المجلة الثقافية الجزائرية

ما الذّي بين “آني هوفا كنفاني ” و عيون “غسّان كنفاني ” غير تلك “البندقيّة” !؟

      عندما سألت مذيعة ذات مرّة “جاك دريدا” عن الحبّ، ارتبك تماما، قائلا إنّه ليس بامكانه الحديث عن الحبّ في المطلق ، إنّما علی السؤال أن يكون أكثر تحديدا و تأطيرا . عندما لملم أفكاره خلصَ إلی القول إنّ الحبّ هو العلاقة بين “من” و “ماذا” «qui» et «quoi» !

 لن أتوغّل كثيرا في مقاصد “جاك دريدا” لكنّي سأتعمّد اسقاط قوله علی تجربة مّا .

أوّلا، ليس الواقع في الحبّ فقط هو الواقع الوحيد في مأزق “من” و “ماذا”، فأنا أيضا واقعة في مأزق الحديث عن “من” كغسّان كنفاني شخصًا و” ماذا” كغسان كنفاني المناضل، الروائي، الصحفي، المغترب، الفلسطيني، المحبّ… 

ربّما لن أسلّط الضوء في هذا المقال علی غسّان كنفاني السّاعي إلی الحبّ، أو المأجِّج لهذه العلاقة الغارقة في الماذاتية _ إن صحّ التعبير _ 

 لذلك لن أكتب عن علاقة عشق، و لا أريد تكريس حميميّة مصطنعة بين غسان وزوجته “آني هوفا كنفاني” لمجرّد حشو النصّ بعبارات عاطفيّة مُفتعلة.

لن أكون أقلّ اختصارا وحسما من ذلك القسّ الذي أعلنهما زوجا و زوجة!

إنّما أحاول جاهدة أن أراوغ “ابن حزم ” في تصوّره لمراحل الحبّ، فنحن هنا في غِمار علاقة متشعّبة، تداخل فيها الذاتي والموضوعي، النسبيّ والمطلق، الأنا والآخر، المحلّي والعالمي، الهويّة والاغتراب، المرأة والرجل .

هل هو حبّ عَرَضيّ غارق في جوهر قضيّة (الأرض) 

أمّ هما جوهران اثنان (الحبّ و القضيّة) اتّحدا في علاقة عرضيّة (الزواج)

تبدو التساؤلات أكثر إثارة من محاولة الإجابة عنها، أحاول ما استطعت إخلاء مسؤوليتي من أيّ التزام بإجابة لعلّي لا أملكها، التساؤلات المعلّقة أفضل من الإجابات الحدسيّة غالبا!

فهل كانت آني المرأة الدافع في حياة غسّان، أم كان غسّان الرجل المُلهم في حياة امرأة تبنّت قضيّة مّا، ثمّ هاجرت معها من موطنها الأصلي “الدنمارك ” إلی “بيروت”، إلی تخوم المشرق العربي، معقل الأنبياء، و مصبّ الويلات؟ 

هل هو الحبّ الذي يبحث لنفسه عن شرعيّة مّا بين غرِيبَيْنِ، فسكنَت روحه في جسد قضيّة حيّة متحرّكة؟!

 ما انفكّت آني، حتّی و هي أرملة، تعرّف علاقتها بغسّان علی أنّها علاقة شخصية تكوّنت في إطار القضيّة الفلسطينيّة.

قد يبدو هذا غريبا بالنسبة إلى شخص لم يتوغّل كثيرا في تجارب إنسانية عديدة، و لم يواكب نكبات العالم الكبری، قد يستنكر إقدام امراة علی الانسياق وراء قضيّة فيها من البُعد الجغرافي والتاريخي والثقافي ما يجعل منها غير مُلزَمةٍ بهذا الاهتمام، و لكنّ معاصرة آني احتلالَ النازيين لبلادها، و انتماءها إلى عائلة عاملة و مُقاومة، جعل منها آني الملتزمة بقضايا إنسيانيّة كبرى. ولعلّها ليست استثناء في ذلك،

فلطالما كانت القضايا الإنسانية أرضا خصبة لاستقطاب المناصرين لها من كلّ حدب و صوب.

 ومن غير المنصف ألاّ آتي ههنا علی ذكر بعض التجارب في هذا المنحى، ولعلّ من أبرز الشخصيّات المعروفة في أدب التحرّر ‘فرانز فانون’، الطبيب و الكاتب الفرنسي الأسود البشرة، وهو من فور دو فرانس، جزر الباتريك، وقد حارب ضدّ النازيّين في جيش بلاده، ثمّ عمل بعد ذلك طبيبا عسكريّا في الجزائر الواقعة تحت الاستعمار الفرنسي آنذاك، حتّی انتهی إلی الالتحاق بجبهة التحرير الجزائرية، و عُرف بكتاباته المُناهضة للعنصرية والاستعمار، من مؤلفاته “بشرة سوداء أقنعة بيضاء”، و “مُعذّبو الأرض”، و قد اعتبرت تجربته شبيهة بتجربة “تشي غيفارا”. 

هذه تجارب عابرة للقارات، تجاوزت إسار الانتماء الهووي المحدود إلى أوساع انتماء عالميّ أكثر رحابة، وإلی قوميّة إنسانية لا تَعرُجُ بشعارات قومية لغوية، أو دينية أو ثقافية، أو سياسية، ضيّقة . 

ربّما علينا التوقّف عن النّظر إلی الحرب بعين لاعب شطرنج، لا يری أبعد من الرقعة التي أمامه، وهو في الحقيقة ليس أكثر من بيدق في رقعة أكبر وحرب أكثر دمويّة، وبين خصوم أكثر هوسا من مجرّد أفراد في لعبة مرحة.

قد تكون لآني دوافعها الإنسانية الكثيرة لتحذو حذوَ غسّان كنفاني، ولكن الحبّ ليس مُنزّها عن أن يكون من بين هذه الدوافع .

لم تكن آني امرأة ذات بعد واحد تلهيها الملذات المعروفة بين امرأة ورجل، إنما كانت امراة مُستثارة بقلبها و عقلها، امرأة تُغدق بمشاعرها الخاصّة علی مشاعرها المطلقة، آني المرأة الأرض في حياة غسّان… المرأة التي كانت تلهجُ بالقضيّة بغير اللغة العربية فدفعتها خارج الحدود، وألقت بها في وجه الإنسان الأروبي الذي لم يسمع عنها بعد جهلا و تجاهلا.

 لا أستطيع الكفّ عن ترديد كلمة “امرأة “، لا أستطيع ذِكر اسم آني مجرّدا من جنسها، إنّني مُنحازة من موقع المرأة إلى جندري، فخورة بأنّني أنضوي تحت راية امراة تُخرِجُ من ضِلعها حيواتٍ مجنّحة.