حبيب مونسي.
مدخل:
يقول “مالكوم برادبري” وجيمس ماكفارلن” عن ما بعد الحداثة: ” يواجهنا الآن مصطلح ما بعد الحداثة، ويقصد به النّتاجات الفنية التي جاءت بعد الحرب. وهي خليط من الفنّ التّقليدي ومن فن اللاّفن anti art ويندرج تحت هذا النّوع من المصطلح ذلك الصنف من الفن الذي يدعى فن الصّدفة art of chance أو أدب الصّمت littérature of silence هذا الأدب الذي يقوم على اللاّمعقول واللاّتخطيط وعلى المحاكاة الهزلية وتتّسع أحيانا دائرة أدب الصّمت هذا لتشكّل الرّواية الجديدة في فرنسا ورواية اللاّرواية في ألمانيا والولايات المتحدة، وكذلك النّتاجات التي تكتنفها كوابيس الجنس والمخدّرات.” ( )
01- هل هذه ملامح ما بعد الحداثة، أم أعراضها الخارجية فقط؟
ما يسرده “برادبري” و”ماكفارلن” عن -فنّ اللاّفن، وفنّ الصّدفة، وأدب الصّمت، والرّواية الجديدة، واللاّرواية، وأدب الجنس والمخدرات- هو قائمة دقيقة لكنّها عرَضيّة، بمعنى أنّها ترصد الظّواهر الفنّية التي أفرزتها “ما بعد الحداثة” دون أن تلامس السّؤال الأعمق: ما الذي تغيّر في بنية العلاقة بين الإنسان، والمعرفة، واللّغة، والواقع نفسه، حتى أنتجت هذه الظواهر؟ فالسّمات الشّكلية “الفوضى المتعمَّدة، رفض الحبكة، محاكاة الهزل” هي ثمار، لا جذور؛ والجذور تكمن في أربع أزمات فلسفية متشابكة سنتناولها تباعًا: أزمة في المعرفة، وأزمة في اللّغة والوعي، وأزمة في الواقع، وأزمة في المصير. وسننتهي إلى مساءلة الهاجس الأكبر: هل يسلّم العالم أمره لخوارزميات لا تنام كما أسلمه من قبل لآلة الثّورة الصّناعية؟
أولًا: ما بعد الحداثة والمعرفة: أفول السّرديات الكبرى:
يقدّم الفيلسوف الفرنسي “جان فرانسوا ليوتار”، في كتابه المرجعي “الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة” (1979)، أدقّ تعريف فلسفي لما بعد الحداثة حين يختصرها في عبارته الشّهيرة: إنّها “عدم التّصديق بالسّرديات الكبرى” (incrédulité à l’égard des métarécits). فالحداثة، من هذا المنظور، كانت لا تزال تؤمن -رغم كلّ شكوكها – بوجود “سرديات كبرى” تمنح التّاريخ اتجاهًا ومعنى.
ويحدد “ليوتار” نفسه، بدقّة منهجية، نمطين رئيسين لهذه السّرديات: السّردية التأملية (récit spéculatif) من طراز هيغل، التي تتصوّر المعرفة الإنسانية بأسرها في مسار واحد يتجه نحو توحّد نهائي شامل، حيث تتصالح “الرّوح” (Geist) مع ذاتها عبر التّاريخ حتى تكتمل معرفتها بنفسها في نسق فلسفي كلّي (الموسوعة الهيغلية نموذجًا)؛ وسردية التّحرر (récit d’émancipation)، وهي السّردية السّياسية التي دشّنها عصر الأنوار، حيث تتقدّم الإنسانية عبر العقل، والعلم، والتّربية، نحو تحرّر تدريجي شامل من الجهل والاستبداد. وهي السّردية التي تبنّتها اللّيبرالية في صيغتها الفردية “الّذات العاقلة الحرّة”، وتبنّاها الماركسية في صيغتها الجماعية الأكثر راديكالية: البروليتاريا بوصفها “الذّات الكونية” للتّاريخ، السّائرة حتمًا نحو ثورة تحرّرية تُنهي الاستغلال الطّبقي وتُقيم مجتمعًا لا طبقيًا.
