المجلة الثقافية الجزائرية

كتاب يرى في الرياضيات منهجا للتفكير وطريقة جديدة في الإدراك العقلي

قراءة: محمد أحمد شلتوت

“إذا عانى عقل الإنسان من التيه، فليدرس علم الرياضيات”

فرانسيس بيكون

كانت “الرياضيات” مجالا لدراستي ثم أصبحت ميدانا لحرفتي، وكثيرا ما تحدثت مع زملائي من المعلمين عن سبب عزوف الناس عامة والتلاميذ خاصة عن مادة الرياضيات، ذلك العزوف الذي قد يتطرف ويصل إلى حد كراهية المادة، وتلك الملاحظة بقدر ما هي صحيحة بقدر ما كانت محيرة، فجماعتنا ترى في الرياضيات علما ممتعا شائقا، بينما الأغلبية المحيطة بنا تراه علما صعبا ملغزا.

تلك المناقشات ذكرتني بكتاب “فن الحب” لعالم النفس الأمريكي “إيريك فروم” وقد افتتحه بمقولة للشاعر السويسري “باراسيلوس” يقول فيها: “من لا يعرف شيئا لا يحب أحدا، ولكن من يفهم فإنه أيضا يحب، ويلاحظ، ويرى، وكلما ازدادت المعرفة بشيء عظم الحب”. وقد أقام “فروم” كتابه على فكرة الربط بين الحب والمعرفة، وأن العلاقة بينهما طردية، فكلما زادت معرفتك بالشيء أو بالشخص زادت درجة مشاعرك تجاهه سواء حبا أو كراهية.

تلك الفكرة جعلتني أرجح أن عدم المعرفة هي السبب في العزوف والكراهية، وبالطبع لم أكن أول الواصلين إلى تلك النتيجة، فقد سبقني إليها كثيرون، منهم أحد كبار أساتذتنا في الجامعة، وخصص لها كتابا، هو “من يخاف الرياضيات؟” للدكتور وليم عبيد، ويمثل الكتاب محاولة للوقوف على أسباب التخوف من الرياضيات، وكان يراها أسبابا نفسية في الأساس، وأرجعها إلى اعتقاد خاطئ بصعوبة المادة.

وكان هذا الكتاب بمثابة حلقة أولى في سلسلة، تلتها حلقات أخرى، أما الحلقة الأحدث فقد تمثلت في كتاب “الرياضيات “حرفة عقلية”: طريقة جديدة في الإدراك العقلي”، للأكاديمي السوري الدكتور محمود باكير، وقد صدر الكتاب العام الماضي في قطر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ويتكون الكتاب من اثني عشرة فصلا شغلت 386 صفحة من القطع الكبير.

‭‬‬‬ أما المؤلف فهو الدكتور محمود باكير، أكاديمي من سوريا تخصص في الرياضيات، وقد درسها في جامعة دمشق حيث تخرج فيها قبل أن يسافر إلى إنجلترا ليحصل على الماجستير والدكتوراة من جامعة “شيفيلد”، وله عشرات الأبحاث في الرياضيات باللغتين العربية والإنجليزية، وهو من أكثر الباحثين العرب المهتمين بالرياضيات بحثا وتأليفا واختصاصا وقد أصدر عدة كتب أكاديمية وغير أكاديمية في هذا الاتجاه، منها كتاب في الهندسة باللغة الإنجليزية أصدرته جامعة كمبردج.‬‬‬

وكتاب “الرياضيات “حرفة عقلية”: طريقة جديدة في الإدراك العقلي”، ليس كتابا متخصصا في الرياضيات، بل هو كتاب فكري حول الرياضيات، يقدمه المؤلف للقراء عموما، وهو عبارة عن “مشروع تربوي” يهدف إلى تكوين وعي عام، يشارك المؤلف قناعته بأن الرياضيات تنطوي على عقلية خاصة بها، يمكن أن تُستخدم منهجاً للتفكير. ويبدأ الكتاب بالإقرار بأن تعليم الرياضيات يواجه أزمة كبيرة تتمثل في عدم الاستفادة من الرياضيات فظلت في نظر الناس مجرد معلومات متراكمة لا ترقي إلى مستوى المعارف، وقد لا تستخدم في الحياة إلا في إجراء بعض حسابات بسيطة. وبحسب الكتاب فالمسئولية عن ذلك يتحملها مدرسو الرياضيات وواضعو مناهجها، وهنا يصرح المؤلف بأن غايته من تأليف هذا الكتاب هي: “إيقاظ الإحساس عند معظم الناس بأن لعلم الرياضيات تطبيقات إنسانية واجتماعية كبيرة، وعميقة، يصعب الوصول إليها بدون هذا العلم، وهو ما لن يتحقق إلا بعد بلورة الرياضيات حرفة عقلية، أي أن نستخدم فكرها وأدواتها ومفاهيمها في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية، فالرياضيات قادرة على ذلك، وهي _ وبحسب تعبير العالم الأمريكي كيث ديفيلين_ تجعل غير المرئي مرئيا”. ومن هنا يبين د. باكير إلى أن ما يقوم به هو في المحصِّلة خطوة على طريق توحيد الثقافتين العلميّة والإنسانية، لإنتاج ثقافة واحدة مُعبّرة عن روح العصر، أي رأبُ الصّدع بين العلوم والرياضيّات. وفيما يلي استعراض لأهم الأفكار التي يطرحها الكتاب:

