المجلة الثقافية الجزائرية

لماذا الحرب؟ آلبرت آينشتاين وسيغموند فرويد

فاديا لاذقاني  

تقديم: ”في كل الأحوال، لن ينقذ البشريةَ هذا الكتيّب “

فرويد بين فرويد وآينشتاين

“لا أفهم من النسبية أكثر مما يفهم آينشتاين في التحليل النفسي”، يقول فرويد غير مرة، وبدوره كان آينشتاين في البداية، رغم إعجابه بفرويد “كأديب” يحْذَرُ من التحليل النفسي، ويقول إنه ليس راغباً على الإطلاق ب “تذوقه”.

هل أنت معارض لفرويد؟

– من الممكن القول إنه ليس من المفيد دائماً التنقيب في اللاشعور. إن أرجلنا مراقَبٌ عملُها من قبل مائة عضلة مختلفة. هل تعتقدون أن تحليل أرجلنا، ومعرفة وظيفة كل عضلة ومعرفة النظام الذي تدخل فيه هذه العضلات حيز الفعل، سيساعدنا على المشي؟

“إن مساهمة فرويد بعلم سلوك الإنسان لا يحيط بها الشك من أمامها أو خلفها، لكني لست أسلّم بكل ما جاء به. ومازلت أعتبره حتى اليوم أديباً عظيماً أكثر من كونه عالم نفس. فنحن لم نرَ كتابةً بهذا الأسلوب السامي والباهر منذ شوبنهاور”. “ليس لي سوى مديح رفعة البيان وسموّ الجمال في أسلوب هذه الكتابات”.

ثم تغيرَتْ، شيئاً فشيئاً نظرة آينشتاين للتحليل النفسي : ” كنت منذ مدة طويلة أكتفي قانعاً بقدرتك الفائقة على عرض بنود فكرك وتأثير ذلك على مفاهيم عصرنا، لكن دون أن أكون قادراً على اتخاذ موقف شخصي تجاهها بيد أني وقعتُ على عدة حالات، لا يمكن فهمها دون فرضيتك عن “الكبت” “ومن مدعاة السعادة العميقة التحقق من قدرة نظرية عظيمة ورائعة على التطابق مع الواقع”

يكتب آينشتاين بُعيد قراءته ل”موسى والتوحيد”: إن فرضيتك أن موسى كان مصرياً من “الأعيان” وأنه كان ينتمي إلى طبقة الكهّان لفرضيةٌ متميزة، وكذلك ماكتبتَه عن طقوس الختان، لم أشهد معاصراً ألماني اللغة استطاع أن يعرض أفكاره بهذه البلاغة السامقة التي لا تُضاهى. ولطالما أسفتُ على عدم قدرة أي عالم غير مختص اتخاذ رأي بشأن دقة ما تأتي عليه من استنتاجات. لكن أليس هذا، في نهاية المطاف، حال الاكتشافات العلمية؟ فيا لحسن حظ من يستطيع فهم وربط خيوط حبكة الأفكار التي تتناولها” (رسالة إلى فرويد بتاريخ 4 أيار 1939).

وقد اختلفت وجهات نظرهما إلى زمن حيال مسألة سياسية دقيقة، كان آينشتاين في البداية متحمساً للحركة الصهيونية، قبل أن يتدرّج في رأيه لاحقاً. وقد وجّه لفرويد عدة نداءات للتوقيع على بعض البيانات المؤيدة للحركة الصهيونية، فرفض فرويد ذلك: “كل من يريد التأثير بالجمهور يجب عليه أن تكون لديه حججٌ وأقوال حماسية ومؤثرة. وليس لدي نصيبٌ لا من هذا ولا من ذاك. كما أن حُكْمي المعتدل والمتحفظ على هذه الحركة لا يذهب بهذا الاتجاه”: “لا أعتقد -يتابع فرويد- أن فلسطين، ستصبح في يومٍ من الأيام، دولة يهودية، وأعتقد أن العالم المسيحي أو المسلم لن يقبلا أبداً بترك معابدهما ومقدساتهما في أيدي اليهود. كان ممكناً أن أتفهم أكثر إقامة وطن يهودي على أرض عذراء غير ممهورة بثقل التاريخ… ليس لدي أدنى شعور بالتعاطف مع هذه “التقوى غير الواقعية”

التي تُفبْرِكُ وطناً انطلاقاً من جدار هيرود، والتي، من حبها لبضعة أحجار تجعل “هؤلاء الإخوة اليهود” غير مُبالين بصدم مشاعر السكان الأصليين”

لماذا الحرب؟

عام 1932كُلِّف آينشتاين من قِبَل “لجنة خاصة تابعة للمعهد الدولي للتعاون الثقافي”، المنبثق عن عصبة الأمم، استكمال العدد الثاني من “مراسلات المعهد”. فكتب لفرويد بتاريخ 21حزيران 1932 داعياً إياه لخوض محاورات كتابية معه حول مسألة الحرب.

ومن طُرَف الحياة وصول نسخة من هذا الكتيّب لأحد زعماء الحرب الأوروبيين، هو موسوليني، فقد جاء في “ذكريات مع فرويد” من كتابات إدواردو فايس عام 1933 “وكعادتي في مرافقة بعض المرضى إلى فيينّا لمعاينة فرويد، كنت أصطحب مريضة ذات إصابة شديدة، وكان يصحبنا السفر والدُ هذه المريضة، المقرّب من موسوليني. وبعد نهاية المعاينة، رجا هذا الوالد فرويد أن يرسل معه أحد مؤلفاته هديةً لموسوليني، يوقع عليها إهداءً. وقد كنت محرجاً تماماً، حيث أن فرويد لا يستطيع رفض هذا الرجاء، بسببي وبسبب علاقتي بجمعية التحليل النفسي الإيطالية. وقد انتقى فرويد كتاباً من كتبه، فوقع اختياره “ربما عن سابق نية” على هذا الكتيّب.

 

رسالة أينشتاين

بوتسدام 30 تموز 1932

العزيز والصديق:

أنا سعيد كوني، بناءً على طلب من عصبة الأمم والمعهد الدولي للتعاون الثقافي، مدعواً للتحاور مع شخص أختاره، حول موضوع أختاره أيضاً، قد أُعطيتُ فرصةً للحوار معك، حول مسألة تبدو لي، في ظروفنا الراهنة، كأهم مسألة. بل إني أضعها في الدور الأول من المواضيع المهمة للحضارة: هل توجد طريقة تُحرر البشر من تهديد قيام الحرب؟

بشكل شبه عام، من المتفاهم عليه اليوم، الاعتراف بأن التقدم في عالم التقنية يجعل من هذه المسألة بالنسبة للبشرية المتحضرة، مسألة حيوية بالمطلق، بيد أن الجهود المضنية الصادقة لحل هذه المسألة، قد فشلت حتى الآن، بشكل كبير وداعٍ للقلق.

