار الإنسان ككائن فارغ من المشاعر الإنسانيّة في مواجهة مجتمع معتاد على طقوس وعروض معيّنة .
تحليل رواية الغريب :
\”فهمت أنّ خاتمة اليوم قد انتهى، صمت الشّاطئ حيث كنت سعيدا .. \”(رواية الغريب)، يشعر ميرسو بتأثّره بحرارة الشّمس التّي لا تقاوم فقام حينها بإطلاق أربع طلقات حددت خاتمة حياته ومصيره ومستقبله، في تلك اللحظة التّي وجد نفسه تحت نار هذه الشّمس الحارقة بإطلاق النّار على جسد\”العربي\”، لقد استهلك كلّ طاقة بداخله لتتحول إلى حالة من قنوط وشعور سيّئ بارتكابه فعل شنيع سيلقي به في عالم آخر غير الذّي كان يعيشه، انّه شعور بالمحنة، بالبليّة، بالسّوء، بالنهايّة،جريمة القتل التّي ارتكبها ميرسو هي جزء أساسي من فك رموز أحجيّة الرّوايّة، بدونها لا معنى لرواية الغريب،
كان يمكن أن لا يحدث أيّ شيء في حياة البطل لو لم يرتكب هذه الجريمة، كانت حياته ستسير بشكل رتيب وبطيء ، حياة فارغة بدون هدف أو معنى، قد يلقى نفس مصير والدته، يكبر و يصبح وحيدا و يلقى به في ملجأ لرعاية المسنين، أو، يصبح مثل جاره سالامانو، عودة لألبير كامو، فلقد مرّ بتجربة مماثلة على شاطئ وهران، كما يروي أوليفييه تود في سيرة ذاتيّة للكاتب، اتّضح أنّه ذات صباح أحد أيّام الأحد، ذهب ألبير كامو إلى الشّاطئ مع صديقه الحميم بيير جاليندو و أصدقاء آخرين، كان الجميع يستمتع بيومهم، بين لعب كرة القدم وأخذ حمّامات الشّمس، بعد فترة، يظهر راؤول بن سوسان ويطلب من شقيقه مرافقته لأنّه تشاجر مع مجموعة من الجزائريين على الشّاطئ ويريد حلّ هذا النزاع، يلتقي الشّقيقان بالعرب ويبدآن القتال، طعن أحد العرب راؤول في ذراعه وفي زاويّة فمّه، في الحياة الواقعيّة، ينتهي كلّ شيء هنا لأنّ لاحقًا راؤول وجاليندو يعودان لمواصلة الجدال حاملين سلاحًا، والعرب لا يردّون على استفزازاتهم، في الرّواية، هذا المشهد له نهايّة مختلفة، يكبر ويحتدم وينتهي بارتكاب البطل جريمة قتل\”العربي\”، تكمن هنا عبقريّة ألبير كامو في توظيف الواقع مع الخيال، كما لوحظ في 22 أوت 1938 وفي سن 26 وجد ألبير كامو الجملتين\”السّحريتين\”اللّتين بدا بهما روايته\”اليوم ماتت أمي …. أو ربّما بالأمس، لا أعرف\”، ما يجهله الكثير أنّه منذ تاريخ 5 ماي 1940 في باريس، ستقع العديد من الأحداث التّي تقترن بهذا العمل الأدبي، كلّ ما فيها يثير الفضول، الرغبة في اكتشاف الألغاز، ما أخفاه الكاتب عن القرّاء، وعندما سئل ألبير كامو عن ميرسو، هذه الشخصية المربكة، المثيرة للاهتمام، الغريبة في تصرّفاتها،
عن الجدوى في كتابة رواية بطلها شخصية لا مبالية، عديمة المشاعر، حيادية، أجاب :
