المجلة الثقافية الجزائرية

قراءة نقدية لديوان “نفحة من أمل”

أ. د. عبدالناصر أحمد مفتاح*

يكشف عنوان الديوان “نفحة من أمل” بصيغته الشعرية عن تعدد المسائل التي تسلكها الذات الشاعرة في رحلتها الوجدانية والفكرية، سعيًا إلى الصعود الروحي واستعادة القيم.

    ويمثل هذا الديوان الشعري مرحلة متقدمة في المسار الإبداعي للشاعر للأستاذ الدكتور عاصم زاهي مفلح العطروز، بوصفه امتدادًا واعيًا للتجربة الإبداعية للشاعر، إذ يترجم مرحلة من النضج الفكري والرؤيوي، بوصفه مشروعًا نصيًّا متماسك البنية والدلالة، حيث تتشكل قصائده من وعي مثقل بالحنين إلى أمجاد الماضي، مشدودًا إلى واقع مأزوم، ورؤية فكرية تبحث عن المعنى والخلاص في زمن الانكسار.

    وتتحول لغة الديوان إلى فضاء دلالي مفتوح، قادر على توليد المعنى، متجاوزة وظيفتها التواصلية المباشرة، وكأن اللغة نفسها تشارك في عملية الحفر الأركيولوجي عن المجد المطمور.

    ويتحول الاشتغال اللغوي في هذا الديوان إلى ممارسة جمالية واعية، تستهدف اختراق المألوف وتفكيك أنساقه الجاهزة، ويتحقق ذلك عبر استخدام مقصود للانزياح الدلالي والتركيبي، وبناء صورة شعرية مركبة تتجاوز التقريرية والمباشرة.

وعلى المستوى المضموني تجد الشاعر يمزج بين ثنائية الروح والمادة بحيث جعل المنافح الصوفية المفعمة بالطهر في مواجهة الحياة الفانية.

وتتكشف تلك الحقيقة في الديوان من خلال نزعةٌ دينية عميقة، تتراوح بين التباريح الصوفية السابحة في فضاء التطهُّر والخلود، وبين الحسِّ التاريخي الذي يتوق إلى عزة الإسلام وأصالة العروبة. ففي قصائد مثل “الرحمة المهداة” و”شمس الفضائل” و”مولد الهادي”، ينساب الشاعر في عالم الروح، مستسلمًا لفيض الأنوار النبوية، متخليًا عن سقطات الحياة الفانية. ومن هنا، يصبح الشعر مناجاةً وعبادةً، ووسيلةً للاتصال بالمطلق في زمنٍ طغت عليه الماديات.

 غير أن هذا الصفاء الروحي لا يلبث أن يتحوّل إلى مرارةٍ وحسرة حين يلتفت الشاعر إلى واقع الأمة، وتبرز المفارقة الفنية العجيبة تجليات خاصية الانزياح من فضاء التجلّيات الإلهية إلى ساحة الانكسارات التاريخية. إنها مفارقة تعكس تناقضَ الذات بين ما تتطلع إليه من كمالٍ روحي، وما تعيشه من نقصٍ دنيوي.

    كما نجد الإيقاع الشعري لا يقتصر على البعد الموسيقي الظاهر المرتبط بالوزن، بل يرتقي ليكون عنصرًا بنيويًّا فاعلًا، إلى جانب الإيقاع الداخلي المتمثل في التكرار والتنوع الصوتي وبنية الفواصل، الذي يساهم في التماسك الشعوري للنص.

  وجاءت الصورة الشعرية كعناصر حية توظف في سياق حديث، وبذلك يحقق النص حوارًا خلاقًا بين الأصالة والحداثة، كما جاءت بين بهاء الماضي وظلمة الحاضر، لتصبح العلاقات البنيوية بين القصائد تشكل نسيجًا متكاملًا يربط الشخصي بالجماعي والروحي بالتاريخي، في بناء فني محكم يعكس وحدة التجربة الشعورية رغم تنوع موضوعاتها.

   خلاصة القول: إن هذا الديوان يشكل إضافة نوعية إلى تجربة الشاعر، كما ينطوي على حساسية نقدية داخلية، تفتح النص على آفاق واسعة للتلقي والتأويل.

    وفي النهاية يبقى السؤال الذي يثيره الديوان بإلحاح؛ هل يكفي الحنين والشكوى لاستعادة المجد؟ أم أن الشعرــ رغم جلالة معانيه وعظمة شاعريتهــ يظل ملاذًا أخيرًا لذاتٍ أحبطت مساراتها الكليةوالشخصية؟ ويترك الشاعر الجواب معلقًا بين أسطر القصائد، حيث يمتزج الألم بالأمل والذكرى بالحلم، في تركيبة وجدانيةمؤثرة تلامس أعماق القارئ العربي الحريص على هويته ومستقبله.

     

*أستاذ الأدب الحديث والنقد

كلية الآداب جامعة عدن

عميد البحث العلمي جامعة عدن