وإنني أظن، مع أولئك الذي تشغلهم هذه المسألة عملياً واحترافياً، أن لدينا رغبةً نابعة من إحباط و شعور بالعجز، بطلب آراء الأشخاص -الذين حطت بهم رحاب تبادلات المعارف العلمية على مسافة محظوظة من مشاكل الحياة- بهذه المسألة. وفيما يخصني، فإن التوجه الاعتيادي لفكري لا ينتمي لتيارات الفكر التي تفتح مجالات رؤية في أعماق الإرادة والمشاعر الإنسانية، ولهذا السبب، في ميدان تبادل الرأي الذي أفتتحه هنا، لا يمكنني أن أفكر بعمل شيء أكثر من محاولة طرح المسألة، ومنحي لك- مع تركي مقدماً محاولات إيجاد الحلول الخارجية لهذا الحد أو ذلك ووضعي لها جانباً- فرصةَ إضاءة وتنوير المسألة من زاوية معرفتك العميقة بدوافع الحياة وغرائزها لدى البشر. وهنا أسجل قناعتي بأنك المؤهل تماماً لإنارة الطريق نحو وسائل تربية، من شأنها، عبر طريق آخر بعيد عن السياسة وخارجها، أن تكون ذات طبيعة تجنب العوائق النفسية لتوقف الحرب، ممكن أن يتكهن بها الإنسان غير المختص في النفس، دون أن يكون قادراً على معايرة تداخلاتها وأنواعها وتشابكاتها.

فيما يخصّ رأيي، أنا الذي تخلصت من كل المسلّمات والقوالب القومية-الوطنية الجاهزة، أعتبر الوجه الخارجي للمسألة – أعني هنا عنصر التنظيم- ظاهراً لي ببساطة: تخلق الدول سلطة تشريعية وقضائية عليا هدفها تهدئة جميع قضايا الصراع التي من الممكن تواجدها فيما بينها. وتتعهد هذه الدول بالخضوع للقوانين التي تسنها هذه السلطة التشريعية، وكذلك بدعوة محكمة قضائية في جميع الحالات الخلافية. وتخضع الدول كامل الخضوع، دون أدنى تحفظ، لكل قرارات السلطة/ المحكمة، وتُنفذ، بغية التعهد بتطبيق تلك القرارات، كل المعايير والتوصيات التي تعتبرها المحكمة ضرورية. وهنا أصطدم مع الصعوبة الأولى: إن المحكمة تبقى مؤسسة بشرية يمكن لها أن تتبدى، في قراراتها، أكثر قابليةً لمعالجة المطالب خارج-القضائية من امتلاكها لقوى من شأنها وضع توصياتها موضع التطبيق. هناك واقع يجب أخذه بالحسبان: القانون والقوة مرتبطان بشكل صميميّ لا فكاك منه، وأحكام هيئة قضائية تقترب من الحالة المثالية للعدالة في مجموعة معينة (التي باسمها ينطق القانون ويأتي منسجماً مع مصالحها)، كلما كان باستطاعة هذه المجموعة جمع القوى الضرورية لتطبيق ما تعتبره مثالاً للعدالة والقانون. لكننا اليوم بعيدون جداً عن منظمة “فوق-دولية” يكون من شأنها إعطاء محكمتها سلطة لا مراء فيها، وكذلك من شأنها ضمان الخضوع المطلق لتطبيق الأحكام الصادرة عنها.

إن إطلالة بسيطة على عدم نجاح الجهود -صادقة النوايا دون شك- التي بُذِلَت خلال العشر سنوات الأخيرة، تقنعنا أن قوى نفسيةً خارقة تفعل فعلها في شلّ هذه الجهود. وبعض من هذه القوى سهلٌ علينا إدراكها، حيث تقف شهوة القوة والحكم، التي تظهرها الطبقة الحاكمة المسيطرة في دولة ما، حجر عثرة في وجه هذا الاتجاه، أي عكس تحديد تقليص حقها في السيادة. وهذه “الشهية السياسية للتسلط،” تجد غالباً مسوغاً يرفدها هو ادعاءات ومطالب منظومة أخرى يبرز فيها العامل الاقتصادي بشكل مادي غير خافٍ. وأنا هنا أفكر بصورة خاصة بمجموعة نجدها دائماً داخل كل شعب، قليلة العدد لكنها عنيدة المراس، قليلة الهمّ والتفكّر بتجارب المجتمع وبالعوامل المجتمعية، وهي تتكون من أفراد لا يشكل أمامهم تصنيع السلاح وتهريبه سوى فرصة لكسب أكبر الفوائد الخاصة، ولتوسيع حقل سلطتهم الشخصية.

بيد أن هذا الأمر لا يتعدى كونه الخطوة الأولى في معرفة الظروف التي تشتبك في وضع معين. حيث أن سؤالاً ما يلبث أن يطرح نفسه مباشرةً: كيف تستطيع هذه الأقلية استعباد الجمهور الأكبر، الذي لن يجني من الحرب سوى الألم والفقر، لخدمة شهيتها؟ (وعندما أتحدث عن الجمهور العريض، ليس بنيتي استثناء هؤلاء الجنود من كل الرتب، الذين اتخذوا من الحرب مهنتهم، مُزوَّدين بقناعة مفادها أنهم يعملون من أجل الدفاع عن تراث وممتلكات هي الأغلى لدى شعوبهم، ووفق الفكرة القائلة إن أفضل الدفاع يكون غالباً بالهجوم). أقدم لكم أول جواب يفرض نفسه: إن قادة هذه الأقلية تملك في يديها المدرسة والتعليم قبل كل شيء، وكذلك الإعلام والهيئات الدينية غالباً. إنما، بفضل هذه الوسائل التي في حوزتها، تستطيع هذه الأقلية أن تسود وتقود وتؤجج مشاعر الجمهور الأكبر جاعلةً منه أداتها العمياء.

لكن لا يسع لهذا الجواب أن يفسر لنا تضافرالظروف والعوامل المؤثرة في المشهد، لأن سؤالاً آخرَ يطرح نفسه: كيف لكتلة الجمهور أن تترك نفسها تشتعل حماسةً، عبر هذه الوسائل التي تكلمنا عنها للتو، حماسةً تقودها إلى الجنون والتضحيات؟ لا أجد مفراً من سوق الجواب التالي: يحمل الإنسان في طياته حاجةً للكره والعدوانية والتحطيم. في الأوقات العادية تبقى هذه الميول في حالة نوم سريري، ولا تستفيق سوى في الفترات غير العادية، لكنها ثمة من الممكن إيقاظها بكل سهولة منزلقةً إلى ذهان جماعي. وهنا، تكمن النقطة التي وحده العارف الأكبر بالغرائز البشرية من يستطيع حمل قنديل الإضاءة إزاءها.

نصل الآن للسؤال الأخير: هل ثمة إمكانية لتوجيه النمو النفسي للفرد بطريقة يصبح معها أكثر تسلحاً ضد ذُهانات الكره والتدمير؟ ولا أقتصر هنا على التفكير بالأفراد الذي نسميهم الجاهلين/ عديمي التعليم والتربية. لقد استطعت من جهتي امتحان أن مايدعونه “الذكاء” يقع بسهولة فريسة الإيحاءات الجمعية الضارة. لأن هذا الذكاء لا يستمد مصادره من مصادر التجربة المعاشة، بل على العكس، إنه يستمدها من النظريات المكتوبة والمطبوعة فيستسلم لها كفريسة سهلة، خاضعاً لها كلياً.

