بقلم: آمنة منصوري / مراجعة: الأستاذ عبد الحميد منصوري
كلمة انطباعيّة بقلم: الطاهر اعمارة الأدغم، كاتب، أستاذ جامعيّ
أكملتُ قراءة كتاب الأستاذة آمنة بنت الأستاذ عبد الحميد منصوري..
الكتابُ حمل عنوانًا لطيفًا مشحونًا بالتّواصل والعاطفة نحو الجدّ الرّاحل، رحمه الله من واسع رحمته: كتابٌ لم يقرأه جَدّي.
في البداية: هنيئا للكاتبة بأبيها وجدّها، وهنيئا للجدّ الرّاحل بابنه وحفيدته.. وهنيئا لمنطقة وادي سوف وما حولها بهذا الإصدار الرّائع الذّي صال وجال في مراحل تاريخيّة عاشتها المنطقة: آلامًا وآمالاً وأحلامًا، على جميع الأصعدة والمستويات، من رغيف الخبز وحبّة التّمر، إلى الاستقلال ودحر المستعمر الغاشم وحلم دولة الحرّية والعدالة.
الكتابُ رباعيّ البصمات: الجدّ الذّي كتب بعَرَقِه ودمه وجهده وكفاحه وسَهَرِه، فخطّ السّيرة المشحونة بكلّ معاني النّضال، والوالد الذّي أنجب الكاتبة، ومهّد لها الطّريق ورافقها وساعدها، والكاتبة التّي حملت الأمانة وأصرّت على رسم ذكرى وسيرة جدّها، والرّابع: صاحب التّصدير الرّائع الأستاذ الفاضل الجادّ الصّارم الشّاعر والمترجم والمُربّي أبوبكر مراد.. فحين يكتبُ كلماتٍ لكتاب فهو شهادةٌ بأنّ الأمرَ جدٌّ لا يقتربُ منه الهزل.
الكتابُ فيه من السّرد والنَّفَس الرّوائيّ ما يكفي ليشدّ القارئ حتّى الآخر، وهو يتابعُ مراحل حياة الشّيخ (جاءبالله) بن الطّاهر منصوري.. وفيه أيضا نَفَسٌ تاريخيّ، فالكتابُ يوثّقُ بِحِرْصٍ ودقّةٍ وصبرٍ لكلّ ما يمرُّ به.. من هناك حيث حياة الطّفل والشّبل والمتعلّم، ثمّ المهاجر في طلب العلم، والمعلّم والمناضل والمجاهد، وبقيّة مراحل حياة الشيّخ (جاءبالله)..
وأنت تطالعُ صفحات الكتاب ستقابلك الإجابات في الهامش.. إجابات (مَنْ، ماذا، متى…) التّي وردت في المتن… كان التّهميش ثريًّا..
والكتابُ غنيٌّ بالصّور الإنسانيّة والاجتماعيّة التّي تختصرُ لنا أوضاعًا وأوجاعًا وأحوالاً وأفراحًا..

والكتابُ فوق التّأريخ الشّخصيّ يفتحُ نافذةً واسعةً على مرحلة مهمّة وحسّاسة من تاريخ وادي سوف: الحياةُ في ظلّ الاستعمار الفرنسيّ الغاشم، طلبُ العلم في تلك الظّروف الصّعبة، الدّراسة في الجارة تونس وجامع الزّيتونة العامر، النّضال والجهاد ضدّ المستعمر الفرنسيّ منذ سنوات الحركة الوطنيّة حتّى ثورة نوفمبر المجيدة وافتكاك الاستقلال والسّيادة الوطنية، كفاح العلم والتّعليم والتّربية والمعيشة بعد جلاء الاحتلال…
وكانت خاتمة المسيرة لوحة فنّية بقلم الوَلَد الأستاذ عبد الحميد بن (جاءبالله) منصوري… وأبدع حين رَسَمَ بالكلمات تلك اللّحظات الأخيرة والحزينة للشّيخ الرّاحل في مستشفى الجيلاني بن عمر بالوادي.
وبعد ذلك تتالت لوحاتٌ أخرى من التّقدير والوفاء والمحبّة: إنّها شهادات أقارب وأصدقاء ورفاق وتلاميذ الشّيخ الرّاحل: أحمد بن الطّاهر منصوري، محمّد النّفطي طليبة، خليفة عصامي، محمد حسّاني، بشير خلف، صالح خطّاب، عبد الحميد بسر، محمّد العيد منّاني، عاشوري قمعون، بن سالم بالهادف، سعد العمامرة، أبو بكر مراد، مشري النّوبلي.
وتأتي الملاحقُ في آخر الكتاب غنيّة وثريّة، لتغطّي عقودا من الزّمن من خلال الصّور والشّهادات والوثائق والرّسائل وقرارات التّعيين وغيرها.
أرجو أن تكون النّسخة الإلكترونيّة من الكتاب متاحة على الشّبكة العنكبوتية حتّى نضمنَ سفيرًا عالميًّا جديدًا لمنطقة وادي سوف، فالكتابُ بكلماته وملحقاته سيقوم بمهمّة السّفارة خير قيام..
رحم الله الشّيخ، وحفظ أبناءه وأحفاده، ووفّق الأستاذ عبد الحميد وابنته للمزيد على طريق التّميّز الثّقافيّ والعلميّ والاجتماعيّ…
ومن زاوية أخرى: هذا الكتاب دعوة لمن لم يكتب بعد.. ودعوةٌ لكلّ مَنْ له والد أو والدة أو جدّ أو جدّة أبلوا بلاء حسنا في الحياة، ليستكتبَ الحيَّ، فالأقدار لا تنتظرنا، وليستنطقَ الوثائقَ والرّفاقَ وأصحاب الذّوَاكِر الصّلبة حول مَنْ مات..
والنّتيجة: كُتُب تحملُ حياة الأسلاف بين طيّاتها، وعَبْرَهَا نكون قد أدّينا الأمانة وبلّغنا الرّسالة لمن بعدنا.. عنّا وعمّن عشنا معهم.. فكلُّ جيل هو جسرٌ مزدوج بين الماضي والمستقبل، ينقلُ عن الجيل السّابق للقادم، ويرجعُ بالقادم إلى السّابق.
الصّفحات: 285، قطع متوسط / دار ومضة للنّشر والتّوزيع والتّرجمة، جيجل، الجزائر / التّاريخ: السّداسيّ الأوّل 2023.
مساء الأحد 16-07- 2023





