المجلة الثقافية الجزائرية

قليل من الطيبين وكثير من الظالمين

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك

سأذهب اليوم إلى مضارب البادية في زاوية قصية من زوايا التاريخ العربي القديم، لا هربا من السياسة كما قد يظن البعض، بل احتجاجا عليها؛ لأن السياسة المعاصرة (بكل استبدادها وعروضها الزائفة) لم تعد تترك أي فسحة للتنفس والاستراحة، إذ اصبحنا نعيش في زمن يلقى فيه القبض لا على اللصوص وحدهم، بل على رؤساء الدول التي يفترض أنها ذات سيادة كاملة في النظام العالمي، مثلما جرى مؤخرا في ساحة السياسة العالمية، وكما شاهد العالم بأجمعه، يساقون كما تساق الأنعام من أمام شعوبهم إلى المحاكم الدولية، بينما يقف العالم متفرجا لا يقدر على شيء، لأنه تعود أن يرى الكثير من مشاهد الظلم والطغيان، حتى صار الظلم جزءا من مشاهد الحياة السياسية.

الزاوية التي سأقف عندها هي قصيدة قديمة من درر الشعر العربي، وهي نونية عروة بن حزام أو “عروة عفراء” ، كما يسميه رواة الشعر، واتوقع أن أجد فيها متنفسا واستراحة من هذا الزمن الكئيب الذي يتبادل فيه الأقوياء والطغاة أدوار القسوة والفظاعة دون وجل، لكن الحقيقة لم أجد ما توقعته تماماً من النهايات السعيدة، والأبيات المتوهجة بالسعادة والهناء، إذ كانت حقيقة النفس البشرية أيضا حاضرة هناك، وان اختلفت مسارح الحياة، عندما تترك القلوب النبيلة وحدها في هذا الوجود، في مواجهة عالم لا يعترف إلا بالمال والهيمنة.

عروة بن حزام بن مهاصر أحد بني خزام بن ضبة، وهو صاحب عفراء بنت عمه عقال بن مهاصر، تربى يتيما في حجر عمه، وفي ذلك الحجر نشأت معه عفراء بنت عمه، يلعبان معا ويكبران معا، حتى ألف كل منهما صاحبه ألفة شديدة، وكان عقال كلما رأى ما بينهما من المودة صفاء التعلق، يقول لعروة: أبشر، فإن عفراء أمتك ان شاء الله، وظلا كذلك _كما يروي الرواة_ حتى لحقت عفراء بالنساء ولحق عروة بالرجال.

ولما شب عروة خطب عفراء، فأمهله عمه حتى يخرج طلبا للرزق، فودعها ومضى يضرب في الأرض طلبا للرزق وابتغاء مرضاة عمه، بما سيحصل عليه من مال وفير، غير ان عقالا لم يف بوعده فزوج ابنته من رجل آخر عظيم الحظ في المال والجاه.

ولم تطل غيبة عروة؛ إذ عاد بعد أن أصاب من المال ما ظنه كافيا، غير أن ما إن وطئت قدماه الحي حتى انهارت آماله دفعة واحدة، وتبددت أحلامه كلها، لأنه لم يجد عفراء التي من أجلها احتمل التعب والنصب ، وأحس بغدر عمه فطفق يتحدث عن ذلك الغدر، ولم تلبث حاله بعد تلك النكبة والمأساة أن تدهورت، فمرض مرضا شديدا، ومات وهو يردد شعره فيها.

وفي موته يقول النعمان بن بشير: بعثت مصدقا على بني عذرة، فانتهيت إلى أبيات، فرفع لي خباء، فقصدته، فاذا بثوب مطروح وتحته شيء يختلج، فرفعت الثوب فإذا رجل لا يظهر منه إلا رأسه، فقلت: ما بك؟ فقال:

كأن قطاة علقت بجناحها

 على كبدي من شدة الخفقان

ثم تنفس حتى أمتلأ، ثم طفئ، فما برحت حتى كفنته وصليت عليه، فسألت عنه فقيل لي: هو عروة بن حزام.

ومن أبيات عروة التي تفيض ألماً وحزنا قوله:

يكلفني عمي ثمانين بكرة

ومالي يا عفراء غير ثمان

ثمان يقطعن الأزمة بالبرى

ويقطعن عرض البيد بالوخدان

فياليت عمي يوم فرق بيننا

سقي السم ممزوجا بشب يمان

بنية عمي حيل بيني وبينها

وضج لوشك الفرقة الصردان

ويصل الحزن مداه حين نبلغ البيت الذي يفيض الشاعر فيه بأمنيته الغريبة، تلك الأمنية التي لا تطلب فقط ان تجمعه الحياة مع عفراء، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد وأقسى، اذ يتمنى(إن خانته الحياة وفرقتهما) أن يعجز الموت ذاته عن التفريق بين جسديهما، فيطلب أن يضمهما معا كفنين:

فيا ليت محيانا جميعا وليتنا

اذا نحن متنا ضمنا كفنان

ولعل شيئا من هذه الأماني الغريبة والقاسية قد تحقق بالفعل، فقد روى أبو عبدالله اليزيدي قال: مر ركب بوادي القرى يريدون البلقاء، فسألوا عن الميت، فقيل لهم عروة بن حزام، فقال بعضهم لبعض: اما والله لنأتين عفراء بما يسوؤها، فساروا حتى اذا مروا بمنزلها مروا ليلا ، فصاح صائح بأعلى صوته فقال:

ألا أيها القصر المغفل أهله

نعينا اليكم عروة بن حزام

فسمعت عفراء الصوت ففهمته ونادت بهم، ثم سألتهم أين دفنوه، فأخبروها فسارت إلى قبره فلما قاربته ، قالت: انزلوني فاني اريد قضاء حاجة، فأنزلوها ، فأنسلت إلى القبر فاكبت عليه، فما راعهم إلا صوتها، فلما سمعوها بادروا اليها فاذا هي ممدودة على القبر قد خرجت نفسها، فدفنوها إلى جنبه في مشهد محزن، حيث تلاقيا في الموت بعد أن تعذر في الحياة والوجود، وامتدت النهاية لتصبح رمزا صامتا لتراجيديا الحب والغدر معا.

وتبلغ التراجيديا ذروتها فيما رواه صاحب مصارع العشاق(اذا صحت الرواية) حيث ذكر قول معاذ بن يحى الصنعاني: خرجت من مكة إلى صنعاء، فلما كان بيننا وبين صنعاء خمس ساعات، رأيت الناس ينزلون عن محاملهم ويركبون دوابهم، فقلت: أين تريدون؟ قالوا: نريد ان ننظر إلى قبر عفراء وعروة ، فنزلت عن محملي وركبت حماري واتصلت بهم، فانتهيت إلى قبرين متلاصقين ، قد خرج من كلا القبرين ساق شجرة حتى إذا صارا إلى على قامة التفا، فكان الناس يقولون تآلفا في الحياة وفي الممات!

 واذا صحت هذه الرواية، فنحن امام صورة صامتة، تكشف حقيقة النفس البشرية: طيبون يسحقون لأنهم طيبون، وظالمون يمضون في ظلمهم لأنهم يملكون القوة والمال والجاه، سواء كان هذا الظلم في مضارب بني عذرة، أو في مسارح السياسة المعاصرة،، ولا يبقى بعد كل هذا إلا أن نقول: هذه سيرة العالم كما هو، قليل من الطيبين وكثير من الظالمين.