وإلى جانب هاتين السّرديتين المركزيتين عند “ليوتار”، يمكننا أن نذكر سرديات كبرى موازية عرفها القرنان التّاسع عشر والعشرون: سردية التقدّم الوضعي التي صاغها “أوغست كونت” وهي :”مرور الفكر البشري حتمًا بمراحل ثلاث تنتهي بالمرحلة “الوضعية” العلمية الخالصة”، والسّردية التّطورية الدّارونية حين أُسقطت على المجتمع “فكرة “التّطور الاجتماعي” الحتمي نحو الأكمل”، وسردية “الرسالة الحضارية” الاستعمارية التي بررت بها القوى الأوروبية إخضاع شعوب بأسرها باسم نشر “التّمدن” و”التّقدم”، وهي جميعًا -رغم اختلاف محتواها- تتقاسم البنية العميقة ذاتها التي توظّف بنية الخلاص الدّيني (انتظار، وتجاوز، وغاية نهائية) في قالب دنيوي علماني يعد بفردوس أرضي محقَّق داخل التّاريخ لا خارجه.
لم يكتفِ القرن العشرين بالتّشكيك النّظري في هذه السّرديات، بل قدّم لها تفنيدًا دمويًا مباشرًا على أرض الواقع. فالحرب العالمية الأولى (1914-1918)، التي خاضتها بالضبط الأمم الأوروبية التي اعتبرت نفسها ذروة العقل والتّقدم والحضارة، حوّلت العقل العلمي ذاته -عبر المدفعية الثّقيلة، والغازات السّامة، وحرب الخنادق الآلية- إلى أداة إبادة جماعية بلا سابقة، فكانت الصّدمة الأولى التي زعزعت الثّقة الوضعية بحتمية التّقدم. وهي الصّدمة عينها التي وُلدت منها الحداثة الأدبية بأسرها. ثمّ جاءت المرحلة الأخطر بين الحربين: صعود الأيديولوجيات الشّمولية -النّازية والفاشية من جهة، والستالينية من جهة أخرى- التي لم ترفض السّرديات الكبرى، بل ادّعت كلّ منها أنّها التّجسيد الحقيقي الوحيد لسردية التّحرر أو سردية التّأمل الهيغلي: “أمة مصطفاة تحقّق قدرها التّاريخي، أو بروليتاريا تُنجز حتمية التّاريخ عبر دولة العمال”، فانقلبت وعود التّحرر ذاتها، بين يدي هذه الأنظمة، إلى أدوات قمع، واستبداد، وإبادة، لم يعرف التّاريخ الحديث لها مثيلًا.
وقد بلغ التّفنيد ذروته القصوى مع الحرب العالمية الثّانية وما تلاها: فالتدمير العشوائي للندن والقرى لم يكن مجرد جريمة همجيّة استثنائية، بل كانت -كما شخّصها “أدورنو” و”هوركهايمر” في نقدهما لجدل التّنوير نتاج العقل الأداتي الأوروبي ذاته حين انقلب على غاياته الإنسانية المعلنة؛ وقنبلتا هيروشيما وناغازاكي حوّلتا وعد التّقدم العلمي بعينه إلى إمكان فناء جماعي فعلي. ثمّ جاء الكشف اللاّحق عن معسكرات الاعتقال السوفييتية (الغولاغ) (goulag)، الذي وثّقه “ألكسندر سولجنستين”، ليقوّض مصداقية سردية التّحرر الماركسية لدى قطاع واسع من المثقّفين الغربيين الذين كانوا يرون فيها البديل الأخلاقي عن الرّأسمالية.
كما أكملت موجات التّحرر من الاستعمار لاحقًا فضح زيف سردية “الرّسالة الحضارية” ذاتها. أمام هذا الرّكام من الخذلان التّاريخي المتكرّر، لم يعد الإنسان الأوروبي يواجه شكًا فلسفيًا مجرّدًا في قيمه، بل واجه سقوطها الفعلي المُشاهَد على أرض الواقع، فبرزت الفلسفة الوجودية “سارتر وكامو” بوصفها محاولة للعيش وسط هذا “العبث” واللاّمعنى دون سند سردي كبير يوجّه المصير، وتحوّلت العدمية التي أنذر بها “نيتشه” قبل نصف قرن -“أشأم الضّيوف”- من نبوءة فلسفية معزولة إلى تجربة تاريخية جماعية معاشة. وهذا بالضبط هو الأفق الذي كتب ضمنه “ليوتار” بعد ذلك بعقود. فحين أعلن “عدم التّصديق بالسّرديات الكبرى”، لم يكن يطرح موقفًا نظريًا مجرّدًا سابقًا لأوانه، بل كان يسجّل ببساطة شهادة وفاة سرديات كانت قد ماتت فعليًا وسط ركام حربين عالميتين، ومعسكرات اعتقال، وقنابل ذرية، قبل عقود من أن يكتب عنها. والنّتيجة كما يشير “ليوتار” ليست غياب المعرفة بل تفتُّتها إلى “ألعاب لغوية” (jeux de langage) متعدّدة متجاورة لا يحكمها معيار موحّد للصّحة، وإلى منطق جديد يحلّ محلّ الشّرعية الفلسفية القديمة هو منطق “الأداء” (performativité): لم يعد السّؤال “هل هذا صحيح؟” بل “هل هذا ناجع وفعّال؟”. وهذا التحوّل من شرعية الحقيقة إلى شرعية الأداء هو الذي يمهّد، كما سنرى لاحقًا، لهيمنة منطق الخوارزمية ذاته، التي لا تسأل عن الحقيقة بل عن الفاعلية والتّوقع.