• ما هي الرياضيات؟
يمهد الكاتب لموضوعه بمقدمة نظرية استغرقت الفصول الثلاثة الأولى، وفيها يشرح تصوره لكيفية تحويل الرياضيات إلى حرفة عقلية، ويحاول الإجابة عن تساؤلات بديهية كمدخل لفهم تلك الحرفة العقلية مثل ما هي الرياضيات؟ ما فائدتها؟ وكيف تولّدت؟، موضحا أن هناك سوءَ فهم كبير لدى قطاع واسع من الناس لماهية الرياضيات، إذ لا يزال معظم هؤلاء يعتقدون، أنها مجرد مجموعة من الإجراءات والخوارزميات بهدف القيام ببعض الحسابات، وأنها ليست أكثر من مادة علمية كغيرها من المواد الدراسية، وأنها معنية بدراسة مجموعات الأعداد، والعمليات الرياضية عليها، فضلًا عن دراسة بعض الأشكال الهندسية، مع بعض مبادئ الجبر وطرق التفاضل والتكامل … إلخ، ويقول أنه ربما كان هذا حالها سابقا، إلى ما قبل القرن التاسع عشر الميلادي، أما اليوم، وبعد التطور الهائل الذى طرأ عليها فى القرنين الأخيرين، أصبحت تتناول كل شيء تقريبًا، حيث أصبحت منهجًا للتفكير، والرئة التي تتنفس بها ُّمعظم العلوم الحديثة.

ورغم ذلك فما زالت الأسئلة تطرح، ومنها: ما هي الرياضيات؟ وما هي فائدتها؟ وكيف تولّدت؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تُطْرَح في هذا الإطار. وقلَّما نجد من يتصدى للإجابة، سواء في المحاضرات الجامعية المعنية بتدريس الرياضيات، أو حتّى في المناهج المدرسية في مقرَّرات الرياضيات؛ لأن معظم الرياضيين يقرّون بأن الإجابة عن مثل هذه الأسئلة ليست أمرًا يسيرًا للمبتدئين، ويسهل ذلك مع تقدُّم الدراسة في الرياضيات، على الرغم من أن هذه الأسئلة مشروعة، وثمة حاجة ماسَّة إلى الإجابة عنها؛ فأيُّ فرد يعرف ماهية الرياضيات وفائدتها أكثر كلما زادت حصيلته المعرفية منها.

وهو ينفي أي مبالغة عن هذا التصور، فيعود إلى الأصل الإغريقي لكلمة رياضيات أو ” “MATH، فيذكر أنها مشتقة من الكلمة الإغريقية “MATHEMA”، ومعناها التأمل والإدراك والمعرفة، وهي معاني تدل على أنشطة عقلية وليست حسابية، بل أن الأنشطة الحسابية لم تكن من بين مدلولات الكلمة، وهذا يعني أن الطبيعة الحسابية للرياضيات لم تكن في ذهن واضعيها من الإغريق، بل استجدت هذه السمة فيما بعد، حينما لاحظ هؤلاء العلاقة غير المباشرة بين هذه الأنشطة العقلية وبين العمليات على الأعداد، وبذلك تضمن مفهوم الرياضيات هذه العمليات دون أن يقتصر عليها كما هو الحال في الذهن العربي.

