المجلة الثقافية الجزائرية

قراءة نقدية في قصة “للنهر دائماً ضفتان”

الدكتور كايد الركيبات

1ـ نص القصة لمحمد البنا

لم يكن الموقف عصيبًا قدر غرابته؛ بكاء وعويل يقابله ضحكات وتهليل، وأنا…أنا بين هذا وذاك، كلاهما مني وأنا منهم، غير أني لا أبكي كما أني لا أضحك، عيناي زائغتان؛ عينٌ هنا وعينٌ هناك!

اتساءل…ماذا عن قلبي؟..إلى أي الضفتين يميل؟

أكاد أجن وربما سأدفعكم لحافة الجنون أيضًا، إن أخبرتكم بما أتعرض له الآن!

أشرد للحظات وأتساءل؛ هل تعرض أحدٌ قبلي لما يحوطني الآن من غرائب ؟!

ها هي أمي تضحك وتضمني بكل جوارحها إلى صدرها، صدرها الحنون الذي افتقده منذ سنين، وها هو أبي يهرول إلي باش الوجه فاتحًا ذراعيه

– أهلًا بالمحبوب، أخيرًا أتت اللحظة التي تمنيناها أنا وأمك، طالت نعم، لكننا لم نفقد الصبر في انتظارها، كنا على يقينٍ أنها آتيةٌ يا ولدي

يالله!! ها هي زوجتي تحتضنني وتبكي دموعًا تبلل وجهي، والغريب أنني لا أشعر! أراها منكفئة على صدري وأراني بين ذراعيها، لكنني لا أشعر!

ابني يمسح بكفه دموعه وينحني يقبل جبيني، ولكنني لا أشعر!

يتقاطر أخواني وأخواتي إلي، بعضهم يقبل جبيني، وبعضهم يقبل يدي، وأنا..أنا لا أشعر!!

ثمانية أشقاء وشقيقات، ستة منهم فعلوا والدموع تنهمر من مآقيهم، تساءلت محدثًا نفسي

“أين أخي.. وأين أختى الصغرى؟

ضحك أبي ضحكته الخفيفة التي لطالما رأيتها في عينيه، وسمعتها بأذني، عندما كان يقرأني؛ يقرأ ما يجول في خلدي قبل أن تترجمه شفتاي حروفا، ضحك وأشار بيده فالتفتُ بناظري إلى حيث أشار…يا الله!! ها هما قادمان تسبقهما دقات قلبيهما الفرحة!، وفي إثرهم بعض أصدقائي القدامي…هنا أصدقاء، وهنا أصدقاء، أتذكرهم جميعًا، من مضى منهم ومن لا يزال في قائمة أصدقائي، ضحكت كثيرًا حين تذكرت صراحة بعضهم عندما نصحوني بترك الأدب والتفرغ التام لمستقبلي المهني كمهندس، قلت لهم وهل يستطيع المرء أن يعيش بلا هواء ؟!.. نعم كان الشعر هو هوائي الذي أتنفسه، والقص هو رئتي التي تستقبله، أضحك مع الضاحكين الفرحين بلقائي بعد طول غياب، وأبكي مع من يحوطونني حزانى وباكين، ولكن.. دموعي لا أشعر بها!

رويدًا رويدًا تتلاشى ملامحهم في لجة ضبابية سرعان ما تتكثف…الآن لا أرى إلا ضبابًا يغمرني، وطيفان قادمان على مهلٍ … من بعيد!

محمد البنا / القاهرة في ١٢ يونيو/ حزيران ٢٠٢٥

2ـ القراءة النقدية لقصة “للنهر دائمًا ضفتان”

تتحدث القصة عن رجل يحتضر ينقل لنا شعوره وهو بين الحياة والموت يصف زوجته وأبناءه وأخواته وإخوانه الذين يحيطون بجسده يبكون مخافة فراقه من جهة، ومن جهة ثانية يصف لنا والديه الذين سبقاه للحياة الآخرة ومعهم شقيقه وشقيقته المتوفيان وبعض أصدقائه القدماء، الذين ارتسمت على وجوههم السعادة للتحاقه بهم.

دمج القاص بين التعبير الذاتي والتجربة الإنسانية في لحظة مفصلية من الوعي واللاوعي، وقدم موقفاً مكثفاً، ومشهداً مركزياً دار حوله الحدث، دون توسع في الزمان والمكان أو تعدد في الحبكات، تمحورت الفكرة حول الوجود الإنساني في لحظة مفصلية بين الحياة والموت، وتأملات الذات في انقسامها بين الضفتين.

