المجلة الثقافية الجزائرية

كوليت: الفكرة التي صارت حقيقة

د. محمد عثمان الخليل* 

 

في صيف 2006 زرتُ الكاتبة السورية كوليت خوري، التي غادرت عالمنا مؤخرا، في بيتها في دمشق بترتيب من الراحلة الجميلة هدباء قباني، إبنة الشاعر نزار قباني. كنت قد نلت الدكتواره قبل ذلك ببضعة أشهر من جامعة أريزونا في الولايات المتحدة برسالة عن المؤثرات الثقافية والسياسية التي شكلت شعر وظاهرة نزار قباني في الأدب العربي الحديث، وهي رسالة راجعتها وعقّبت عليها هدباء. أردت بعد الرسالة أن أستقصي أكثر عن نزار على أمل أن أحوّل الرسالة إلى سيرة أدبية موثقة للشاعر تضع حدا للتقولات والشائعات والمبالغات والدراميات التي تصبغ أي حديث عنه (كما ظهر في المسلسل السخيف الذي انتجه أحد المقاولين عن الشاعر الكبير).

استقبلتني كوليت بترحاب في بيتها المتواضع في القصاع وأجابت على أسئلتي بحماس ومحبة. كان من الواضح، وأنا أدوّن أجوبتها، أنها كانت سعيدة وفخورة بعلاقتها بنزار وتشعر أنها كانت محظوظة بمعرفته. سردت لي تفاصيل العلاقة، التي كنتُ أصلا قد عرفتُ عنها الكثير من الأصدقاء المشتركين لها ولنزار. قصت عليّ كيف تعرفت إليه وما جرى بينهما، وباحت لي بأسرار عرفتها من نزار نفسه – استنكفُ أنا الكتابة عنها.

في حديثي معها، تدفقت أمامي، رغم وقار السنين وثقل العقود الخمس التي مضت على الحكاية، ومضات من ذلك الحب العاصف، واستشعرتُ وأنا أحتسي قهوتي بعضا من أمواجه ورياحه وهي تحدثني عن نزار وعن حضوره وكريزماه. لم يعد عندي شك حينها أنها أحبته، ولكن أيضا لم يعد عندي شك في أنها قاومته. نعم، في الحقيقة، هي قاومته، وبكل ما أوتيت من قوة. كانت تتحدث من ذلك المنطق، منطق المرأة التي قالت “لا” لرجل بالغ السطوة. كانت الأنا عندها قوية، وحديثها عن نزار كان يتمحور حولها هي وكنت كلما حاولتُ أن أذهب بها لنزار كانت تعيد الحديث للكلام عنها هي.

أحبته وأعطته نفسها لكنها أدركتْ أنها لن تستطيع أن تملكه. أدركتْ حينها أن نزار لم يكن رجلا عاديا وأنه لا أحد يستطيع أن يتملك نزار الشاعر، وهو كما قال لمن سبقها:

وكتاباتي، وأفكاري، وزعمي، ووعودي

لم تكن شيئا، فحبي لك جزء من شرودي.

وقال لكوليت مثله في قصيدة الإهداء ” أكبر من كل الكلمات” فاتحة ديوان “حبيبتي” الذي كتبه لها:

أنا لست وحيدا في الدنيا

عائلتي.. حزمة أبيات

أنا شاعرُ حب جوالٌ

تعرفه كل الشرفات

تعرفه كل الحلوات

لم تُرِد كوليت هذا الحب، ولم ترض أن تكون فقط واحدة من “الحلوات”. كانت في الثالثة والعشرين عندما التقت نزار، فتاة في أوج عنفوانها الأنثوي وفي بداية مشوارها الأدبي بعد نشرها قصائد في الفرنسية، فيما كان نزار في الخامسة والثلاثين في أوج مجده الشعري. كان الفارق بينهما كبيرا، ليس فقط في السن، ولكن أيضا في المكانة الأدبية والسلطة التي تترتب عليها. كان نزار الشاعر الأول شعبيا ورسميا على مستوى العالم العربي، وهو عالم يقدس الشعر والشعراء.

أما هي فلا أحد يعرفها. فتاة تكتب بالفرنسية وتتبنى مذهبا أيروتيكيا جريئا في الأدب خصوصا لامرأة في السياق العربي المحافظ. فيما كان نزار، الذي يجيد الفرنسية، رائد الأيروتيكية الجديدة في الشعر العربي. نزار الذي كان نشر قبل ذلك بعامين مجموعته “قصائد” والتي تضمنت قصائد مثل “القصيدة الشريرة”، التي احتفى فيها بالمثلية الأنثوية، و”عودة أيلول” التي يقول في مطلعها:

لا زيتَ، لا قشة

لا فحمة في الدارْ

جهّز وجاق النارْ

في حلمتي رِعشة

فلكم أن تتخيلوا لقاءاتهما المشبوبة الأولى. لا أحسب أن نزار كان قد قابل امراة عربية مثلها من قبل. فتاة تضج أنوثة متعلمة ومثقفة تحمل كل صفات التحرر التي كان يدعو لها. كانت كوليت، بكلمة يحبها نزار، “مجنونة” who didn’t give a fuck رغم أنها بنت عائلة من أرقى عائلات مدينته. بالنسبة له هي حلم صار حقيقة، ونزار القاطن الأبدي في عالم الأفكار، لم يعرف كيف يتصرف مع كوليت الفتاة الدمشقية القوية التي كانت تتعامل معه بندية. هو بنى مجده الشعري، كما قال في قصيدة “رسالة حب صغيرة” على فكرة “لن تصبحي كبيرة/إلا بحبي الكبير”. كانت هي تدرك ذلك فيه، وكان ذلك جزء من جاذبيته لها، لكن إزاء شهرته ومكانته قاومته كوليت بالشئ الوحيد المتوفر لها آنذاك: جدها وعائلتها وتاريخهم. لذا لم يكن صدفة أن قال لها في قصيدة الإهداء، كما سبق واقتبست، “عائلتي حزمة أبيات”.

كوليت أعطت نزار كل شئ، لكن طالبته بالولاء والحصرية. أرادت حبا حصريا دون قيود أو مساومات. وكان هذا هو هاجسها الذي طالبته به. كان عندها شك أنه لا يحبها لذاتها وإنما يحبها كفكرة، وأنها مرحلة وستنقضي، ولم تفد تطميناته لها كما في قصيدة “حبيبتي”:

حبيبتي، إن يسألوك عني

يوما، فلا تفكري كثيرا

قولي لهم بكل كبرياء

“يحبني.. يحبني كثيرا..”

الصورة أدناه (الملونة صنعيا عن الأصل) لوحة جميلة تؤرخ لنهاية قصتهما وللحظة انفصالهما بسفر نزار إلى الصين. تنظر كوليت إلى الكاميرا بقوة وسيطرة وثبات، تودعه بالشَعر القصير الذي يحب وبالأقراط والثياب القصيرة التي طالما تغزل بها. أما هو فينظر بحزن واستكانة يدخن سيجارته الأخيرة وهو يدرك أن خلاصه ومستقبله كشاعر يكمن في السفر والهروب.

*من صفحة الكاتب على الفيس بوك