وفي الختام، إليك عنصراً آخر: لم أتكلم هنا سوى عن الحرب بين الدول، بعبارة أخرى مانسميه الصراعات الدولية العالمية. وإنني لست بجاهل أن العدوانية البشرية تتجسد أيضاً تحت صيغ أخرى وفي ظروف أخرى (على سبيل المثال:الحرب الأهلية- التي كانت تنتجها في الماضي عوامل و دوافع اجتماعية- وأعني اضطهاد الأقليات في الوطن الواحد) لكنني عامداً وضعت في الصدارة صيغة الصراع الأكثر وحشية و تدميراً الذي يتجلى بين المجموعات البشرية، لأن الانطلاق من هذه الصيغة يسهل علينا فرز وتمييز التقاط وسائل اتقاء الصراعات المسلحة.

أعلم أنك في مؤلفاتك قد أجبت، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، على جميع هذه الأسئلة التي تمس إشكاليتنا، والتي تستقطب اهتمامنا وتستعجلنا. لكننا سنجني عميم الفائدة في دفعك لدراسة تطور مسألة نشر السلام في العالم، بناءً على استقصاءاتك ودراساتك الجديدة، لأن ما ستخرج به يمكن أن يكون منبعاً لجهود مثمرة.

لك تحياتي القلبية.

آ. آينشتاين.                                                                                                     

رسالة فرويد:                                                                                           

فيينّا، أيلول، سبتمبر 1932

عزيزي السيد آينشتاين

حالَ علمي بأن لديك نيّة لدعوتي إلى تبادل حواريّ حول موضوع ذي أهمية لديك، ويبدو لديك مهماً عرضه لأشخاص آخرين، لم أتردد في إعداد نفسي لهذه المهمة. كنت قد افترضت أنك ستختار مسألةً تقع على حدود ما وصلنا إليه من علوم والتي نستطيع أنت وأنا، الفيزيائي وعالم النفس، الخوض فيها، كل من منطلقه الذاتي، بطريقة نلتقي فيها نحن الاثنين في النقطة نفسها، آتيَين من منطقتين مختلفتين.

وهكذا فاجأتَني بطرحك سؤالاً عما يمكننا فعله لتحرير البشر من تهديد الحرب. وقد هالني في البداية، شعوري بعدم جدارتي- أكاد أقول جدارتنا-، حيث كنت أرى هذه المهمة من اختصاص ساسة الدول. لكني ما لبثت أن لاحظتُ أنك لم تثر هذا السؤال كرجل علمٍ وفيزيائي، وإنما بوصفك صديقاً محباً {للبشر} والبشرية، يستجيب إلى دعوة عصبة الأمم، كما فعل المستكشف نانسن عندما هبّ آخذاً على عاتقه مساعدة الجوعى وضحايا الحرب العالمية، الذين حُرموا من أوطانهم. علاوة على ذلك، فكرت أنه ليس مطلوباً مني أن أعلن اقتراحات عملية، إنما عليّ فقط عرض مسألة الحفاظ على السلام، على ضوء مجهر علم النفس.

لكنك، حول هذا أيضاً، قلتَ الجوهري في رسالتك خاطفاً مني أشرعة سفني، إلا أنني مستعد تمام الاستعداد أن أسبح في تيارك وأحاول تأكيد ما قدمتَه من معلومات، حاملاً فرضياتي وخبرتي إلى أقرب نقطة مما توصلَتْ إليه معارفي وتضافر ظروفي.

أنت تبدأ بطرح مسألة القانون والقوة. وهذه هي نقطة الانطلاق الصواب في بحثنا بكل تأكيد. هل أستطيع هنا السماح لنفسي استبدال مصطلح “القوة” بمصطلح “العنف” الأكثر لذعاً وقسوةً {وبرهاناً}؟

يُعتبر القانون والعنف، بالنسبة لنا، في وقتنا الراهن مصطلحَين متضادين. {رغم أن} من السهل البرهان على أن أحد هذين المصطلحين ينبثق من الآخر*. ولو عدنا للأصول البدائية كي نفحص كيفية نشوء هذه الظاهرة، ينكشف لنا ثمة حل المسألة بسهولة. وإن بدا لك أني أستعرضُ كثيراً من العناصر على أنها جديدة، وقائعَ معروفة ومعترفٌ بها بشكل عام، فاعذرني: إنما يَكْمن عُذري في روابط صلة القربى بين هذه المعطيات.

إن صراعات المصالح التي تنشأ بين البشر تُحلّ، من حيث المبدأ، بالعنف. وهذه هي حال حكم القوي في عالم الحيوان، الذي لا يسعنا أن نستثني منه البشر. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه في حالة البشر، يضاف إلى صراعات المصالح صراعات الرأي التي قد تمعن في التجريد إلى أقصى قممه، والتي يفرض حلها تقنية مختلفة. لكن هذا التعقيد لم يظهر إلا لاحقاً. فمن حيث الأصل، لدى جماعة بدائية ضيقة، كانت القوةُ العضلية الفصلَ المقِّرر لمن يجب عليه اتباع الآخر والانتماء له، أو إرادة مَنْ مَِن الطرفين سوف تطبق. ثم ما تلبث أن تخلي هذه القوة العضلية مكانها لأدوات السلاح -التي كانت تسندها في البداية- فتحتل هذه الأدوات المكان، حيث يحوز النصرَ الطرفُ الذي يمتلك أفضلَها، وطرداً مع تفوقه في براعته في استعمالها.

ويَسِمُ تدخلُ الأسلحة اللحظةَ التي سبق للتفوق الثقافي أن بدأ بأخذ مكان القوة العضلية. حيث يبقى الهدف النهائي للصراع نفسه: تُجبر واحدةٌ من قوى الصراع أن تخضع للأخرى، بعد الهزائم التي لحقت بها وبعد إفناء قواتها، معلنةً تخليها عن مطالبها أو عن معارضتها. وتبلغ نتيجة الغلبة هذه أقصى درجاتها عندما يصفّي العنف الخصم بشكل دائم- أي يقتله بالمحصلة.

ولهذه السيرورة ميزتان: عدم استطاعة الخصم العودة لتكملة القتال في فرصة أخرى، وتأثير مصيره كمغلوب، على الفرق الأخرى رادعاً إياها عن المحاولة بدورها. ومن جهة أخرى، فإن إفناء العدو يشبع وضعية غرائزية سنعود إليها لاحقاً.

وقد يحصل أن يعارض حسابٌ آخرُ مقصدَ إفناء العدو، فيحرف هذا الحسابُ الهدفَ الأول للمنتصر دافعاً إياه إلى استعمال هذا العدو بدلاً من إفنائه، مع تقديم بعض “آيات الاحترام” له تاركاً إياه بسلام، مقايضاً خدماته بنجاته من الموت. وفي هذه الحالة، يكتفي العنف باستعباد الخصم بدلاً من قتله. وبهذه الطريقة، تبدأ المحافظة على صيانة حياة العدو، لكن على المنتصر منذ لحظتها، أن يحسب حساباً لعطش الانتقام المتربص من قبل المهزوم، وأن يتخلى بهذا عن جزء من أمنه.

