قراءة في ديوان لا سواها لمختار عيسى
د. أحمد كرماني عبد الحميد
في ديوان ” لاسواها” ليس الشعر عند مختار عيسى في استحضارا للأنثى رمزا للجمال فحسب، ولا رثاءً لجمال منقضٍ، بل هو ما يقترب، بصفائه وانخطافه، من كونه حدثًا عرفانيًا، يتوسّط فيه الجمال اللغة، وتُصبح القصيدة ساحة يتجلى فيها الغائب في صورة الحاضر، ويطلّ اللامرئي من شقوق الكلمة، كما لو كانت اللغة نفسها مرآة متكسّرة لحقيقة واحدة: أن الجمال يُرى فقط حين يُقال. في هذا السياق، لا تعود القصيدة قولًا عن الحب، بل تمثّلًا له، لا تصف المعشوقة، بل تُشعها كحضور؛ ليس كما هي، بل كما تتبدى في الروح.
وإذ نتخذ من تأويلية جادامر في كتابه الحقيقة والمنهج مدخلًا نقديًا، فإننا لا نروم تطبيقًا نظريًا جامدًا، بل نفهم من عبارته “الجميل يُجبرنا على حضوره لأنه يُفعل فينا” أن الجمال ليس سمةً في الشيء، بل تجلٍّ فينا ومن خلالنا، وهنا تتقاطع اللغة الشعرية في لا سواها مع هذا التحديد؛ إذ تنشغل القصائد بإنجاز حضور المرأة لا بوصفها معشوقة، بل كيانًا كونيًا، رمزيًا، عرفانيًا، يتجلى عبر تكرار الكلمة، وتوتر العبارة، وشهقة الإيقاع.
يُلاحظ منذ العنوان أن الشاعر لا يقدّم المرأة باسمها، بل بغياب سواها: “لا سواها”. العنوان نفسه حركة نفي وانكشاف، لا يثبت شيئًا بل يُقصي كل احتمال عداها، وهذا ما يجعل الكيان المتجلّي في الديوان ليس صورة للمرأة، بل تمثيلًا شعريًا للجمال المتفرد، للجمال الذي لا يُقارن ولا يُعادله شيء. وهذا ما يتأكد في قول الشاعر:
امرأة لاغير
لا غيرك، لا لا.. لاقبل، ولا بعد، ولا إلا
ليس سواك خميل للروح ،
وما شجر في الأضلاع تمطى،
كي يورق ظلا،
ماكذب فؤادي ، إذ أوشك أن يصعق بالبرقة
فاستعفف وتدلى.
هنا يتحقق منطق التجلّي بوصفه إزاحة: فاللغة لا تقول “هي”، بل تقول “لا سواها”، فتُظهرها من حيث لا تُسمّى، وتُشعر القارئ بسطوة حضورٍ يتشكل عبر النفي، حضور لا يأتي من ذاته بل من غياب سواه. ولننصت إلى لغة الأستاذ مختار حين يقول :
مالي أراك ولا أرى إلاك لي
سكنا تنزل من خفيف البرق بالعرش الكريم
أأجاءك الملك الرحيم إلى الكليم تشفقا؟
أم أنزلتك ضراعتي للأرض، كي تستريح
وتزيح أم الكرب عن بدن توضأ بالسنا
هنا لا يستخدم الكلمات ليصف، بل ليكشف ما وراء الحواس، ليُظهر ما لا يُقال. في قصيدة اللغة هنا ليست بناءً وصفيًا بل بناء روحي، تُظهر الحبيبة في الغياب، وتُعيد تشكيلها في الصمت، ما يجعل العبارة تتجاوز معناها الظاهري إلى حالة من الوجد الصوفي، حيث تتخذ الحبيبة موقعًا يشبه موقع “المرأة العارف بها” في التصوف الإسلامي: الغائبة الحاضرة، المضيئة في الداخل، لا في الخارج
ومن خلال التمعّن في الديوان ، كما ينهض المعنى في الديوان على تقنية دقيقة تتمثل في إعادة تركيب الكلمات وتدوير الجذور اللغوية، ليُعاد توليد الدلالة من داخل الحرف، لا من خارجه.