الشخصية الرئيسية في النص هي “الراوي/المتكلم”، بينما الشخصيات الثانوية (الأم، الأب، الزوجة، الابن، الأشقاء، الأصدقاء…) كلهم ظهروا في إطار رمزي، مثلوا الحياة والذاكرة.

تضمنت الحبكة ترتيب الأحداث: البداية: وصف الحالة النفسية الغريبة بين الضحك والبكاء. العقدة: ظهور المشاهد المتداخلة مع الأهل والأصدقاء والذات المنفصلة عن الإحساس. الذروة: إدراك السارد لعدم شعوره بأي شيء رغم كل ما يراه. النهاية: الضباب الكثيف وطيفان قادمان، ما يُوحي بالانتقال الكامل إلى “الضفة الأخرى”، لم يتعلق تطور الحبكة في النص بأحداث خارجية ملموسة، بل بسرد داخلي صوّر لحظة الاحتضار أو العبور إلى الموت، حيث تداخلت المشاعر والمشاهد دون ترتيب زمني صارم. الزمان: غير محدد بدقة، لكنه لحظة عبور نفسية روحية. المكان: ضبابي/ رمزي، قد يرمز إلى لحظة الاحتضار أو البرزخ، حيث تلتقي أرواح الماضي والحاضر.

رغم أن النص اتبع بشكل كبير الأسس الكلاسيكية من حيث الأركان، إلا أنه عمد إلى تقدِّمها بروح حداثية تأملية تُغلب الشعور على الحدث، والرمز على الواقع، مما منح القصة صبغة قصصية تأملية ذات بعد فلسفي، فثنائية “الضفتين” رمزت إلى الحياة والموت أو إلى الواقع واللا واقع، ثم إن توظيف الغموض السردي المصاحب لحالة الوعي المتداخلة بين الحضور والغياب، وغلبة البعد الشعري على البنية اللغوية للنص، واستخدام ضمير المتكلم بتركيز على التجربة الذاتية، منح النص بعداً تأملياً عميقاً.

النص تفصيلي مليء بالعاطفة، لكن هذه التفاصيل موظفة بوعي، إذ خدمت الجو النفسي العام وعمقت الإحساس بالفقد والدهشة والانفصال عن العالم، لا سيما في مشاهد اللقاء بالأم والأب، وأضفى شعور الراوي المتناقض بالانفصال الحسي عن هذا الحب الفيّاض صدقاً داخلياً عميقاً.

أما أسلوب القاص فكان شاعرياً غير متكلف، متدفق بعفوية تشبه التداعي الحر، مع جمل قصيرة متلاحقة وتكرار ذكي لبعض العبارات (أنا لا أشعر، أين أختي؟…). هذا أعطى النص طابعاً حيّاً تلقائياً.

اعتمدت سردية القصة على التصعيد النفسي الداخلي لا الزمني أو الخارجي، ولم ترتكز على “حدث درامي متطور”، مما جعلها أقرب إلى السرد الشعوري منها إلى القصة بالمعنى البنائي الكلاسيكي، وهذا مبرر فنياً لأن هدفها الموضوعي ليس نقل أحداث بل تصوير حالة وعتبة وجودية، فهي تتحدث عن حدث خيالي (يحدث بعد الموت أو في لحظة الاحتضار)، لكنه يُعبّر عن احتياج بشري داخلي عميق: اللقاء بالمحبين، وفهم الذات، والمصالحة مع المصير.

الوظيفة الفنية للقصة قد تكون ترك أثر وجداني يجمع بين الدهشة والأسى؛ ليشعر القارئ بغربة الراوي، ويتأرجح معه بين ضفتي الحضور والغياب، ويتصور ألم الانفصال الشعوري المربك رغم كثافة الحب المحيط، فالجو العام للقصة كله غرائبي (لقاء الأموات، غياب الإحساس الجسدي، طيفان في نهاية النص…) لكنه مسوّغ فنياً، بل هو جوهر الفكرة البنائية والموضوعية لها.

لم تحقق الخاتمة “قفلة” ذات أثر صادم أو مدهش، لكن يمكن تبرير ذلك بأن الخاتمة لا تهدف إلى المفاجأة، بل إلى الذوبان الرمزي في المجهول، وهي بذلك تمنح القصة استمرارية ذهنية بعد القراءة، فالقصة تستحق القراءة المتمعنة بسبب تعدد مستويات القراءة، والانفتاح الرمزي العالي، والحمولة الشعورية التي تختلف بتجربة كل قارئ.

الدكتور كايد الركيبات/ الأردن