هذه هي إذاً الحالة البدائية، تَحَكُّم القوة الأكبر، تحكم العنف المنفلت أو ذلك الذي تسنده تبريرات و{مُثل} ثقافية. ونحن نعلم أن هذا النمط قد تغير عبر مراحل التطور، وأن هنالك طريقاً قد فَتح الباب لتحول حالة العنف إلى حالة القانون. لكن أي طريق؟ ليس هناك سوى طريق واحد، برأيي، وهو طريق يؤدي إلى واقع إمكانية أن ينافس طرفٌ {ضعيفٌ} طرفاً أقوى، عبر اتحاد عدة أطراف ضعيفة. “في الاتحاد قوة” {بالفرنسية في النص الأصلي} أي أن العنف انكسر بفعل الاتحاد، حيث تشكل قوة هذه الأطراف مجتمعةً منذئذ قانون العدل وتفرضه، مكسبة إياه التفوق على عنف الطرف الواحد الذي كان الأقوى. وهكذا نرى كيف يمثل القانون قوةَ مجموعة بشرية معينة.

إنه العنف مرةً أخرى، يرتد ضد كل فرد يقاومه، مشتغلاً دائماً بالوسائل نفسها، والذي له الأهداف نفسها، إنما يكمن الفرق فقط في تعدي العنف المنتصر إلى فعل الجماعة وليس الفرد.

ولكن من أجل تحقيق المرور من حالة العنف إلى حالة القانون الجديد، يلزم تحقق شرط نفسي. الاتحاد العددي يجب له الدوامُ والثباتُ والاستقرار. فإذا تم خلق الاتحاد فقط من أجل التغلب على عدو أقوى، ستكون هذه العملية غير ذات نفع، إذ ما يلبث أول طرف، يأتي مدعياً أنه الأقوى، أن يسعى لفرض هيمنتة بالعنف. وتتكرر اللعبة إلى ما لا نهاية.

يجب الحفاظ على الإمساك بالمجموعة على الدوام، وتنظيمها، ويجب سَنُّ قواعد ناظمة تمنع حدوث التمرد، وكذلك خلق هيئات قانونية من شأنها ضمان تنفيذ عمليات عنف متماشية مع القانون.

ومادام الاعتراف بمثل تلك المجموعة ذات المصالح المشتركة قد حصل، تتكون لدى المنطوين تحت لوائها من بشر متحدين، صلات عاطفية، مشاعر جامعة ترتكز عليها، بالضبط، قوتها.

أعتقد أني قد بيّنتُ كل العناصر الأساسية: أي هزيمة العنف عبر نقل السلطة إلى مجموعة بشرية أكبر مختلطة المشاعر، وكل ماعدا تلك العناصر لا يعدو كونَه كلاماً معاداً وعديم النفع.

يكون الوضع بسيطاً كلما تكونت المجموعة من بعض أفراد متساويي القوة. وفيما يخص تظاهرات عنف هذه القوة، تحدد قوانينُها الجزءَ الذي يجب أن يتخلى عنه الفرد من حريته كي تسير حياة المجموعة بأمان.

لكن هذا {العرض} لا يتعدى التصور النظري لحالة الهدوء هذه، حيث تتعقد الأمور في الواقع العملي، فمنذ الأساس تحتوي المجموعة على عناصر قوة غير متساوية – رجال ونساء، أهل وأطفال- وسرعان ما تخلق الحربُ وخضوعُ فئة لأخرى، طبقةً من المنتصرين والمغلوبين، الذي يتحولون إلى أسياد مستعبِدين. ولا يلبث أن يعكس قانون الجماعة عدم المساواة في السلطة لأن المنتصرين هم من يضعون القانون الذي سيخدمهم، ملقين بفتات من المزايا لرعية المغلوبين.

واعتباراً من هذه اللحظة، يتعرض النظام القانوني للمجموعة، إلى اضطرابات تتأتى عن مصدرين اثنين: في المقام الأول تأتي محاولة سيد هذا التجمع أو ذاك القفزَ فوق التضييقات (القانونية) التي تُطّبق على أقرانه، ما من شأنه أن يعيد الحالة إلى سيادة العنف بدلاً من سيادة القانون؛ وفي المقام الثاني: محاولات الرعايا المتكررة الدائمة بغية توسيع مزاياهم والوصول إلى اعتراف القانون بالتغييرات الناتجة عن محاولاتهم، وبالتالي، كي يطالبوا، على عكس المصدر الأول، بعودة القانون غير العادل إلى قانون مساواة بين الجميع.

ويتميز هذا التيار الأخير بشكل خاص عندما تنتج داخل المجموعة، تغيرات حقيقية في محاصصات السلطة، كما يحصل إبان عوامل تغيرات تاريخية. وهنا يمكن للقانون أن يتأقلم تماماً مع هذه التغيرات والشروط أو، وهذه هي الحالة الأعم، لا تستطيع الطبقة الحاكمة تقبل هذه التغيرات ولا أخذها بعين الحسبان: إنه التمرد والعصيان والحرب الأهلية، ما يؤدي إلى إيقاف القانون بشكل وقتي، و إلى انقلاب جديد في القوى ينتج في نهايته إعادة سن قانون جديد. يوجد هنالك طريق ثالث لتغيير القانون، لا يتبدى إلا عن طريق السلم، هو تغير ثقافة أعضاء المجموعة، لكن هذا الاحتمال يندرج تحت طائفة أخرى من الظواهر، لا نستطيع معالجتها إلا لاحقاً.

وهكذا نرى أن اللجوء للعنف، حتى داخل مجموعة بشرية بعينها، لا يمكن تحاشيه في حل نزاعات المصالح. لكن الضرورات، ومجموعات المصالح المشتركة الناتجة عن وجود مشترك على الأرض نفسها، تسرّعُ في تهدئة الصراعات، وتبعاً لذلك تتقوى باستمرار إمكانيات الحلول السلمية. بيد أن نظرةً سريعة إلى تاريخ البشرية تكفي كي نرى تدفقاً غير منقطع لأعداد الصراعات، سواء أكان هذا نابعاً من مجموعة دخلت في صراع مع تجمع آخر أو عدة تجمعات أخرى، أم بين وحدات تارة واسعة وأخرى أقل حجماً، بين مدن، بلاد، قبائل، شعوب و امبراطوريات، وهي صراعات تُحلّ دائماً بقوة السلاح خلال حرب معينة. ومثل هذه الحروب تؤدي إلى النهب والسلب، أو إلى الخضوع الكامل، فإلى غزو يلحق بطرف منها.

غير أننا لا نستطيع إلقاء حكم واحد حول حروب الغزو والفتوحات جميعاً. فبعض منها، كحروب المغول والأتراك، لم تحمل سوى المصائب، بينما أخرى بالمقابل أدت إلى تحول حالة العنف إلى حالة قانون، عبر خلق وحدات أكثر اتساعاً يُلغي إمكانية اللجوء للقوة، بل ويهيئ لقيام نظام جديد يحترم القانون ويهدئ الصراعات.