ولا يكون التكرار هنا محض تزويق صوتي أو ترف لغوي، بل يصبح أداة لبناء المعنى، وطريقة لتوليد الرؤيا من داخل الكلمة نفسها، كأن اللغة تلد ذاتها مرارًا، وتشتق الحضور من الغياب عبر نغمة الحرف وتحوّله مثلا يقول : “مالي أراك ولا أرى إلاك لي” تتجلى هذه التقنية بوضوح. يبدأ الشاعر بتراكيب تتكرر فيها الكلمات والحروف، ولكن في سياق دلالي جديد: ففي هذا السطر ، نلاحظ دوران الحروف حول “أراك” و”أرى” و”إلاك”، وهي كلمات تنتمي إلى الجذر نفسه، لكنها تُبنى بإزاحات صوتية تفضي إلى حركة وجدانية مختلفة. “أراك” هي فعل الرؤية، “أرى” هو الانخراط في هذه الرؤية، و”إلاك” تعني الحصر، أي أن الرؤية استُنفدت في الآخر، فتلاشى العالم وبقي المحبوب وحده.
وعلى نحو لافت؛ يخلق جرسًا خاصًا من خلال ازدواج “خفيف البرق” و”العرش الكريم”، حيث تقوم الكلمات على توزيع نغمي متوازٍ. وليس فقط في الصوت تتكرر البنى، بل في توليد التصاوير من قلب المفردات. في “سكنا تنزل”، تتداخل فكرة السكنى مع النزول، في عملية رمزية مكثفة يستخرج منها الشاعر فعل الحضور المقدّس. بما يقيم علاقة بين الأرض والسماء، بين الحرف والمعنى المتجاوز له. ثم نراه يقول : أأجاءك الملك الرحيم إلى الكليم تشفّقًا؟ في هذا السؤال الشعري، يتكرر حرف “الراء” و”اللام” و”الميم”، محدثًا توازيات صوتية داخلية تمنح النص بُعدًا إنشاديًا تأمليًا. لكن الأهم من ذلك، أن بنية السؤال نفسها تعيد تركيب العلاقة بين الكلمات المألوفة في سياقات دينية (الملك، الكليم، الرحيم) لتطرحها في إطار شعري جديد، حيث تصبح المفردة مفتوحة على دلالة عرفانية ،وفي مقطع يقول الشاعر:
ولتستكن
فهي السكن
وهي الصعود إلى السعود
فطر بها واركض ومر
واغسل بعينيك السماء
اسجد وقر
تبدأ القصيدة بفعل “ولتستكن”، الذي يُراد به الأمر بالسكينة، لكنه لا يستقر عند السكون كغاية، بل يتحوّل فورًا إلى تعريف: “فهي السكن”. هنا، يُعاد استحضار الجذر ذاته (س-ك-ن) ولكن في صورة الاسم، ليُبنى عليه لاحقًا “الصعود إلى السعود”. هذه المفارقة تُمثّل قفزة شعرية واضحة: السكون ليس نقيض الصعود، بل طريقه، والسكنى ليست توقفًا بل مبدأ للحركة الروحية. في هذا التصعيد الرمزي، تنقلب الكلمة من معناها المعتاد إلى عتبة عرفانية: ما تسكن فيه، هو ما تصعد منه.
يمضي الشاعر بعد ذلك في إنشاء سلسلة من الأفعال المتتابعة: “فطر بها، اركض، مر، اغسل، اسجد، قر”، وهي أفعال أمر قصيرة، متلاحقة، تمثّل حركة تصاعدية تبدأ بالطيران وتنتهي بالسجود. هذا التدرّج الحركي — من الفعل الجسدي الخارجي إلى الفعل الروحي الداخلي — يصوغ تجربة تطهّر شعري وتصاعد معنوي. “اغسل بعينيك السماء” صورة شعرية تبلغ ذروة الصفاء، إذ تتحوّل العين من عضو للرؤية إلى أداة لتطهير السماء، وكأن الذات حين تتهذب، تنعكس طهارتها على العالم. ثم تأتي الخاتمة: “اسجد وقر”. فعل السجود هنا لا يحمل فقط دلالة دينية، بل جمالية وفنية؛ إنه فعل اعتراف بالجمال، وانصهار في النور، و”قرّ” بمعنى استقرّ، أي أن الوصول إلى السكون النهائي لا يتم إلا بعد المرور بكل تلك الأفعال: الطيران، الركض، المرور، الغسل، السجود.، تتكرر في مستويات لا متناهية من التأويل.