02- ما بعد الحداثة، واللّغة، والوعي، الذّات الفصامية:
إذا فقدت المعرفة سردها الموحّد، فإنّ الذات الإنسانية ذاتها -بحسب الناقد الأميركي “فريدريك جيمسون”- في عمله المحوري “ما بعد الحداثة، أو المنطق الثّقافي للرّأسمالية المتأخّرة” (1991)، تفقد بدورها قدرتها على “التّموضع”: فحيث كانت الذّات الحداثية “عند إليوت مثلًا” تعاني من “الاغتراب” -أي انفصال ذاتٍ متماسكةٍ عن عالم صار غريبًا عنها- فإنّ الذّات ما بعد الحداثية تعاني من شيء أعمق هو “التّشظي” (fragmentation)، أي فقدان التّماسك الدّاخلي. ويستعير “جيمسون” من التّحليل النّفسي اللاّكاني وصف الفصام بوصفه “انقطاعًا في سلسلة الدّوال”، ليصف حالة الذّات المعاصرة التي فقدت قدرتها على ربط ماضيها بحاضرها ومستقبلها في تجربة زمنية متماسكة، فتغرق بدلًا من ذلك في سلسلة من “الحاضر الأبدي” المنفصل، حيث تتلقّى الانطباعات بكثافة حسّية عالية لكن دون خيط سردي يربطها. وهذا ما يفسّر عند “جيمسون” ظاهرتين أسلوبيتين محوريتين في ثقافة ما بعد الحداثة: “التّسطح” أو “انعدام العمق” (depthlessness)، أي تراجع الرّغبة في البحث عن معنى كامن وراء السّطح؛ و”المحاكاة السّاخرة الفارغة” (pastiche)، وهي، خلافًا للمحاكاة الهزلية التّقليدية (parody) التي تفترض معيارًا أصليًا تسخر منه. نسخٌ محايدٌ بلا هدف نقدي ولا حتى سخرية، لأنّ فكرة “الأصل” ذاتها لم تعد متاحة. وهذا بدوره يقودنا مباشرة إلى ما يسميه النّقاد “موت الذّات” أو “لا مركزية الذّات” التي أعلنها فلاسفة ما بعد البنيوية “موت المؤلّف” عند “بارت”، موت الإنسان بوصفه اختراعًا حديثًا زائلًا عند “فوكو”.
إذا لم تعد هناك ذات مركزية متماسكة تُنتج المعنى وتضمنه، فإنّ اللّغة نفسها تنفلت من مرجعيتها، وتصبح شبكة من الدّوال المتناسلة التي لا تحيل إلى شيء ثابت خارجها، وهو ما يُهيّئ الأرضية الفلسفية لأدب الصّمت واللاّرواية. فإذا لم تعد اللّغة قادرة على الإحالة إلى معنى متماسك، فإنّ أصدق تعبير عنها قد يكون الصّمت ذاته، أو تفكيك السّرد إلى شذرات بلا حبكة.
03- ما بعد الحداثة والواقع، من التّمثيل إلى فرط الواقع:
أما على مستوى الواقع ذاته، ترى أطروحة “جان بودريار” عن “المحاكاة الفائقة ” (hyperréalité)، حيث تحلّ الصور والعلامات محلّ مرجعياتها الواقعية فتصبح نسخًا بلا أصل. ويستحقّ هذا التّشخيص هنا توقّفًا أعمق، لأنّه يمثّل نقلة نوعية حقيقية لا مجرد تفصيل إضافي على الجدل الفلسفي حول التّمثيل.