تلك حالة الفتوحات الرومانية التي حملت للبلاد المتوسطية فترة “الباكس رومانا” السعيدة {فترة السلم الروماني التي دامت ثلاثمائة عام}. حيث خَلقت طموحات ملوك فرانسا مملكةً موحدة مزدهرة بسلام. ومهما بدا ذلك متناقضا وعجائبياً في ظاهر الأمر، فنحن مضطرون للاعتراف بأن الحرب قد لا تكون وسيلة غير مناسبة لإرساء السلام الدائم، إذ يتبين أنها قادرةٌ على إنشاء وحدات واسعة تنشأ فيها سلطة مركزية تجعل الحروب الجديدة مستحيلة. لكنها، على الرغم من ذلك، لا تؤدي إلى هذه النتيجة، لأن نجاح الفتوحات، بشكل عام، قصير العمر، وما تلبث أن تتفكك بدورها الوحدات والأطراف المستحدثة، لأن حالة الانسجام والتماسك والترابط ليست كافية الصلابة بين المكونات التي خُلقت بالقوة. يضاف إلى ذلك أن الفتح {الغزو} لم يتمكن حتى الآن، إلا من خلق اتحادات جزئية، -بحجم وباع معتبرَين، هذا صحيح- ما تلبث صراعاتها أن تخلق متطلبات واستحقاقات تتطلب حلولاً شرسة وعنيفة. وتكون نتيجة كل جهود الحروب هذه أن الإنسانية استبدلت بمناوشات وصراعات صغيرة مستمرة تقريباً الحروبَ الكبرى {العالمية}، التي يعظم الخراب الذي تحمله طرداً مع ندرة عددها.

وفيما يخص حقبتنا الراهنة، تَفرض علينا هذه الخلاصةُ نفسَها، وهي الخلاصة التي أرى أنك وصلت إليها بأسلوب أكثر اختصارا. أعني أن من المستحيل تفادي الحروب بشكل مؤكد، إلا إذا اتفق البشر على خلق قوة مركزية، يرتكز على قراراتها حل كل نزاعات المصالح. وفي مثل هذه الحالة، يفرض نفسيهما شرطان ضروريان بالقدر نفسه: خلق جهاز مركزي، وإعطاؤه الوسائل للتمتع بقوة عليا. ومن دون الثاني لا قيمة للأول الذي يبقى غير ذي نفع.

والحال أن عصبة الأمم تم إنشاؤها على أن تغدو فعلاً مثل هذه المرجعية العليا، لكنها حققت الشرط الأول دون الثاني. فلا تملك عصبة الأمم قوةً خاصةً بها، ولا تستطيع امتلاكها إلا في حال منح الدول الأعضاء لها هذه القوة. ولا تلوح في الأفق، حالياً، إمكانية تحقيق مثل هذا الشرط.

وهكذا قد يصعب علينا بالمجمل فهم لِم تم إنشاء هذه العصبة، إلا إذا اعتبرنا أن هذه المحاولة تكاد تكون الأولى التي تحققت، بمثل هذه الضخامة، في تاريخ الإنسانية، ما يعني محاولة امتلاك سلطة عليا، وتأثير تلك السلطة بالإجبار الذي عادة ما يستند إلى حيازة القوة، بمرجعية عدد من المبادئ والقيم.

هناك -كما رأينا-عاملان يؤثران في تأمين الانصهار والالتحام بين عناصر الجسد الواحد لمجموعة ما: الإجبارُ والفرضُ القائمان على العنف، وعلاقاتُ المشاعر – يعني التماهي {التعيّنْ} بين أفراد المجموعة، فيصبحون جسداً واحداً (كما نقول في مصطلحاتنا التقنية) *- فإذا غاب أحد هذه العوامل يقوم الآخر بحفظ الانصهار في قلب وحدة المجموعة.

ومن الطبيعي أن هذه المفاهيم تبقى عطلةً عن المعنى والتأثير، مالم تتوافق مع عناصر مهمة من المجموعة {البشرية المعنية}. يبقى إذاً ضرورياً معرفة أين تكمن القوة في هذه العناصر.

يعلّمنا التاريخ أن هذه المفاهيم قد لعبت في الماضي دورها فعلاً، ففكرة توسع الأمم الهلنستية، على سبيل المثال، فكرة أن الوعي بأن نكون “أفضل” من الجيران البرابرة، التي نجد تجسيداً شديداً وحيوياً لها في تحالفات “كونفدراليات” تجمعها معابد الآلهة، وزوايا العرّافات والنبوءات، ومدرجات الألعاب الرياضية، قد ساهمت بتلطيف نظام الحرب بين الإغريقيين. دون أن تكون هذه الفكرة كافيةً بطبيعة الحال، لإلغاء النزاعات المسلحة بين مكوِّنات الشعب الإغريقي، ولا كافية حتى لردع بعض هذه المدن من التحالف مع الفرس بغية إضعاف قوة مدينة منافسة.

ولم يمنع الشعور بالانتماء للمجموعة المسيحية، رغم تمتعه بالقوة، إبان عصر النهضة، لم يمنع دولاً صغرى وكبرى مسيحية من التحالف مع السلطان العثماني، خلال الحروب الجانبية التي كانت تشتغل فيما بينها.

وفي فترتنا هذه أيضاً، لا توجد أية فكرة مثلى يمكننا أن نسند لها فرز قوة جامعة تكون حكماً يصالح بين الفرقاء. إن هذا واضح الوضوح كله، فالمُثُل الوطنية/القومية التي تحكم الشعوب حالياً تدفع بها إلى التعارض والتنازع فيما بينها، ولا نعدم {مثلاً} أناساً يتنبؤون قائلين: وحدَه تغلغل الفكر البلشفي العالمي سيستطيع وضع حد للحروب، لكننا في جميع الأحوال ما نزال بعيدين البعد كله عن هذا المآل، ومن الممكن أننا لن نشهده إلا بعد خوض حروب أهلية شنيعة.

وعلى ما يبدو، إن محاولة إبدال السلطة المادية بسلطة الأفكار، ماتزال عرضةً للفشل. ونحن نرتكب غلطاً بعدم أخذنا بعين الحسبان كونَ القانون في أصله نشأ من القوة الغاشمة، حتى في أيامنا لا يمكن له الاستغناء عن القوة.

ليس بوسعي الآن سوى مناقشة التعليق على اقتراح آخر من اقتراحاتك. فأنت تعبر عن تعجبك من السهولة الفائقة التي يتم عبرها تجييش الجمهور للحرب، وتخلص إلى نتيجة أنه يمتلك داخله مبدأً فاعلاً، غريزةَ كره وتدمير جاهزة لاحتضان هذا النوع من التجييش. نحن نعتقد بوجود مثل هذا الميل، وبذلنا قصارى جهدنا، في السنوات المنصرمة، لدراسة تجسداته. هل تسمح لي، بهذه المناسبة، أن أعرض عليك جزءاً من قوانين الغرائز التي وصلتُ إليها، بعد كثير من دراسة وتمحيص وتدقيق وتردد؟ نحن {أنا} نقرّ بأن الغرائز البشرية يمكن جمعها في مجموعتين: من جهة الغرائز التي تهدف إلى حفظ التكاثر والنوع وتوحيد البشر*، ونحن نسميها “الإيروسية” – تماماً بمعنى الإله إيروس الذي نجده في “مأدبة أفلاطون” حيث نستعمل هذا المصطلح بمعنى أوسع من مفهوم الجنسية الضيقة* كما تُستعمل في اللغة السائدة أو الشائعة، ومن جهة ثانية تلك الغرائز التي تهدف إلى التدمير والقتل، ونحن نضمها في إطار جامع تحت عبارات مصطلَح الغريزة العدوانية، أو غريزة التدمير*.