ويوضح الكتاب أن هناك ثلاث مدارس فكرية تُعنى بفلسفة الرياضيات، والأكثر انتشارا منها هي المدرسة الصورية، ووجهة نظرها تتلخص في أن ما تنشده الرياضيات هو دراسة بُنَى الأشياء من خلال إيجاد نظام من الرموز للتعبير عن هذه الأشياء؛ فالرياضيات تهتم بالخواص البنيوية لأنظمة الرموز بعيدا من معانيها. والرمز فى حد ذاته مجرد عن أي معنى، أو مغزى، باستثناء حالة ربطه بالرموز الأخرى، أي إن معنى الرمز يظهر عندما تظهر «العلاقة» مع غيره من الرموز. ولتوضيح ذلك، يشير إلى أن عملية اكتشاف المستقيم، أو القطعة المستقيمة، كانت نقطة تحول، فى تاريخ الفكر الإنساني عمومًا، وفى تاريخ الفكر الرياضي خصوصا، لأن ما بُنى على المستقيم من علوم رياضية لم يكن معروفًا قبلها، أو حتّى من الممكن تخيّله فى تلك الفترة. ففي اكتشاف المستقيم، تعلم الإنسان الاقتصاد، والوصول إلى ما ينبغي بأقصر الطرق، إلى أن أصبح هذا هدف العلم بعينه، وهو «الاقتصاد فى التفكير».

العرب والرياضيات:

وقد تنبه العلماء العرب منذ بزوغ فجر الحضارة العربية إلى الأهمية العقلية للرياضيات، فقد كان يعقوب ابن اسحق الكندي من أوائل العرب الذين خاضوا غمار العلوم القديمة، فقد تعلم الهندسة والحساب والفلك والفلسفة والطب، وكانت قبل أن يتقنها العرب علوما مقصورة على السريان والصابئة. وهو بذلك أول رياضي عربي على الرغم من أن شهرته كفلكي وفيلسوف تسبق شهرته كرياضي، بسبب ضياع رسائله في الرياضيات، وإن بقيت آثارها في رسائله الفلسفية، وأشار إليها من ترجموا له من القدماء. وقد ذكر “حاجي خليفة” أن الكندي هو من أطلق اسم “الرياضيات” على هذا العلم، وقد أخذ من الرسائل الفلسفية للكندي تعريفه للرياضيات بأنها: “قسم من أقسام الحكمة النظرية، وهو علم باحث عن أمور مادية يمكن تجريدها عن المادة في البحث، وسمي رياضيات لأن من عادات الحكماء أن يرتاضوا به في مبدأ تعاليمهم إلى صبيانهم، ولذا يسمى هذا العلم تعليميا أيضا”. والكندي هو الذي قسم الفلسفة إلى ثلاثة علوم هي علم الربوبية والعلم الطبيعي والعلم الرياضي، ولذلك قال إن الرياضيات قسم من أقسام الحكمة النظرية. وأما الحسن بن الهيثم فقال في رسالة له بعنوان “ثمرة الحكمة” عن الرياضيات: “ولا يشكن أحد في فضيلة هذا العلم، وعظيم فوائده ومنافعه، فإنه علم به يلطف تصور الإنسان، ويجيد فهمه، ويصفو ذهنه، ويمضي ذكاؤه، وتتهذب أخلاقه، بنفي الأشياء التي لا حقائق لها، وإثبات الأشياء الحقيقية”.

لكن للأسف هذا التقدير كان في زمن قديم أما الآن ففي الواقع العربي الأمر اختلف حيث تعيش الرياضيات عزلة كبيرة عن الناس العاديين؛ لأن ثمة فجوة معرفية كبيرة تزداد مع الزمن بين ما يقوم به الرياضيون وباقي العالم، مع أن هناك سوءَ فهمٍ كبيرًا لدى قطاع واسع من الناس لماهية الرياضيات، وربما كان هذا مقبولا حتى القرن التاسع عشر الميلادي، أما اليوم، وبعد التطور الهائل الذي طرأ عليها في القرنين الأخيرين، فأصبحت تتناول كل شيء تقريبًا، فقد أصبحت أداة خاصة للتواصل بين العلماء. وعن ذلك يقول عالم الرياضيات البريطاني (اللبناني الأصل) مايكل عطية: “إذا كانت اللغة هي الصفة المميزة للجنس البشري، فالرياضيات هي الصفة المميزة لجنس العلماء”. ولذلك يشير المؤلف إلى أن الجامعات المتميزة في الدول المتقدمة تقوم بتدريس الرياضيات لكل طلابها مهما اختلفت تخصصاتهم، وذلك من أجل تزويد خريجيها بمهارات عقلية خاصة تكسبهم القدرة على التفكير المنطقي والتحليلي.
أزمة تعليم الرياضيات في الوطن العربي:

يرى الكاتب أن مشكلة تعليم الرياضيات وتعلمها في البلدان العربية معقدة، وذات أبعاد متعددة، لما تعانيه من معضلات تربوية مزمنة، ومنها اعتماد العملية التعليمية برمتها على الحفظ والتلقين، وحشو المعلومات؛ لذلك فإن طريقة تعليمهم تلك تستبعد التفكير الخلاق في عرض القضايا الرياضية، وتؤدي إلى وأد أي وميض من التفكير المبدع، لدى الأطفال إذ تجعل منهم منفعلين، لا فاعلين، وسلبيين، لا إيجابيين، فتنمو الذاكرة (الحافظة) لديهم وتتضخم، في حين يضمر تفكيرهم المنطقي، وعندها يصبح الطالب غير قادر على حل مسألة تتضمن أي فكرة جديدة؛ بل تنحصر قدراته – في أحسن الأحوال – في حل مسألة قديمة بأعداد جديدة، حيث يتم تعليم الدارس “تقنيات” محددة تعالج مسائل معينة، في مواقف متشابهة، أي يتم تحويله في أحسن الأحوال إلى حاسوب بسيط لا يستطيع القيام إلا بالأعمال التي برمج أساسا للقيام بها، وفي هذا ابتعاد عن الفطرة البشرية التي تتميز بالعقل، والتفكير، فضلا عن أن هذه الطريقة تفرغ تدريس الرياضيات من مضمونها التربوي، مثل تنمية القدرات الذهنية للدارس، وتعويده على التركيز العقلي، والقدرة على حل المشكلات، وتنمية التفكير المنطقي.
والحل الذي يقترحه المؤلف لهذه المشكلة يتمثل في العمل على إعادة صياغة موقف المدرس تجاه الرياضيات، وفي طرق الامتحان، وحتى في توعية أسر الطلاب بدورهم؛ لأنهم قد يقومون بدور سلبي تجاه العملية التعليمية حينما يحاولون مساعدة أبنائهم في حل المسائل، في الواجبات المنزلية؛ لأنهم بذلك أضاعوا على الطفل فرصة ثمينة في تعلم الرياضيات، وفي اكتساب عديد من المهارات الذهنية؛ لأن الطفل يكون عندها أمام تحد يضطر فيه إلى التفكير والتأمل لإيجاد حلول المسائل؛ وبذلك يكون الأهل قد قضوا على فرصة كبيرة لنمو ابنهم ذهنيا، واكتساب اللياقة العقلية.
وهكذا تعمل طرق تدريس الرياضيات على تنميط الجزء الأكبر من الرياضيات بدلا من أن تعمل على تقليص الجزء الخاضع للتنميط، حتى يمكن تعزيز الجزء الإبداعي عند الطلاب، غير مستفيدين من تجربة الدول المتقدمة ودفعها الطلاب إلى التفكير خارج الصندوق، أي التفكير بطريقة غير نمطية وغير تقليدية بهدف الوصول إلى التفكير الإبداعي، وهذا ما نحتاجه في وطننا العربي للخروج من حالة الركود الفكري التي نعاني منها.
وتعاني البيئة العربية من مشكلة أخرى تتمثل في “تسييس للعلم بدلا من علمنة السياسة” ولتوضيح ما يقصده بذلك يذكر أن اللحظات الحاسمة والأساسية في تطور الفكر العربي – الإسلامي، تاريخيا، لم يحددها العلم، بل السياسة. حيث أن الصراع في الثقافة العربية لم يكن بين “الميتوس” و”اللوجوس” (بين الأسطورة من جهة والعلم والفلسفة من جهة أخرى)، كما كان الشأن في الثقافة اليونانية. ولم يكن بين العلم والكنيسة؛ كما كان عليه الأمر في التجربة الأوروبية الحديثة، بل كان الصراع في الفكر العربي بين نظامين معرفيين، يؤسس كل منهما أيديولوجيا معينة: “النظام البياني” و”النظام العرفاني” وعندما دخل “النظام البرهاني” طرفا ثالثا دخل ليقوم بوظيفة في ذلك الصراع، وأصبح منذ اللحظة الأولى موجها بذلك الصراع محكوما به. أما العلم فقد بقي على هامش المنظومات الفكرية والأيديولوجية المتصارعة، وبذلك لم تتح له الفرصة ليساهم في تكوين العقل العربي.
أثر الفراشة .. الواقع العربي نموذجا:

قبل أن أستعرض ما طرحه المؤلف تحت هذا العنوان، أتوقف أولا عند معنى “أثر الفراشة”، وهو مصطلح مجازي يفترض بأن شيئاً بسيطاً كرفرفة جناحي فراشة، يمكن أن يسبب دمارا في أقصى أنحاء العالم، فتأثير الفراشة أو The butterfly effect ، وهو مصطلح استعمله العالم الأمريكي إدوارد لورينتز لأول مرة في عام 1963، وهو يصف التأثير المتواتر الناتج عن فعل تافه، بمعنى أن فعل صغير جداً ينتج عنه سلسلة أحداث متتابعة ومترابطة، فنظام تأثير الفراشة يصور سلوك ديناميكية الكون ففرق بسيط يمكن أن يسبب سلسلة من الكوارث، فمثلا على رأس جبل ثلجي كرة ثلجية صغيرة متدحرجة يمكن أن تنتج دمارا.

ويوضح الكتاب أن نظرية «أثر الفراشة» فى الرياضيات، تعتمد فى جوهرها على أن معظم ظواهر الحياة تخضع لقانون عام، يتضمن أن أيَّ تغييرات تطرأ عليها، مهما كانت طفيفة، تؤدى بعد مرحلة، قد تكون طويلة، إلى تغييرات جذرية، لا يبدو أن لها علاقة بالبداية، لذلك فإن «القيم الابتدائية» التي تنطلق منها «الأنظمة الديناميكية» سرعان ما يصبح ليس لها علاقة بما يجرى، وهذا هو الحال فى الظواهر الاجتماعية. وذلك يعني على المستوى الإنساني، أن أي تغيير، وإن كان بسيطًا، فى خيارات الإنسان، سيؤدى إلى تغييرات جذرية بعد فترة من الزمن. وتتضح صورة التغيير أكثر كلما طالت المدة الزمنية؛ أي إن الأمور قد تبدأ صغيرة جدا ثم تكبر، وتتعاظم إلى درجة من التعقيد يصعب عندها فك خيوطها، أو حتى فهم أسبابها. ويحاول المؤلف فى دراسته هذه شرح «الآلية» التي تجعل الكثير من الأمور تصل إلى درجة كبيرة من التعقيد أو السوء؛ لأن الوعى بهذه «الآلية» يجعل من الأسهل معالجة الأمور، أو على الأقل قد يحول دون تكرارها فى مجالات معينة.

الرياضيات تدعم الأخلاق:

يرى الكتاب أن ثمة تشابها كبيرا بين الرياضيات والأخلاق النظرية. وهي ليست “لائحة تضم عددا يكبر أو يصغر من النصائح والأوامر والتعاليم، بل إنها منظومة أو بناء منطقي ينطوي أولا على عقيدة نظرية تبحث في الإنسان والعالم، كما تنطوي من جهة ثانية على مبدأ أساسي يستمد منه الحكم على مختلف أنماط السلوك في مختلف ظروف الحياة٠ وهذا هو حال الرياضيات البحتة التي تتألف من أنظمة منطقية. ويتألف كل نظام من جملة من المسلمات (مبادئ أساسية) تبنى عليها جملة من النتائج. وإذا كانت الرياضيات البحتة تعرف على “إنها دراسة كيف يجب أن يفكر الناس كي يحصلوا على نتائج صحيحة، وهي لا تأخذ في الحسبان الضعف الإنساني”، وقارناه بتعريف علم الأخلاق على أنه: “علم معياري يضع المعايير التي تنبغي مراعاتها والتي بإزائها تقاس قيم الأفعال الإنسانية”. نجد أن الرياضيات البحتة تدرس كيف يجب أن يفكر الإنسان للحصول على نتائج صحيحة، والأخلاق تضع المعايير التي تجب مراعاتها كي يتصرف الإنسان على نحو صحيح ولما كان ثمة علاقة بين العقلية والسلوك. فإن هذا يوضح العلاقة بين الرياضيات والأخلاق.