..\” في مجتمعنا، أي رجل لا يبكي في جنازة والدته يحكم عليه بالموت، أردت فقط قول أن بطل الرّوايّة مدان لأنّه لا يلعب اللعبة، وبهذا المعنى فهو غريب على المجتمع الذي يعيش فيه، فهو يتجوّل على الأطراف، في ضواحي الحياة الخاصة، وحيدا، بمشاعر معطوبة، هذا هو السّبب في أنّ القرّاء يميلون إلى التفكير على أنّه حطام، مشكلة ميرسو انّه لا يمارس طقوس الحياة المعتادة، أو المتعارف عليها بين الناس، الإجابة بسيطة، انّه يرفض الكذب …. لن يكون من الخطأ أن نقرأ في رواية الغريب قصّة رجل يقبل بدون أي موقف بطولي، أن يموت من أجل الحقيقة، بالتالي، فإنّه بالنسبة لي ليس حطامًا بشريا، لكنّه رجل فقير وعاري، عاشق للشمس ولا يترك أيّ ظل، بعيدًا عن الحرمان من كلّ حساسيّة، شغف عميق، لأنّ ما يغذيه من الدّاخل هو العناد، الشغف المطلق والحقيقة، حدث لي أن أقول أيضًا ودائمًا بشكل متناقض، أنني حاولت أن أمثل في شخصيتي المسيح الوحيد، سيفهم من هذا، بالطبع بعد توضيحاتي، انني قلتها دون أيّ نيّة للتجذيف، فقط بعاطفة ساخرة إلى حد ما والتّي من حقّ الفنّان أن يشعر بها تجاه شخصيات إبداعه \”
(Albert Camus, 1955, éd. La Pléiad )
ميرسو يحب أمّه ولكن :
ما المغزى من عدم تأثّر ميرسو بموت أمّه؟( بقلم دافيد بلومستروم ) ..
..\” تبدأ الرّوايّة عندما علم ميرسو بموت والدته، للوهلة الأولى لا يشعر بالأسى، الحزن والصّدمة، ما معنى هذا؟، هل عانى في الواقع من الحزن لكنّه ببساطة لم يكن قادرًا، أو غير راغب في إظهاره؟، أم أنه لم يحب والدته؟، أم أنه لم يستطع استيعاب فكرة الموت؟، الموت كنهايّة، خسارة وانتهاء وجود بشري، ما مغزى عدم حزن الغريب بعد وفاة والدته؟.. لذا من المستحب قراءة روايّة الغريب بلغتها الأصليّة، بلغة ألبير كامو، فلسفته، فكرة العبث، لذا ينظر الكثير من النقاد للترجمات بعين الرّيبة والشك، يعتقدون انّها ترجمات تفتقد لروح الرّوايّة الأصليّة، لدرجة أنّ احد النقاد كتب ملاحظة حول أحد الترجمات\”ممل، غبي ومريب قليلاً\”، في الواقع، فإنّ السّطر الأوّل في النسخة الأصليّة من الرّوايّة يؤسّس لوجهة نظر مختلفة عمّا يحاول فهمه القارئ بلغة أخرى، كالعربيّة، الانجليزيّة، الألمانية، الايطاليّة أو الاسبانيّة، ممّا يفسد على القارئ متعة القراءة وحلاوة السّرد .
لنحاول فهم الجملة اللغز التّي بدأت بها الرّوايّة والتّي لها علاقة بوالدته .
( aujourd’hui. Maman est morte )، هذا يجعل الأم الجزء المهم من الجملة، ممّا يجعلنا نعتقد أنّ ما يلي سيكون عنها، الكلمة الرّسميّة وغير الشّخصيّة\”الأم\” تفصل ميرسو عنها، إنّها ليست\”أم\”رسميّة، انّها\”أمّي\”وهي مصطلح أكثر شخصية وحميميّة، وترتيب الكلمات مختلف يقود مع\”اليوم\”وليس\”الأم\”، ترجمة أفضل\”اليوم ماتت أمّي \”غير رسمي وشخصي، يتحدّث عن اللحظة الآنيّة، ممّا يحيلنا إلى فهم جديد عن شخصيّة ميرسو وهو انه يعتبر الوقت مهم يمكننا من خلال العبارة الأولى من الرّوايّة فهم أنّ شخصيته تعيش الحاضر، لا يفكّر في الماضي، لا يحلم بالمستقبل، يتقبل ما يحدث كما هو، يبدو للوهلة الأولى وهذا ما يعتبر مهم، ان موت والدته يعكس حالة شعوريّة كامنة بداخله لا يظهرها للآخرين، ومع ذلك، للعودة إلى السّؤال الأصلي، ليس من الواضح حقًا أنّ الرّاوي ينقصه الحزن، إنه ببساطة شخص يقبل بسهولة العالم الذي يجد نفسه فيه، شخص ليس لديه علاقات اجتماعيّة حميمة و عروض غريبة للعواطف .