وهذا في المحصلة، كما ترى، ليس سوى نقل نظري للتضاد المعروف عالمياً بين الحب والكره، الذي يمكن اعتباره استقطاباً بين الجاذبية والنبذ، وهذان يلعبان دوراً في ميدان علمك – لكن حذار من الانجرار بسرعة إلى مفهومَي الخير والشر- حيث أن هاتين الغريزتين، كلتيهما، ضروريتان، ومن خلال عَمَلَيهما متصلَين متداخلَين أو متضادين إنما تنبع ظاهرات الحياة.

بيد أنه، وكما يبدو لي، لاتستطيع واحدة منهما فرض نفسها بشكل منعزل، فهي دائماً “مربوطة/مقيّدة”، حسب تعبيرنا، بكمّ من الغريزة الأخرى، التي بدورها تُعدِّل هدفَ الأولى، أو تهيء لها الظرف بالتحقق لوحدها. وهكذا تكون غريزة حفظ النوع من طبيعة إيروسية حتماً، ولكن ها هنا بالضبط، لا بد لعمل هذه الغريزة أن تستعين بقدر من غريزة العدوان، إذا ما أرادت أن تنتصر لنواياها. والشيء نفسه يقال عن غريزة الحب، الموجّهة إلى موضوعات {حب}* فهي تحتاج إلى قسط من غريزة التملك، إذا ما كان هدفها في النهاية امتلاك موضوعها.

وهنا بالضبط تكمن صعوبة التمييز بين الغريزتين* في تجلياتهما، تلك الصعوبة التي منعتنا طويلاً من التعرف عليهما.

هوامش:

وإذا أردت من فضلك متابعتي قليلاً، ترى أن الأفعال البشرية تكشف تعقيداً من طبيعة أخرى. إنه لمن النادر جداً أن يكون الفعل صادراً عن دافع غريزي واحد، دافع هو نفسه أصلاً يتركب من الإيروس ومن التدمير{ثاناتوس}. وعموماً، يلزم ظرف اجتماع عدة دوافع، متراكبة بعضها مع بعض، كي نصل إلى الفعل. وكان أحد زملائك قد لقط ذلك -وأنا هنا أتحدث عن البرفيسور ج.ش. ليشتيمبرغ*-، الذي كان يعلّم الفيزياء في غوتنغن في فترة معلمينا الكلاسيكيين؛ لكن داخله، ربما تفوق الميل إلى العالم النفسي على الميل إلى عالم الفيزياء. لقد اكتشف هذا العالِم “وردة {بوصلة} الميول” حيث صرح قائلاً :” إن الميول التي تدفعنا للقيام بتصرفاتنا يمكن لها أن تتوزع متشتتةً في كل جهات الرياح، كالبوصلة ـوردة الملاحة – التي تحركها الرياح من كافة الأصقاع، وهذا مايذكرنا بقوله المأثور ب* المجد والخبز… الخبز والمجد*

ترك لنا جورج-كريستوف ليشتبرغ ١٧٩٩ ١٧٤١ كثيراً من المؤلفات، لكن لعل شهرة كتابه: “الأقوال المأثورة” ناتجة عن استعمال فرويد له مرتين في كتابين مختلفين، أحدهما: لماذا الحرب؟. وهنا يستعمل المثل بمعنى أن الدوافع للحرب ممكن أن تكون سعياً للشهرة والمجد والنصر أو.. طلباً للخبز. أما بوصلة اتجاه الرياح، فقد اشتغل هذا العالم الفيزيائي على ما يُسمّى” وردة الملاحة” برسم البوصلة كوردة ذاخرة بعديد من البتلات، مسيّرةً لاتجاه البحّارة.

وهكذا إذاً نرى البشر ثمة تناديهم طبول الحرب، يجد عددٌ من الدوافع في دخيلتهم صدى لهذا النداء، بعضها نبيلة وبعضها سوقية، بعضها تخلد في الأمثال وبعضها يُسكت عنه. وما من سبب يدعوننا إلى ذكرها جميعاً.

و من البديهي أن يكون الميل إلى العدوانية والتدمير من عداد هذه الدوافع: و تذخر قصص الحياة اليومية بعديد من الأمثلة المريعة الدالة على وجود هذه الدوافع. وعندما نثير هذه الميول العدوانية عن طريق تهييجها بميول إيروسية وروحية، فإننا قطعاً نفتح الباب لهذه الميول فتنتشر وتحقق نفسها بحرية أكبر.

أحياناً، عندما نستمع إلى فظائع وأهوال قصص التاريخ، يتولد لدينا انطباع بأن الميول المثالية لم تكن سوى ستارة خافية لهذه الشهيات المدمِّرة؛ وفي حالات أخرى، إن نظرْنا إلى فظائع محاكم التفتيش في العصور الوسطى، فنحن نظن أن الدوافع المثالية قد تم اعتبارها، في مجال الوعي، في المقام الأول، وأن الدوافع المدمِّرة قد أعطتها، في اللاوعي، جرعةً إضافية من القوة. وكلا الاحتمالين ممكن.

إني أشعر بحرج من التمادي في استغلال اهتمامك للوسائط التي من شأنها صد الحروب، والانتباه الذي توليه لها، وليس لفرضياتي في المقام الأول. ورغم ذلك أريد أن أتوسع حول غريزة التدمير، التي تفوق أهميتها الحديث الدارج عنها حالياً. ومع شيء من إعمال الخيال الاستشرافي، نتوصل إلى ملاحظة أن هذه الغريزة تعمل في دخيلة كل كائن حي، مضحيةً به على مذبح الفناء، ومرجعة الحياة إلى حالة العدم.

مثل هذا الميل يستحق بجدارة أن نسميه غريزة الموت*، أما الغرائز الإيروسية فتمثِّل السعي نحو الحياة. فغريزة الموت تضحى غريزة التدمير والتحطيم، عبر إخراجها من الداخل، عن طريق عدة أعضاء، على شكل عدوان ضد الموضوعات. وهنا يحمي الكائن الحي نفسه ووجوده، إن جاز التعبير، عبر إبادة العنصر الخارجي. لكن قسماً من غريزة الموت يبقى فاعلاً داخل الكائن الحي وهو ما حاولنا بصدده دراسة سلسلة من مشتقاته من الظاهرات الطبيعية-السوية والمرضية الناتجة عن قلب وارتداد هذه الغريزة العدوانية التدميرية إلى داخل الكائن الحي، بل وقمنا بشطحة أبعد من ذلك عندما درسنا الأصل الذي ينبثق عنه وعينا عبر دراسة نموذج ارتداد العدوانية نحو الداخل.*

هامش

في نظرية الدوافع الغريزية والموضوعات: كل دافع حبي أو موتي مصدره الذات، يلزمه مصبٌّ أو هدفٌ لتصريف طاقة هذه الدوافع الغريزية، وهذا ما يسميه التحليل النفسي: الموضوع تَصبُّ عليه الذاتُ الشحنةَ والطاقةَ المرتبطَتين بهذه الدوافع. الموضوع قد يكون المحبوب أو أي غرض طبيعي /امرأةً أو رجلاً أو موسيقى أو شمساً أو قمراً أو شجراً أو حيوانات بيتية وغيرها… الخ/. وفي شأن ارتداد الدوافع نحو الداخل تغدو الذاتُ المصدرَ والهدفَ في آن معاً!. أي يصبح الموضوع هو الذات نفسها، مايؤدي في الحد الأقصى إلى إفناء الفرد لنفسه-الانتحار- أو إيذاء نفسه والانتقاص منها بشكل قهري تكراري. فالطاقة هنا، بدلاً من أن تنجح في إيجاد موضوع–غرض خارجي هدفاً قامت بالالتفاف نصف دورة، مرتدةً من جديد إلى الداخل.

