المجلة الثقافية الجزائرية

فقدان البوصلة

الحسين بوخرطة

خرج عبروق من المنتجع مع انبلاج الصباح. ترك خلفه خياماً بيضاء تتكئ على أطراف الصحراء، ومضى وحده نحو الامتداد الأصفر الذي لا يحتفظ بآثار العابرين.

كلما توغل، ابتلعت الرمال ما خلفه من خطى. كانت التلال تتبادل مواقعها في صمت، كأن الأرض نفسها تبدل وجوهها كل حين. لم يلتفت وراءه إلا نادراً؛ فقد كان منشغلاً بأفق بعيد يتراجع كلما اقترب منه.

عند الظهيرة، حين تدلت الشمس فوق رأسه كجمرة معلقة، توقف لاهثاً. دار بعينيه في الجهات الأربع. لم ير سوى دوائر من الرمل تتوالد حوله.

مد يده إلى جيبه. تجمدت أصابعه. أعاد المحاولة. ثم فتش جيوبه كلها. قلب حقيبته على الأرض، فتناثرت أشياؤه الصغيرة فوق الرمل الساخن. أما هي، فلم تكن هناك.

همس بصوت متحشرج: أين ذهبتِ؟

مرّت زوبعة خفيفة بين التلال، فبدت له كأنها تقتاد شيئاً بعيداً.

حدق في الفراغ طويلاً. كانت البوصلة آخر ما يربطه بجهةٍ ما، والآن صار الأفق متشابهاً كصفحات كتاب مُحيَت حروفه. 

جلس فوق كثيب وراح يتتبع ارتجاف ظله. أحس أن الصحراء اتسعت فجأة، وأن الجهات الأربع تخلت عن أسمائها، غير أنه نهض. نفض الرمل عن ثيابه، وألقى نظرة أخيرة على الأشياء المبعثرة عند قدميه. ثم جمعها في هدوء، كمن يجمع ما تبقى من نفسه.

اختار اتجاهاً ومشى.

بعد مسافة طويلة لمح أشباحاً تتحرك بين السراب. كانوا رجالاً ونساءً يسيرون ببطء، يرمق بعضهم بعضاً بالحيرة ذاتها. اقترب منهم، فاكتشف في وجوههم ذلك السؤال الذي كان يحمله وحده.

لم يسأل أحدٌ الآخر عن الطريق. اكتفوا بالسير معاً.

وكانت القافلة تكبر كلما ابتلعت الصحراء تائهاً جديداً.