كما أن للأخلاق وجهين، هما: الأخلاق النظرية والأخلاق التطبيقية، ومهمة الأولى تحديد القانون الأعلى للأخلاق، والثانية تبحث عن كيفية تطبيق ذلك القانون بعد إصداره على الحالات والملابسات المهمة التي تعرض لنا في الحياة، فما عليك إلا أن تطبق القانون الأخلاقي العام على العلاقات العائلية المختلفة لتحصل على مجموعة الأخلاق العائلية، كما أنك إذا طبقته على العلاقات السياسية المختلفة حصلت على مجموعة الأخلاق المدنية وهكذا. والأخلاق النظرية تقابل الرياضيات البحتة، والأخلاق التطبيقية تقابل الرياضيات التطبيقية؛ لأن المهمات الموزعة بين الأخلاق النظرية والتطبيقية تشبه إلى حد كبير المهمات الموزعة بين الرياضيات البحتة والتطبيقية.
وما يعزز أيضا دور الرياضيات في تنمية الجانب الأخلاقي هو أنها تتمتع بقوة دافعة عند دارسها نحو اكتساب روح الخضوع للنظام، التي تقتضي تهذيب النفس، وتعويدها على التحكم في أهوائها، والميل إلى الاعتدال، وإثراء مكونات الأخلاق وهذا يتأتى من خلال تعود الدارس الحقيقي على الأنظمة الرياضية والالتزام الصارم بها. وهذا التأثير النفسي غير المباشر لبعض الظواهر في نواح معينة ملحوظ في كثير من نواحي الحياة، فمثلا الملتحقون الجدد بالجيش، يبدأون حياتهم العسكرية بتعلم المشية العسكرية وأداء التحية وغير ذلك، وهذا يهدف إلى تطويعهم لتنفيذ كل ما يطلب إليهم، وليس بهدف استخدامه في الحرب. ومن المعروف في علم التربية أنه بالنظام وحده يمكن تعليم الطفل الاعتدال في رغباته، والحد من شهواته، وتحديد موضوعات نشاطه. ويرجح الكاتب أن يكون سبب تأثير الرياضيات في التكوين الأخلاقي هو ما تحمله في طياتها من معان فلسفية عميقة؛ لذلك نجد لدى الرياضيين نزعة نحو الحرية المنضبطة، وتوقا نحو الكمال.
ملاحظات سريعة حول الكتاب:
1_ أعجبني في الكتاب عدة أمور، أبرزها اللغة السلسة البسيطة التي صاغ بها الكاتب أفكارا عميقة، فقلل كثيرا من جفافها وصعوبتها، وبالتالي أصبح فهمها والتفاعل معها أمرا ميسورا. وبالتالي تخرج دائرة القراء من المتخصصين إلى عامة المثقفين وفي ذلك انتشار للأفكار التي يدعو لها المؤلف.
2_ يعتبر منهج الكاتب في كتابه مثالا للتفكير المنطقي، حيث تم تحليل الفكرة الأساسية _ وهي جعل الرياضيات منهجا في التفكير _ إلى عناصر عديدة مترابطة.
3_ إخلاص المؤلف لتخصصه ولفكرته ولمجتمعه، فحماسه للرياضيات دفعه لأن يقدمها باعتبارها حرفة عقلية، وإخلاصه للفكرة دفعه لإعمال العقل وبذل الجهد في سبيل طرح الفكرة وكسب مؤيدين لها، أما الإخلاص للوطن فتمثل في انشغاله بأوضاع الرياضيات في الوطن العربي ومقارنتها بالوضع العالمي وكذلك بتطبيق نظرية أثر الفراشة على الواقع العربي.
4_ اتساع ثقافة المؤلف وتمكنه من حشدها لدعم فكرته فرأيناه يذكر مقولات لعلماء وفلاسفة من أفلاطون وحتى العصر الحديث فضلا عن حديثه عن حسن ابن الهيثم والكندي، فدعم فكرته بآراء قديمة وحديثة، عربية وغربية.
5_ أيضا اتساع رؤية المؤلف بحيث أدرك الروابط والتأثيرات المتبادلة بين العلوم المختلفة.
6_ أما الملاحظة السلبية الوحيدة في رأيي فتتمثل في أنه اقتصر في تناوله لأحوال التعليم في الوطن العربي بين تدريس الرياضيات وأزمات التدريس بعامة، وفي حديثه عن تدريس الرياضيات اقتصر على المناهج دون أن يتطرق إلى المناخ التعليمي أو البيئة التي يتم فيها التدريس، كما أنه أرجع التخلف في الوطن العربي نتيجة لسوء العلاقة بين الناس والرياضيات، بينما رأيي الشخصي أن سوء مستوى التعليم عامة وتدني النظرة إلى أهمية الرياضيات خاصة نتيجة لتخلف المجتمع وليس سببا.
بيانات الكتاب

العنوان: الرياضيات “حرفة عقلية”: طريقة جديدة في الإدراك العقلي

المؤلف: الدكتور محمود باكير

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر

الطبعة الأولى 2023

عدد الصفحات: 368 صفحة