\” العربي\” اللغز :
يعود الفضل للباحثة الأمريكيّة\”أليس كابلان\”في اكتشاف هويّة\”العربي\”الذّي قتله ميرسو، هذه الشّخصيّة التّي ظهرت بدون اسم وخلقت الكثير من الجدل واللغط، اسمه\”قدور بن طويل\”، تمّ التعرّف عليه بفضل شهادات شقيقه وأخته اللّذين مازالا على قيد الحياة ويقيمان في عين الترك، بلدة تطل على البحر وتابعة إداريا لولاية وهران، كانت الرّغبة كبيرة في اكتشاف هويّة أحد أكثر شخصيات روايّة الغريب غموضا، بحيث دفعت النقاد وعلماء الاجتماع والمفكّرين المنتمين لما يعرف\”ما بعد الكولونياليّة\”إلى انتقاد ألبير كامو في تعاملمه مع الجزائريين، وانّه منحاز لقومه وأهله(الأقدام السّوداء)، وأنّ تعامله مع شخصيّة\”العربي\”بتلك الطريقة(لم يعطه اسما) يعكس نظرة الكاتب نحو الجزائريين .
بدأت الأحداث على شاطئ( puisville) عندما دخل الشّقيقان الفرنسيان راؤول وإدغار بن سوسان في جدال كبير مع قدور بن طويل، على الرغم من أنّه لم يمت أحد في هذا الخلاف، فإن حقيقة أنّ اسم الشخصيّة كان مفقودًا \”كان يمكن أن يُنظر إليها ببساطة على أنّها تلك الحقيقة التّي تؤكّد عبثيّة وفاتها\”(أليس كابلان)، مع ذلك، فإن مثل هذه القراءة ستكون مفضّلة إذا كان وجود ميرسو يفتقر إلى معنى أعمق ويصعب تحمّله، لكن كامو،على سبيل المثال، وصف العربي مرّة\” بأنّه المسيح الوحيد الذي نستحقه\”، كتب جون ويليامز في صحيفة نيويورك تايمز .
كانت الهويّة أيضًا موضوعًا لروايّة مشهورة إلى حد ما تسمّى ميرسو،تحقيق مضاد (Meursault, contre-enquête) للكاتب كامل داود، عمل أدبي مستوحى من روايّة كامو والذي أعاد كتابته\” بنفس اللغة ولكن من اليمين إلى اليسار حيث يكسر عمليّة قتل هذه الشخصيّة، بالإضافة إلى هذا وهذا ما يعتبر مهما ورمزيّا أعطاها اسم موسى المولود في أسرة جزائريّة، كتبت أليس كابلان:\”الغريب ليس كتابًا كتبه كامو عن نفسه، ولكنه كتاب وجد نفسه فيه\”، وتضيف بأنّ\”زواج ألبير كامو من زوجته الأولى سيمون هيي، في عام 1934، لم يكن ليكون فاشلاً فحسب، بل كان سيفيد على الأقل فنّ الرّواية الأدبيّة،فالفترة التي قضاها في وهران مع عائلة زوجته ساعدته في التخطيط لما سيكون جوهرة أعماله الأدبيّة\” .
اليوم ماتت أمّي، أو ربّما بالأمس،لا أعرف، هكذا بدأ هذا الكتاب الذي بيع منه أكثر من عشرة ملايين نسخة .