و بناءً على هذا، ليس بمقدورنا، كما ترى، النظر لهذه الظاهرة بشكل سطحي، في الوقت الذي تتبدى على نطاق أوسع شمولاً، و في أكثر أشكالها شراً. بينما تطبيق هذه الدوافع الغريزية التدميرية على العالم الخارجي كان ليواسي ويخفف عن الكائن الحي، بل والمنتظر أن يأتي عليه بالنفع. وهذا يعطي حجةً وعذراً بيولوجيَّين لكل هذه الميول المكروهة والخطيرة التي نناضل ضدها. ما يدفعنا إلى التسليم بأن هذه الميول أقرب إلى الطبيعة من المقاومة التي نظهرها ضدها، والتي ما تبرح تستلزم منا شرحاً. ولعل لديك انطباعاً بأن نظرياتنا {نظريات فرويد} ما هي ضرب من الأسطرة ، التي بالمناسبة لا تريح النفس إذ تعلم تخومها، ولكن أليست أصول كل العلوم متأتيةً من الأسطورة؟ أم أن الأمور مختلفة في ميدان علومك الفيزيائية؟

هذا ما يخلص بنا، بغية الرجوع إلى موضوعنا، إلى نتيجة مفادها، أن من غير المجدي ولا المفيد، ادّعاءَنا القدرة على إلغاء هذه الميول العدوانية التدميرية لدى البشر.

في بعض أرجاء الأرض السعيدة، حيث تمنح الطبيعة بوفرة وسخاء كل ما يحتاجه البشر، من المتوقع أن تعيش شعوب تسري حياتها مسرى مريئاً هنيّاً لا تعرف العدوان و الإجبار. أنا أجد صعوبة في تصديق وجود هذه التجمعات، وسأكون سعيداً لو عرفت المزيد عن هؤلاء الكائنات* الحاملين للمسرّة. البلشفيون هم أيضاً يأملون الوصول إلى إلغاء العدوان البشري بتأمينهم إشباع الحاجات المادية، ضامنين المساواة بين المستفيدين منها داخل مجموعتهم. إنما أنا أعتبر ذلك وهماً. فحتى الساعة، هم مسلحون حتى النخاع، وهم يحملون كرهاً لمن لا يتبعهم ولمن ليس منهم، مما لا يساهم إطلاقاً في تحقيق التلاحم بين مناصريهم. وهكذا، كما تلاحظ بنفسك، لا يتعلق الأمر بإلغاء الميل البشري للعدوان؛ نستطيع فقط بذل جهد في قوننته {حرف تصريفه} بشكل يلجمه عن التعبير عن نفسه عبر الحرب.

هامش: هذه الكائنات أصحّ لغوياً بشكل مجرد، لكن فرويد يحكي عن الكائن البشري. ومنه كلمة: هؤلاء..

وانطلاقاً من قوانيننا النابعة من علم الأسطورة في دراسة الدوافع الغريزية، نصل بسهولة إلى صيغة تشق درباً لنفسها بشكل غير مباشر إلى النضال ضد الحرب. فإذا ما كانت الميول إلى الحرب تنبع من غريزة التدمير، فهذا يعني أن بإمكاننا اللجوء إلى نقيضها، أي إلى الإيروس. وكل ما يولّد بين البشر صلات و مشاعر يجب أن يلعب دوراً ضد الحرب. ويمكن لنا تصنيف هذه الصلات حسب رؤيتين. في المقام الأول، صلات ومشاعر كالتي تظهر تجاه موضوع حبي أو محبوب******، حتى لو لم تخالطه نوايا جنسية -وما ينبغي، بهذه المناسبة، للتحليل النفسي أن يخجل من الحديث عن الحب- لأن الأديان [1]تلجأ إلى هذه اللغة: أحب جارك كما تحب نفسك. هذا أمرُ إجبارٍ تسهل المناداة به، لكنه صعبٌ على التطبيق. أما المجموعة الثانية من الصلات والمشاعر، فهي التي تعود إلى التماهي*. إنما على هذين المجموعتين تنهض، بشكل كبير، دعائمُ صرح المجتمع البشري.

وأنا أجد، في نقد لك حول الشطط في ممارسات السلطة، معطى آخرَ في الصراع غير المباشر ضد الميل للحرب. أعني أحد أوجه عدم المساواة بين البشر -وهو عدم مساواة، ولادي بالفطرة ما من سبيل لتفاديه- أقصد توزعهم بين قادة ورعايا. ويشكل الأخيرون الكتلة العظمى؛ لأنهم بحاجة إلى سلطة تتخذ القرارات عنهم، وهم في الغالب الأعم، يصطفّون تحت لوائها، منفذين إياها بلا تحفظ.

وربما كان علينا، في هذا الصدد، أن نقوم بدور أفضل مما فعلناه حتى اليوم، بذل جهودنا لتشكيل لجان متفوقة من المفكرين المستقلين، غير القابلين للإسكات والإحراج، بل من الذين يبذلون قصارى جهودهم في البحث عن “الحقيقي والحقيقة” ومن شأنهم أن يتحملوا مسؤولية قيادة الجماهير الذين لا ناقة لهم ولا جمل في أخذ أي مبادرة.

والإمبراطورية التي شغلها الشاغل سلطة الدولة، وكذلك الكنيسة التي هاجسها منع الفكر الحر، لا يعيران أي اهتمام يذكر لإنشاء مثل تلك اللجان، وهذا أمرٌ ليس بحاجة إلى برهان. أما الدولة المثالية فتكمن بطبيعة الحال في مجموعة من الأشخاص الذي يُخضعون حياتهم الغرائزية ل”ديكتاتورية” {إملاء} العقل.

وليس من سبيل أكمل يجدر به خلق هذا الاتحاد الكامل والمتين بين البشر، حتى لو كان هذا سيُلزمِهم بالتنازل عن الصلات العاطفية فيما بينهم. لكن إمكانية أن يكون هذا من قبيل الأمل الطوباوي عالية. وتوجد طرق ووسائط أخرى أكيدة لمنع الحروب، لكن ليس مقدراً لها أن تبلغ النجاح بالسرعة المرجوة. فليس من الجدير بنا تخيل طواحين تطحن بشديد البطء إلى درجة سيمر معها وقت الموت من الجوع انتظاراً للطحين.

وهكذا ترى أننا لن نساعد أبداً في المضي إلى الأمام إذا ما اكتفينا باستشارة علماء نظريين غرباء عن العالم الواقعي، حينما يتعلق الأمر بمهمات عملية ملحة تتطلب حلاً سريعاً. بل من الأفضل، والحالة هذه، أن نبذل قصارى جهدنا لمواجهة الخطر، حسب كل حالة بذاتها، مستعينين بما تحت أيدينا من وسائل.