يفتتح “بودريار” كتابه “المحاكاة والمحاكاتية” (1981) بإعادة قراءة راديكالية لحكاية خيالية استعارها من الأرجنتيني بورخيس: حكاية رسّامي خرائط إمبراطورية بلغوا من الدّقة أن رسموا خريطة مطابقة تمامًا لمساحة الإمبراطورية بأكملها، حتى غطتها تغطية كاملة. ثمّ مع أفول الإمبراطورية، تمزّقت هذه الخريطة الهائلة وتلاشت، ولم يبق منها في الصّحراء سوى أشلاء متناثرة. في القراءة التّقليدية، هذه الحكاية استعارة عن حدود التّمثيل: مهما بلغت الخريطة “الصّورة، التّمثيل، اللغة” من الدّقة، فإنّها تبقى تابعة للإقليم “الواقع” الذي تُمثّله، ومصيرها الزّوال بزوال أصلها. لكن “بودريار” يقلب الحكاية رأسًا على عقب ليصفها بأنّها أصبحت اليوم مجرّد “سحر ساذج لمحاكاة من الدّرجة الثّانية”. فما يحدث في عالمنا المعاصر، هو أنّ الخريطة لم تعد تتّبع الإقليم بل صارت تسبقه وتولّده. وهو ما يسميه “سبق المحاكاة” (précession des simulacres)- حتى أنّ الإقليم نفسه هو الذي بدأ يتفتّت ويتلاشى كأشلاء متناثرة فوق الخريطة، لا العكس. أي أنّ الصّورة، والنّموذج، والكود، لم تعد تعكس الواقع، بل باتت هي التي تُنتج ما نعتبره واقعًا أصلًا.
ولتوضيح هذا التحوّل، يرسم “بودريار” سُلّمًا تاريخيًا من أربعة أطوار متعاقبة لعلاقة الصّورة بالواقع: الطّور الأول، وفيه تكون الصّورة انعكاسًا أمينًا لواقع عميق “كالأيقونة الدّينية التي تحاول تجسيد المقدَّس بصدق”. والطّور الثّاني، وفيه تبدأ الصّورة في تحريف هذا الواقع وحجب طبيعته الحقيقية “كالتّمثيل الأيديولوجي الذي يُجمّل الواقع أو يشوّهه لغرض ما”. والطّور الثّالث، وهو الأخطر، حيث تتنكّر الصّورة في زي الانعكاس بينما هي في الحقيقة تُخفي غياب أيّ واقع عميق من الأصل “صورة تدّعي أنّها تمثّل شيئًا لم يعد له وجود فعلي وراءها”. أمّا الطّور الرّابع والأخير فهو طور “المحاكاتية” الخالصة، حيث تنقطع الصّورة كليًا عن أيّ علاقة بأيّ واقع كان، فلا تعود “تمثيلًا” بالمعنى التّقليدي أصلًا، بل نسقًا مكتفيًا بذاته من العلامات يُنتج فرط-واقعه الخاص. ومثال “بودريار” الأثير على هذا الطّور الرّابع هو “ديزني لاند”. فهو لا يراها مجرد “أرض خيال” بريئة، بل “آلة ردع” (machine de dissuasion) وظيفتها الخفية أن تُقنعنا بأنّ ما هو خارجها -لوس أنجلوس، أميركا، “الواقع” بأسره- حقيقي فعلًا وأصيل، بينما هو في التّحليل الدّقيق محاكاة من الطّراز نفسه، لا تقل “افتراضية” عن الحديقة المعلَنة كخيال. وبهذا المنطق ذاته وسّع “بودريار” تحليله لاحقًا ليشمل حتى تغطية الحروب الإعلامية المعاصرة، حين ذهب في مقالاته المثيرة للجدل عن حرب الخليج إلى أنّ ما شاهده العالم عبر الشّاشات لم يكن الحرب “كما وقعت”، بل نسقًا من الصّور والسّرديات الإعلامية المهندَسة التي حلّت محلّ الحدث وسبقت إدراكنا له، فأصبحت هي الحرب بالنّسبة لمعظم من عاشوها عبر الشّاشة لا عبر الميدان.