زوبعة مشرقة :
يدخل العالم ما بعد الحرب العالميّة الثّانيّة في صراعات كثيرة، حينها بدا ألبير كامو عمله في جريدة يساريّة هي ( L\’Alger républicain) يديرها صديقه باسكال بيا، يظهر كامو في هذه الجريدة مواهبه ككاتب وهو موضع تقدير و احترام من الجميع، كان كثير الحضور لجلسات المحاكمة في المحاكم وتسجيل مجريات المرافعات بحيث يقوم بتدوينها بالتفصيل الممل، ستساعده هذه التجربة على استكمال سرد الجزء الثاني من ورايّة الغريب، أثناء عمله في الصّحيفة، يعمل بجد على تطوير موهبته الأدبيّة الطموحة، في تلك الفترة، كانت لديه ثلاثة جبهات أدبية مفتوحة، تشكل ما يعرف بثلاثيّة العبث، مسرحية كاليغولا، أسطورة سيزيف، ورواية الغريب، بسبب تاريخه مع مرض السّل تأثّرت صحّته، في هذا الوقت تمّ طرده من الحزب الشّيوعي، بدأ يعتقد أنّ الجزائر العاصمة صغيرة جدًا بالنسبة لطموحاته، وبمساعدة باسكال بيا عثر له على وظيفة في باريس التّي ستحمل كامو الشّاب الطموح إلى الشّهرة، تجربته واكتشافاته في عمله الجديد هي نقطة مرجعيّة أخرى لصناعة تاريخ\”الغريب\”، في الجزء الأوّل من الرّواية، يعرض المدير على ميرسو وظيفة في مدينة باريس، ممّا يسمح له بالسّفر واكتشاف العالم، في الرّواية البطل غير مبال بهذا الاقتراح ويجيب مديره بأنّ حياته تسير على ما يرام ولا حاجة لتبديلها، على عكس الكاتب ، وفقًا لناتالي ساروت عام 1947، فإن كامو يستفيد من العرض نفسه وينتقل للعيش في باريس
قانون طبيعي لدى البشر :
الخلفيّة التّي رسمها الكاتب في الرّواية مقصودة بغرض إظهار القانون الطبيعي للحياة بين الناس، حيث يتم أداء الأعمال في روتين قاسٍ وتشرق الشّمس كلّ صباح لتصبح شيئًا غير مهم، وفي اليوم الذي تتغيّر فيه حياة ميرسو، تتغيّر بشكل درامي مفجع وهذا بإطلاقه أربع طلقات على\”العربي\”على الشّاطئ، يحدث انقطاع الهواء، يليها كثافة ضوء النّهار( حرارة الشّمس في فصل الصّيف عند منتصف النهار)، كلّها تخلّ بالتوازن الذّي كان يؤطر حياة ميرسو، كلّ هذا يختفي، يتلاشى وينهار في الجزء الأوّل من الرّواية، عند ارتكاب الجريمة كلّ شيء يسير وفق ما هو مقرّر له، الأحداث هي التّي توجّه القصّة نحو الجزء الثاني، في الجزء الثّاني من الرّوايّة، العدالة هي التّي توجّه القصّة نحو ما تمّ الاتفاق عليه ممّا يقضي على الترتيب الطبيعي للأشياء، ويؤسّس سلسلة من المعايير التّي يجب احترامها وفقًا لقانون البشر والعقوبات، الغريب والمثير للدهشة، بمعنى آخر ميرسو لا يعاقب لأنّه قتل\”العربي\”، ارتكب جريمة مع سبق الإصرار والترصّد، لكن يعاقب بسبب موقفه المتراخي مع ذاته ومع الآخرين، لم يندمج مع الحياة التّي يحياها غيره من الناس، تلك الحياة المرتبطة أساسا بالتقاليد والطقوس والأعراف والعادات، خاصة عندما يراقب أمّه المتوفاة في التابوت، فبدلا من البكاء، أو ما شابه ذلك، يدخّن ويشرب كوب حليب ممزوج بالقهوة، يثرثر مع الحارس ثمّ يغلبه النعاس، رغم انّه لا يلام على هذا، فلقد قطع مسافة طويلة من مارينجو إلى الملجأ سيرا تحت أشعة الشّمس الحارة .