إن هذه النزعة في ديوان لا سواها تُقارب مفهوماً جمالياً أقرب إلى “الكتابة المولّدة”، حيث لا تُستهل الكلمات بوصفها وحدات جاهزة، بل بوصفها حقولًا خصبة يمكن أن تُزرع مرارًا، وتثمر دلالات متعددة بتكرار البذرة ذاتها. فالحرف هنا ليس مادة صوتية، بل نواة معنى يعيد ترتيب العالم.
وإذا أردنا قراءة هذه الظاهرة في ضوء “تجلّي الجميل” كما صاغها هانس جورج جادامر، فإن الشعر هنا لا يقدّم الجمال في صورة ماثلة أو مرسومة مسبقًا، بل يكشفه من داخل اللغة نفسها. الجمال لا يظهر في الموضوع، بل في الطريقة التي تُكتب بها الكلمة، في الطريقة التي تُقال بها الجملة، وتُكرَّر، وتُحوَّر، وتُعاد ولادتها. وكأن النص يقول لنا إن الجميل لا يُعطى دفعة واحدة، بل يتجلّى شيئًا فشيئًا في إعادة تشكيله.
إن الديوان كله يتحرّك بهذه الآلية: الكلمات ليست نهايات بل بدايات، والتكرار ليس دورانًا بل صعود، والحرف ليس علامة بل مسار. هذه طقوس لغوية يمكن وصفها بـ”الكتابة التكوينية”، حيث المعنى لا يُمنح، بل يُولد من اشتباك الحروف، ومن تعاقب الأصوات، ومن تكرار الكلمة بذاتها ولكن بزمن شعري مختلف.
وهكذا، فإن إعادة تركيب الكلمات في ديوان لا سواها ليست تقنية أسلوبية فقط، بل هي في جوهرها ممارسة فلسفية وشعريّة تُمثّل رؤية للغة بوصفها مجالًا للخلق المستمر، ورؤية للجمال بوصفه حالة تجلي لا تنتهي. ولنقرأ قول الشاعر:
رايت الله بعينك
سمعت ملائكة تضحك نشوانات
ترقص في ساحات الفردوس
تغني طلع الحب علينا
اسكرها البرق
وكانت اصدق ان أجتاز السور
لأقطف من شجرة الخلد
فإن الشاعر لا يعلن رؤية لاهوتية، بل يُدخلنا إلى قلب المفارقة الجمالية: كيف يمكن لعين بشرية أن ترى ما لا يُرى؟ الجواب ليس في الفلسفة بل في الشعر. لأن الشعر، كما يرى جادامر، لا يُظهر الحقيقة بل يتيح لها أن تظهر. وما يحدث هنا ليس تقريرًا عن تجربة بل هو إشراك للقارئ فيها، فالرؤية لا تُحكى بل تُستعاد، والعبارة ليست إبلاغًا بل إشراق. بهذا المعنى تصبح التجربة فعلًا لغويًا يشهد فيه القائل على ما رآه، لا كحقيقة دينية بل كتجربة جمالية مكثفة. يتتابع المقطع كما لو كان رؤيا تنفتح في طبقات: “سمعت ملائكة تضحك نشوانات، ترقص في ساحات الفردوس، تغني طلع البدر علينا”. هنا يفارق الشاعر البناء التمثيلي المألوف، ويؤسس لمشهد كوني، تندمج فيه السماء بالأرض، والعشق بالصلاة، والبهجة بالمقدس. إن ضحك الملائكة لا يأتي من رغبة خيالية، بل من قصد بلاغي يزحزح الصورة الجامدة للقدسي، ويفتحها على البهجة، على نشوة المعرفة التي تماثل عند المتصوفة لحظة الذوبان في الحق. الرقص والغناء هنا لا يدلان على تحلل رمزي بل على لحظة انخطاف، وفي ذلك استعادة لفكرة جمالية قديمة مفادها أن الجمال، حين يبلغ أقصاه، لا يُحتمل في الصمت، بل يتطلب الحركة والنشيد والانفجار الطقسي.