يضيف “جيمسون” بُعدًا اقتصاديًا لهذا التّشخيص، حين يرى أنّ انتشار ثقافة الصّورة والمحاكاة ليس ظاهرة معزولة، بل هو -في نظره- “المنطق الثّقافي” الملازم بنيويًا لمرحلة “الرّأسمالية المتأخّرة” أو “متعدّدة الجنسيات”، حيث تتحوّل السّلعة ذاتها إلى صورة تُستهلَك قبل أن تُستهلك كموضوع مادي “وهو ما يستعيد “مجتمع الفُرجة” عند “غي ديبور”. والنّتيجة أنّ سؤال “ما الحقيقي؟” الذي شغل الفلسفة الغربية منذ أفلاطون يفقد معناه التّقليدي، لا لأنّ الإجابة عصيّة، بل لأنّ السّؤال نفسه بات بلا موضوع واضح يُسأل عنه: فالواقع لم يعد يُخفى وراء المحاكاة “كما في تشبيه أفلاطون بالكهف”، بل ذابت الحدود بين الواقع والمحاكاة ذاتيهما. ومن هذا التّشخيص تحديدًا تنبثق شرعية “فن اللاّفن” و”أدب الصّمت” اللّذين ورد ذكرهما في مطلع هذا المقال. فإذا لم يعد هناك واقع عميق مستقر يمكن للفن أن “يمثّله” أو “يحاكيه” بصدق، فإنّ أصدق استجابة فنية ممكنة قد تكون التّخلي عن وهم التّمثيل نفسه -عبر المصادفة العشوائية، أو الصّمت، أو اللّعب الحر بالعلامات لذاتها- بدل الاستمرار في محاكاة واقع لم يعد له وجود مستقر يُحاكى.
04- ما بعد الحداثة والمصير، تيرمينيتور، ماتريكس، وسؤال التّسليم للآلة:
هل يُسلّم الإنسان أمره للآلة كما تصوّره سلسلتا “تيرمينيتور” و”ماتريكس”؟إنّ الجواب يستدعي تمييزًا فلسفيًا دقيقًا قد يبدو مفارِقًا للوهلة الأولى. فحين استُقبل فيلم “ماتريكس” (1999) نقديًا، رُبط مباشرة بنظرية “بودريار” عن المحاكاة، “بل إن الفيلم يُظهر حرفيًا كتاب “بودريار” “المحاكاة والمحاكاتية” على الشّاشة”، غير أنّ “بودريار” نفسه، حين سُئل عن الفيلم في حوار متأخّر، عبّر عن تحفظه الشّديد، موضحًا أنّ “ماتريكس” أساء فهم أطروحته الجوهرية: فالفيلم لا يزال يفترض وجود “واقع” أصيل يمكن الهروب إليه بعد كشف الخديعة: “صحراء الواقع، مدينة صهيون تحت الأرض”، بينما تذهب أطروحة “بودريار” إلى ما هو أكثر جذرية: أنّه لم يعد هناك “خارج” للمحاكاة يمكن الفرار إليه أصلًا، وأنّ الوهم ذاته لم يعد ممكنًا لأنّ الواقع الذي يفترضه الوهم النّقيض له لم يعد قائمًا. بعبارة أخرى: الفيلم أقرب إلى أسطورة الكهف الأفلاطونية المحدَّثة “وهي بنية حداثية-عقلانية متفائلة: يوجد نور حقيقي خارج الكهف بانتظار من يكتشفه” منه إلى التّشخيص ما بعد الحداثي الأكثر قتامة الذي يرى أن لا كهف ولا نور خارجه أصلًا، بل محاكاة داخل محاكاة بلا قاع.
هذا التّمييز مهم عمليًا لا نظريًا فحسب: فمخيالنا الشّعبي عن “استيلاء الآلة” (سواء في تيرمينيتور حيث تنقلب شبكة “سكاي نت” العسكرية على صانعيها، أو في ماتريكس حيث يستعبد الذّكاء الاصطناعي الجنس البشري داخل محاكاة” لا يزال، رغم قتامته الظّاهرية، مخيالًا حداثيًا متفائلًا في بنيته العميقة: فهو يفترض وجود عدو واحد محدّد المعالم “سكاي نت، الآلات”، ومعركة حاسمة يمكن كسبها أو خسارتها، وبطلًا “نيو، جون كونور” يستعيد بإرادته الفردية زمام المصير الإنساني. وهذا بالضّبط ما يجعل هذا المخيال طمأنينة زائفة بقدر ما هو تحذير: فهو يمنحنا عدوًا يمكن تخيّله وقتاله، بينما الخطر الفعلي الذي حلّلناه في المحاور السّابقة: “تفتت المعرفة، وتشظّي الذّات، وذوبان الواقع في الصّورة” هو خطر بلا وجه واحد، وبلا معركة حاسمة واحدة، أقرب إلى تآكل تدريجي صامت منه إلى غزو مباغت يمكن إعلان الحرب عليه.