لاعقلانيّة الكون :
على الرغم من أن رواية الغريب عمل خيالي، إلا أنه يحتوي على صدى قوي لمفهوم كامو الفلسفي عن العبثيّة، يؤكد في مقالاته أنّ الحياة الفرديّة والوجود البشري بشكل عام ليس لهما معنى أو نظام عقلاني، مع ذلك، نظرًا لأنّ النّاس يجدون صعوبة في التصالح مع هذه الفكرة، فإنهم يحاولون باستمرار تحديد أو إنشاء بنيّة منطقية ومعنى في حياتهم، يصف مصطلح\”عبث\”محاولة البشريّة الغير المجدية لإيجاد نظام عقلاني حيث لا يوجد نظام عقلاني، على الرغم من أنّ كامو لا يشير صراحة إلى مفهوم العبثية في رواية الغريب، فإنّ مبادئ العبثيّة موجودة بالفعل .
لا العالم الخارجي الذي يعيش فيه ميرسو ولا العالم الداخلي لأفكاره ومواقفه لهما أيّ نظام عقلاني، ليس لديه سبب واضح لأفعاله، مثل قراره بالزّواج من ماري، أو قتله\”العربي\”، مع ذلك، يحاول المجتمع اختلاق أو فرض تفسيرات عقلانيّة لأفعال ميرسو الغير العقلانيّة، ان الفكرة القائلة بأنّ الأشياء تحدث أحيانًا بدون سبب وأحيانًا لا تكون لها معنى هي فكرة مزعجة وتهدّد المجتمع، وهذا ما نجده في الجزء الثاني من الرّواية أثناء المحاكمة، المجتمع في هذه المحاكمة يحاول اختلاق نظام عقلاني/أخلاقي لشرح مفهوم العبث، فيقدّم المدّعي العام والمحامي تفسيرات لجريمة ميرسو بناء على المنطق والعقل ومفهوم السّبب والنتيجة، مع ذلك، فإن هذه التفسيرات لا أساس لها من الحقائق ولا تعمل إلا كمحاولات لنزع فتيل الفكرة المخيفة بأنّ الكون غير عقلاني، بالتالي، فإن المحاكمة برمتها هي مثال على العبثيّة، مثال على محاولة البشريّة الغير المجدية لفرض العقلانيّة على كون غير عقلاني .
تفاهة الحياة البشرية :
العنصر الرّئيسي الثّاني في فلسفة العبث لدى ألبير كامو هي فكرة أنّ الحياة البشريّة ليس لها معنى، أو هدف للخلاص من شقاءها الأرضي/الدّنيوي، يرى كامو أن الشّيء الوحيد المؤكد في الحياة هو حتميّة الموت، ولأنّ جميع البشر سيواجهون الموت في النهايّة، فإن جميع الأرواح لا معنى لها أيضا، ينتقل ميرسو تدريجيا نحو هذه الحقيقة في جميع أطوار الرّواية، لكنّه لم يستوعبه بالكامل إلاّ بعد جداله مع القس في الفصل الأخير، يدرك انّه مثلما هو غير مبال بالكثير من الأشياء التّي تحيط به،الحياة،المجتمع،الطقوس اليوميّة التّي تؤثث حياة الناس،العلاقات الاجتماعيّة، فإن الكون لا يبالي به، مثل أيّ شخص آخر، وُلد ميرسو وعاش ومات ولم يكن مهمًا، من المفارقات، أنه فقط بعد أن حقق هذا الوعي الذّي يبدو كئيبًا، تمكّن من تحقيق السّعادة، أو لنقل الرّضا عن الذات، يسمح هذا له بأن يضع جانبا فكرة الاستئناف، أو ما شابه ذلك، إنه يدرك أنّ هذه الآمال الوهميّة التّي كانت تشغل عقله سابقًا، لن تفعل أكثر من خلق شعور زائف فيه بأن الموت يمكن منعه، يرى أنّ أمله في حياة طويلة كان عبئًا عليه، إن تحرّره من هذا الأمل الزّائف يعني أنه حرّ في أن يعيش حياته كما يريد ويرغب والاستفادة القصوى من أيّامه المتبقيّة .