وفي قوله “تغني طلع البدر علينا” ما يسند لحظة تاريخية إلى كينونة سماوية، لتشير إلى أن الجمال المحمدي ليس حدثًا أرضيًا بل حقيقة كونية تتجدد في كل آن. هذا الإدغام بين التاريخي والميتافيزيقي لا يُنجَز إلا عبر الشعر، لأن الشعر وحده يملك القدرة على إعادة هندسة الزمن، على إشراك القارئ في لحظة كونية لا يحكمها خط الزمن بل تدفق الجمال.
وحين يقول “أسكرها البرق”، يعزز هذه الرؤية، إذ لا يعود البرق ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى رمز عرفاني. البرق هو لحظة التجلي الطوري، اللحظة التي فيها ينفجر الحضور فجأة، دون وساطة، دون مقدمات. إنه الضوء الكاشف الذي لا يُمسك به، لكنه يُحدث رجّة في القلب واللغة معًا. الملائكة تسكر لا من خمر، بل من انخطافها في حضرة النور. وهنا تقترب اللغة الشعرية من لغة العرفان: إذ تشتغل على الإشارة لا التصريح، وعلى الانفعال لا التحليل. البرق إذن ليس شيئًا مرئيًا فحسب، بل هو كناية عن ما يسميه جادامر “الانكشاف الجمالي”، حيث الجميل لا يُستدل عليه، بل يُصيبنا، يُفعل فينا، ويترك فينا أثره الذي لا يُمحى.
وفيما أرى؛ يتصاعد التأويل الجمالي في الجملة الختامية أعلى طاقات الإبداع : “وماكنت أصدق أن أجتاز السور، لأقطف من شجرة الخلد”. هنا ينتقل النص من الوصف إلى الفعل، من التأمل إلى الإرادة. اجتياز السور هو خرق للمحرم، أو لنقل: هو تجاوز للممكن إلى ما بعده، والقطف من شجرة الخلد ليس سقوطًا بل معرفة. إن الشاعر لا يعيد كتابة لحظة آدمية بل يعيد تأويلها، فيجعل من القطف فعلًا معرفيًا، ومن الطرد كشفًا، ومن الغواية ولوجًا إلى الحضور. وهذا ما يفعله الجمال حين يتجلى: لا يبقيك آمنًا، بل يدفعك إلى المخاطرة، إلى المجازفة، إلى اجتياز السور. وفي هذا الاجتياز، لا يكون الشاعر ساعيًا للخلود، بل للذة الرؤية، لذلك الضوء الذي لا يُحتمل لكنه يُطلب، كما طلب العارفون “نور ما بعد النور”.
ثمة توترهنا بين الحضور والغياب، بين الرؤية والقول، بين الأنا والهو، بين المعلوم والمجهول. وهذا التوتر هو شكل من أشكال التجلي، لأنه يترك المعنى مشرعًا، غير مكتمل، مفتوحًا على التأويل. فالكلمات لا تسعى إلى الإغلاق، بل إلى الانفتاح، إلى أن تُترك وهي تُضيء، أن تُقال وهي تنسحب. وهذا بالضبط هو شرط الجمال عند جادامر: أن يُحضر ذاته دون أن يُغلقها، أن نسكن لا في الشيء بل في علاقتنا به. بهذا المعنى، يغدو هذا المقطع الشعري فعلًا جماليًا معرفيًا، لا يخاطب العقل بل يستثير الذوق، لا يطلب المعشوقة بل يحلّ فيها. وهو بذلك نموذج صافي للشعر حين يبلغ مقامات العرفان، ويجعل من اللغة موطنًا للتجلّي، ومن المعنى شجرة خلود تُقطف لا لتؤكل، بل لتُبقي في الذاكرة رعشة الحضور.
هذا بعض من شعرية الأستاذ مختار عيسى في ديوانه البديع لا سواها، حيث يتجلى الجميل – فيما أرى -متخذًا من الأنثى مرآة للحضور، ومن اللغة مقامًا للانخطاف. ليست المرأة في هذا النص موضوعًا للغزل أو مركزًا للمخاطبة، بل تجلٍّ لما لا يُقال، وانبثاق للجمال في هيئة تتجاوز الجسد إلى المعنى، حين تتحول الكلمة فيه إلى ومضة من النور، تتردد في أفق العاشق لا بوصفها قولًا بل إشراقًا.