بيد أني أود هنا الحديث عن مسألة لم تثرها في رسالتك لكنها تحظى مني باهتمام خاص. لماذا نحاول أنت وأنا وكثر ممن هم على شاكلتنا، القيام ضد الحرب بكل ما نستطيع من قوة، ولماذا لا نقنع باعتبارنا الحرب واحدةً من كثير من عادِيات الزمن؟ حيث تبدو هذه الحرب، إلى ذلك، متناسبة مع الطبيعة، نابعة من أسس بيولوجية متينة وبصورة خاصة لا يمكن تفاديها. وأرجو هنا أن لا يصدمك سؤالي. حيث عادةً تستلزم مقتضيات التحقيق في قضية ودراستها منا أحياناً أن نلبس قناعاً كثيفاًً لا نمتلكه في الواقع قط.

وهنا أقدم الجواب: لأن كل فرد بشري له الحق في حياته الخاصة، لأن الحرب تدمر حياة بشر حاملين لأحلام ووعود، ولأنها تضع الفرد في أوضاع لا تشرفه، ثمة تدفع به ضد إرادته الخاصة إلى قتل أخيه الإنسان، وإلغاء قيم بشرية مادية ذات شأن ورفعة، ومنتجات جاء بها الإنسان عبر أنشطته. الخ.

نضيف إلى كل ذلك أن الحرب بشكلها الحالي، لم تعد مناسَبةً ومكاناً لقيم {النبلاء} الفروسية المثالية العتيقة للبشر. وأن هذه الحرب، بمستقبلها الذي يحمل معه تجهيزات جديدة و تقنيات متطورة من أسلحة دمار، ستعني التصفية الكاملة لأحد الخصمين، أوتصفيتهما معاً.

كل ذلك صحيح ويبدو بديهياً إلى حد يدعونا نتعجب من عدم توصلنا إلى إيجاد اتفاق شامل لإبعاد شبح الحرب.

نحن نستطيع مناقشة النقطة الأولى أوالثانية، والتساؤل، مثلاً، إذا ما كان يجب على المجموعة {الوطنيه، المجتمعية} هي أيضاً، امتلاك حق في حياة الفرد، لكننا لا نستطيع بالمنطق نفسه شجب كل عوامل بذور الحرب؛ طالما وُجدت دائماً امبراطوريات وأقوام مصممة على تصفية الآخرين دون رحمة أو هوادة، فعلى هؤلاء الآخرين أن يكونوا مستعدين ومجهّزين لخوض الحرب.

لكننا متلهفون للإسراع في العمل على كل هذه المسائل، وهي ليست على الإطلاق نقطة النقاش الذي تتمنى مشاركتي به. أريد الوصول إلى شيء آخر: أعتقد أن السبب الجوهري الذي يدفعنا أن ننهض ضد الحرب هو أننا لا يمكن أن نفعل عكس ذلك.

نحن دعاة سلم لأننا يجب أن نكون هكذا باسم ميول عضوية بنيوية تنظيمية. وانطلاقاً من هذا يسهل علينا تدعيم موقفنا بحجج.

ولا يسعني ترك هذا دون شرح. فإليك ما سوف أسوقه إضافة لما قلت: منذ عصور سحيقة، تخضع البشرية لظاهرة تطور الثقافة. (آخرون يفضلون في هذا المجال اللجوء لمصطلح الحضارة) وإنما لهذه الظاهرة ندين لأفضل ما صُنعنا به، ولقسم كبير مما نتألم منه. وأسباب ذلك وأصوله غائمة وهو مجهول المصير، وعدد من خصائص هذه الظاهرة يمكن فرزه بسهولة. هل ستؤدي هذه الظاهرة لإنهاء الجنس البشري؟ حيث أنها تضر، في جزء كبير منها، بسيرورة الوظيفة الجنسية {حفظ النوع} ونحن نرى حالياً الأجناس غير ذات التربية، وتلك المنضوية أسفل السلم البشري تتكاثر بوفرة أكبر بكثير منها لدى الطبقات التي هذبتها الثقافة. ومن الممكن أيضاً أن تُؤخذ تلك الظاهرة بعين الاعتبار بالتوازي مع تربية البشر لبعض الحيوانات وجعلها أليفة؛ وليس يمكننا إنكار أن هذا الأمر سوف يؤدي إلى تغييرات فيزيائية؛ نحن لم نعتد بعد على اعتبار فكرة التطور الحضاري الثقافي ظاهرة عضوية {بنيوية منظمة} من هذا القبيل.

إن التحولات الفيزيائية المرافقة لظاهرة الثقافة لهي تحولات بديهية وغير قابلة للدحض. فهي تعني نبذاً تدريجياً للأهداف الحدسية {الغريزية} يُضاف إليها تحديدٌ في ردود الفعل الغريزية بتصرفات فورية فطرية قهرية. فهناك أحاسيس كانت بالنسبة لأجدادنا مشبعة بالشعور باللذة أضحت لدينا عطْلةً عن المعنى بل وحتى غير مقبولة. هنالك أسباب حيوية عضوية تنظيمية تكمن خلف هذا التحول الذي خضعت له تطلعاتنا الخلقية والجمالية.

وفي عداد العوامل النفسية للثقافة، هنالك اثنان يظهران أكثر أهمية مما عداهما: تقوّي جهاز العقل {الذهن} الذي يطمح للعب دور كابح للحياة الغريزية، والثاني ارتداد الميل العدواني إلى الداخل، مع ما يحمل هذا من نتائج مشجعة وكذلك وخيمة وخطيرة.

والحال أن المفاهيم النفسية، التي يأخذنا نحوها التطور الثقافي، تجد نفسها تصطدم على أرض الواقع أشد الاصطدام بواقعة الحرب. ولهذا يتوجب علينا النهوض والتمرد ضدها؛ نحن بكل بساطة لا يمكننا تقبلها؛ وليس هذا نفوراً ثقافياً وانفعالياً فقط، بل هو لدينا، نحن معشر الدعاة إلى السلام، أمر مرفوض بشكل بنيوي، بشكل يتناقض مع حساسية طبائعنا أقصى حدود التناقض.

ولا تَقِلّ نتائج التخريب الجمالي والعمراني للحرب، عن فظاعة مخلفاتها وكوارثها الأخرى، مما يضاف إلى عوامل رفضنا لها وتمردنا عليها.

والآن، كم من الوقت يلزم كي يصبح الآخرون دعاةَ سلام بدورهم؟ ليس بمقدورنا الإجابة على هذا السؤال.

لكن أليس ضرباً من الطوباوية الأمل بفعل هذين العنصرين؟ – عمل مفهوم الثقافة والخوف المبرَّر من تداعيات انفجار مستقبلي- على وضع حد للحرب، في مستقبل قريب؟

نأمل أن يعمل هذان العنصران عملهما في المستقبل القريب. عبر أي طريق وأي التفاف على الدروب؟ لا نستطيع التكهن بذلك. وبالانتظار، نستطيع أن نقول لأنفسنا : كل ما من شأنه إعلاء شأن الثقافة وتطويرها يعمل أيضاً ضد الحرب.

أحييك بحرارة قلبية. وإن كان عرضي قد خذلك، أرجو منك العفو والمعذرة.

الداعي لك: فرويد.

[1]

*تكوين