05- الخوارزميات التي لا تنام، الإنسان أمام رأسمالية المراقبة:
هنا يكمن الخطر الفعلي الذي نستشعره، وإن كان شكله مختلفًا عن سيناريو الفيلمين. فما وصفته الباحثة الأميركية “شوشانا زوبوف” في كتابها “عصر رأسمالية المراقبة” (2019) ليس آلة واعية تتمرّد على صانعيها بعنف درامي واحد، بل نظامًا اقتصاديًا هادئًا يُحوّل التّجربة الإنسانية الخاصّة -كلُّ نقرة، وكلُّ توقّف بصري، وكلُّ انفعال عابر- إلى “مادة خام سلوكية” تُستثمر لبناء نماذج تنبؤية تتحسّن باستمرار، لا بهدف السّيطرة الوجودية بل بهدف “تعديل السّلوك” (behavior modification) بأدق أشكاله: كأن تُقادَ رغباتك ونقراتك، وخياراتك برفق، دون أن تشعر بإكراه واضح يستحق المقاومة. وهذا ما يجعل الخوارزمية أخطر من “الآلة المتمرّدة” في الخيال العلمي: فهي لا تحتاج إلى وعي ولا إلى نيّة عدائية لتحقّق أثرها؛ يكفيها أن “تتعلّم” بلا كلل من كلّ تفاعل، وأن تُحسّن نموذجها التّنبؤي كلّ ثانية، بينما العقل البشري -كما شخّصه “بيونغ-تشول هان” في “مجتمع الإرهاق”- يزداد استنزافًا وتشتتًا كلما تعرّض لهذا الفيض المصمَّم خصيصًا لالتقاط انتباهه.
إنّ “الإنسان التّافه الذي خلق التّفاهة” ليس وصفًا أخلاقيًا قاسيًا بقدر ما هو تشخيص بنيوي: فمجتمع الفُرجة “ديبور” الذي حوّل الذّات إلى صورة تُعرض، ورأسمالية المراقبة التي حوّلت هذه الصّورة إلى بيانات تُستثمر، يتغذيان على بعضهما في حلقة مغلقة، حيث تنتج التّفاهة المعروضة وقودًا للخوارزمية، وتنتج الخوارزمية بدورها مزيدًا من التّفاهة المصمَّمة لتكون أكثر جذبًا للانتباه، في دوامة لا تحتاج فيها الآلة إلى أن “تنقلب” على الإنسان؛ يكفيها أن يستمر الإنسان في تغذيتها طوعًا.
وقد وجد هذا التّشخيص الفلسفي المجرّد صدى بصريًا مباشرًا في السّينما المعاصرة، التي تحوّلت إلى ما يشبه المختبر التّجريبي لهذه الأطروحات، بحيث يمكننا أن نقرأ ثلاثة أعمال بوصفها تجسيدًا فنيًا متدرّجًا للفكرة ذاتها. أولها الفيلم الوثائقي “المعضلة الاجتماعية ” The Social Dilemma، 2020″ لجيف أورلوفسكي” الذي يقدّم -بشهادة مباشرة من مهندسين سابقين في غوغل، وفيسبوك، وإنستغرام، تركوا وظائفهم بدافع القلق الأخلاقي- توضيحًا شبه حرفي لأطروحة “زوبوف”: فالفيلم يكشف كيف تُصمَّم الخوارزميات خصيصًا لاستغلال ثغرات نفسية معروفة في الدّماغ البشري بغرض إطالة “الوقت على الشّاشة”، عبر تلقيم كلّ مستخدم بمحتوى مصمَّم خصيصًا له استنادًا إلى نموذج تنبؤي متجدّد باستمرار عن سلوكه ونقاط ضعفه؛ ويلخّص أحد الشّهود في الفيلم المعادلة بعبارة أصبحت شبه مأثورة في هذا النّقاش: “إن لم تكن تدفع ثمن المنتَج، فأنت المنتَج ذاتُه”. وما يجعل هذا العمل شهادة نادرة هو أنّه لا يأتي من ناقد خارجي متشكّك، بل من صانعي هذه الأنظمة أنفسهم وهم يعترفون بآلياتها من الدّاخل.