أهميّة العالم المادي :
يظهر في رواية الغريب أنّ ميرسو مهتم بالجوانب الماديّة للعالم من حوله أكثر من اهتمامه بالجوانب الاجتماعيّة / العاطفيّة، ينتج هذا التركيز على العالم الحسّي عن تأكيد الرّوايّة على عدم وجود معنى أو ترتيب أعلى من الحياة البشريّة ، من خلال قراءتنا للرّوايّة نجد أنّ تركيزه منصب على جسده، علاقته الخاصة بماري، الطقس، العناصر الماديّة الأخرى في بيئته، على سبيل المثال، تؤذي الحرارة أثناء الجنازة ميرسو أكثر بكثير من فكرة دفن والدته، الشّمس على الشّاطئ تعذّبه،وأثناء المحاكمة، عندما سئل عن سبب إقدامه على قتل\”العربي\”كانت إجابته انّه بسبب معاناته من أشعة الشّمس، . يعكس أسلوب سرد القصص لديه اهتمامه بالجسدي، على الرغم من أنّه يقدّم أوصافًا موجزة وبسيطة وبالمقابل هناك تجاهل عن المواقف العاطفيّة والاجتماعيّة، وعندما يتناول موضوعات مثل الطّبيعة والطقس و الجسد فاوصافه حيّة ومزخرفة و دقيقة .
الجدل الأخلاقي :
شرح كامو سبب قرار ميرسو عدم اتّخاذ الخيارات المعروضة عليه لتخفيف عقوبته، الجواب بسيط، إنّه يرفض الكذب، الكذب ليس مجرد قول ما هو ليس كذلك، إنّه أيضًا وقبل كلّ شيء، أن نقول أكثر ممّا هو عليه، اعتقد انها الحقيقة التّي تزعج الآخرين، أن نقول أكثر ممّا يشعر به، هذا ما نفعله جميعًا بشكل يومي لجعل الحياة أسهل، على عكس ما يبدو، لا يريد ميرسو تبسيط حياته، يقول ما هو عليه، يرفض إخفاء مشاعره وهذا يشعر المجتمع على الفور بالتهديد .
لقد كانت روايّة الغريب من أكثر الرّوايات ما بعد الحرب جدليّة، كانت موضوع مناقشات أخلاقيّة وانتقادات من النقاد ، على سبيل المثال، قال هارولد بلوم(هو ناقد أدبي وصحفي وبروفيسور وكاتب أمريكي)إنّه كتاب\”عتيق\”، يمنحه قيمة محدّدة، لكن ليس بالضرورة جماليّة، بحيث يدّعي في الواقع أنّ هذه الرّوايّة\”أقل ممّا كنّا نظن\”، رغم أنّها ليست معيبة من الناحيّة الأخلاقيّة، ويضيف أنّ كامو هو أحد الكتاب القليلين الذين يساعدوننا في أن نصبح\”أفرادًا مهتمين، وليس أفرادًا غير مبالين بأنفسنا والآخرين\”.
لقد كانت روايّة الغريب سابقة لعصرها، متنبئة بميلاد إنسان ما بعد الحرب، إنسان حزين، مكتئب، يمارس حريّة لا تقدّره أخلاقيا ولا ثقافيا، على العكس تماما، فهي حريّة تحقّره وتحرمه من تضامن المجتمع، تحرمه من طموحه الخاص، تجعله سلبيًا وروتينيًا وغريزيًا بدرجة أقل من الحيوان، و رغم ذلك لا يزال النقاش مفتوحًا، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى النقاش حول معايير تحليل الأعمال وترجيحها، وهي معايير تتطوّر باستمرار .
***