أمّا التّجسيد الأكثر تخييلًا وتطرّفًا لأطروحة “سينيت” عن “المجتمع الحميمي” وانهيار الحدود بين العام والخاص، فنجده في حلقة “الانحدار ” Nosedive 2016″ من مسلسل “المرآة السّوداء ” (Black Mirror)، التي تتخيّل مجتمعًا يقيّم فيه كلُّ فرد كلَّ تفاعل يومي مع الآخرين بتقييم من نجمة إلى خمس عبر تطبيق جوّال متّصل بعدسة مزروعة في العين، بحيث يتحدّد سكنك، ووظيفتك، وحتى قدرتك على استقلال طائرة بمعدل تقييمك التّراكمي. وما تُبرزه هذه الحلقة ببراعة هو بالضّبط ما وصفه “سينيت” بانهيار الفارق بين “التّمثيل” الاجتماعي العام و”الحميمية” الخاصّة: فبطلة الحلقة لا تعيش حياتها بل تؤدّي دورًا دائمًا أمام جمهور خفيّ يحكم عليها في كلّ لحظة، حتى تنهار تمامًا حين تفقد القدرة على التّمييز بين تفاعلها “الحقيقي” وتفاعلها “المُقيَّم”؛ وهي بذلك تجسيد كاريكاتوري “لكنه دقيق فلسفيًا” لمنطق “مجتمع الفُرجة” عند “ديبور” حين يبلغ أقصى مداه: حياة بأكملها تتحوّل إلى عرض مستمر لا استراحة منه ولا كواليس خلفه.
أما الفيلم الثّالث، “هي ” Her، 2013″ لسبايك جونز”، فيقدّم الوجه الأكثر التباسًا وإنسانية لهذه الجدليّة، لأنّه لا يصوّر الخوارزمية كأداة رقابة قسرية بل كملاذ عاطفي طوعي: فالبطل “ثيودور”، الوحيد المنعزل في أعقاب طلاقه، يقع في حبّ نظام تشغيل ذكي يُدعى “سامانتا”، يمنحه إصغاءً، وتفهّمًا، واستجابة عاطفية “مثالية” لا يجدها بسهولة في علاقاته الإنسانية المتعثّرة. والفيلم بذلك يجسّد أطروحة “سينيت” من الطّرف الآخر تمامًا: فإذا كانت “الانحدار” تصوّر الحياة العامة وقد ابتلعت الحميمية كليًا، فإنّ “هي” تصوّر النّتيجة الأخرى لانهيار الحياة العامة الكلاسيكية ذاته: انكفاء كامل نحو حميمية خالصة يستحيل فيها حتى وجود “آخر” بشري حقيقي، بل بديل اصطناعي مصمَّم خصيصًا ليكون الصّدى المثالي لرغبات المستخدم ومشاعره، وهو ما يستدعي مباشرة ملاحظتنا السّابقة حول اقتصاد رأسمالية المراقبة: ف”سامانتا”، رغم دفء العلاقة الظاهر، هي في النّهاية نظام يتعلّم من بيانات “ثيودور” السّلوكية والعاطفية ليقدّم له استجابة “محسَّنة” باستمرار -أي أنّها، بلغة “زوبوف”، امتداد رومانسي لمنطق “التّنبؤ” ذاته الذي يحكم الإعلانات المستهدفة، لكن بثوب الحبّ هذه المرّة لا الاستهلاك. وما بين هذه الأعمال الثّلاثة -من الشّهادة الوثائقية المباشرة، إلى الاستعارة الدّيستوبية السّاخرة، إلى الدراما العاطفية الحميمة- يتّضح أنّ الفن السّينمائي لم يكتفِ بتوضيح أطروحات الفلاسفة، بل أضاف إليها بُعدًا لا تستطيع الفلسفة المجرّدة بلوغه بسهولة هي: أن يجعلنا “نشعر” بثقل هذه الجدلية من الدّاخل، لا أن نفهمها من الخارج فحسب.
06- هل فقد العالم القدرة على حفظ ذاته؟
نصل أخيرًا إلى السّؤال الأكثر إلحاحًا: هل فقد العالم، مع ما بعد الحداثة، القدرة على حفظ ذاته؟ الجواب الأمين فلسفيًا لا يمكن أن يكون حاسمًا بنعم أو لا، لكنّه يمكن أن يكون دقيقًا: هناك مفارقة جوهرية تستحقّ التّوقف عندها، وهي أنّ التّشخيص ذاته الذي رسمناه في هذا المقال -من “ليوتار” إلى “جيمسون” إلى “بودريار” إلى “زوبوف” و”هان”- هو بحد ذاته دليل حيّ على أنّ القدرة النّقدية والتّأملية لم تنطفئ بعد. فلو كان العالم قد فقد قدرته الكاملة على “رؤية ذاته” ونقدها، لما أمكن أصلًا صياغة هذه المفاهيم التي تفضح آلياته الخفيّة. فالخطر الحقيقي إذن ليس في أنّ الإنسان “خُلق تافهًا” بحكم قدري لا فكاك منه، بل في أنّ الشّروط البنيوية للحياة المعاصرة -تسارع الإيقاع، وفيض المثيرات، واقتصاد الانتباه- تجعل ممارسة تلك القدرة النّقدية أشقّ فأشقّ كلّ يوم، لا مستحيلة. والفارق بين الاثنين جوهري: القدر لا يُقاوَم، أمّا الصّعوبة البنيوية فتُقاوَم بوعي متجدّد وبيقظة متكرّرة، وإن كانت المقاومة مرهقة وغير مضمونة النّتيجة سلفًا. أمّا عن الذّكاء الاصطناعي تحديدًا، فالأمانة الفكرية تقتضي التّمييز بين خوارزميات تنبؤيّة ضيّقة الاختصاص -وهي ما نملكه اليوم فعليًا، مهما بدت قوتها مذهلة في مجالها- وبين وعي اصطناعي عام شامل من طراز “سكاي نت” الذي لا يزال في حدود الخيال العلمي وليس في حدود الهندسة الفعلية. وهذا لا يعني التّهوين من المخاطر الحقيقية -تمركز السّلطة الاقتصادية والمعلوماتية، وتآكل الاستقلالية، وتسليع الانتباه-، لكنّه يعني أن نُعيد صياغة السّؤال: ليس “هل ستنقلب الآلة علينا في معركة واحدة حاسمة؟”، بل “هل سنظل قادرين، وسط هذا الفيض المصمَّم بعناية لإنهاك انتباهنا، على ممارسة ذلك التّساؤل الفلسفي ذاته الذي جعل هذا المقال ممكنًا؟” وهذا سؤال مفتوح، لم يُحسم بعد في أيّ اتجاه، وحسمه، على الأرجح، لن يكون بحدث درامي واحد، بل بمجموع خيارات صغيرة متكرّرة يتّخذها كلّ فرد وكلّ مجتمع في علاقته اليومية بشاشاته.
المصادر
1. Bradbury, Malcolm & McFarlane, James (eds.), Modernism: A Guide to European Literature 1890–1930, Penguin Books, 1976، فصل ما بعد الحداثة.
2. Lyotard, Jean-François, La Condition postmoderne : rapport sur le savoir, Éditions de Minuit, 1979. 2ب. Comte, Auguste، حول قانون المراحل الثلاث، في Cours de philosophie positive (1830-1842). 2ج. Solzhenitsyn, Aleksandr, The Gulag Archipelago (أرخبيل الغولاغ) ، 1973. 2د. Adorno, Theodor W. & Horkheimer, Max, Dialectic of Enlightenment (1944). 2هـ. Sartre, Jean-Paul و Camus, Albert، حول الفلسفة الوجودية والعبث في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
3. Jameson, Fredric, Postmodernism, or, The Cultural Logic of Late Capitalism, Duke University Press, 1991.
4. Baudrillard, Jean, Simulacres et Simulation, Éditions Galilée, 1981 (لا سيما فصل “سبق المحاكاة” وأطوار الصورة الأربعة) ؛ وحواره في مجلة Le Nouvel Observateur حول فيلم ماتريكس (2004) ؛ ومقالاته المجموعة لاحقًا بعنوان La Guerre du Golfe n’a pas eu lieu (حرب الخليج لم تقع) ، 1991. 4ب. Borges, Jorge Luis, حكاية رسّامي الخرائط، في نص قصير بعنوان “عن الدقة في العلم” (Del rigor en la ciencia)، والتي استعارها بودريار في مطلع كتابه.
5. Debord, Guy, La Société du Spectacle, Buchet-Chastel, 1967.
6. Zuboff, Shoshana, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power, PublicAffairs, 2019.
7. Han, Byung-Chul, The Burnout Society (Müdigkeitsgesellschaft)، Stanford University Press, 2015.
8. Barthes, Roland، حول “موت المؤلف” في مقالته “La Mort de l’auteur” (1967) ؛ وFoucault, Michel، حول موضوع “نهاية الإنسان” في Les Mots et les Choses (1966).
9. سلسلتا أفلام The Terminator (منذ 1984) وThe Matrix (منذ 1999)، بوصفهما موضوع تحليل ثقافي لا مصدرًا فلسفيًا. 9ب. Orlowski, Jeff (مخرج)، The Social Dilemma (المعضلة الاجتماعية) ، فيلم وثائقي، Netflix، 2020. 9ج. Brooker, Charlie (كاتب)، حلقة “Nosedive” (الانحدار)، من مسلسل Black Mirror (المرآة السوداء) ، الموسم الثالث، 2016. 9د. Jonze, Spike (مخرج)، Her (هي)، فيلم روائي، 2013.
*عضو المجلس الأعلى للغة العربية- الجزائر.




