ناتالي هاينيش
ترجمة: عبد الوهاب البراهمي
يحمل لفظ “تأويل” interprétation تعدّدا ملحوظا للمعني: فهو يشير، لو اقتصرنا على المجال الفنّي، إلى أداء الممثّل والفنان أو الراقص أو الموسيقي فيما يتعلق بمادّة المشهد الحيّ مثلما يشير إلى “الدلالة” التي يسندها قرّاء أو مشاهدين إلى عمل ما. وسأهتمّ هنا بهذا المعنى الثاني.
يجب أن تكون لنا القدرة على التفريق بين تأويلات عادية interprétations profanes ، مثل التي يكتشفها التقصّي الميداني، وتأويلات عالمة interprétations savantes، وهي التي تولّدها نصوص مطبوعة، في المجلات المختصة أو في الكتب. فإذا كانت التأويلات الأولى (العادية) وغير معروفة كثيرا، تستحقّ فعلا عناية سوسيولوجية أو انتروبولوجية، فإنّ الثانية (العالمة) تمثّل جزءا من الثقافة المشتركة لكلّ شخص مثقف: نحمل في ذاكرتنا جميعا، حتى لا نضرب أمثلة معروفة ، تحليل ميشيل فوكو، في مجال الرسم، “الوصيفات” لدييغو فيلازكيز أو، في مجال الأدب ، تحليل بيير بورديو “للتربية العاطفية” لفلوبير، أو أيضا بشكل أكثر عمقا مختلف التأويلات السوسيولوجية لأثر بروست بل تأويلاتَ تأويلاتِه هو. ولن اهتم، مع ذلك، في الإطار المختصر لهذا المقال، بمؤلّفي التأويل. ولا أكثر بمضامين التأويل، التي نميل غالبا إلى التركيز عليها. دون أن يعني هذا عدم أهمية هذه الإشكالية: فقد اقترحت في موضع آخر بأنّ ما يطرحه مختلف أصناف المُؤوّلين من تأويلات، عالِمة أو عادية، تختلف بحسب أفقها المرجعي، كونها لامتجانسة أكثر أو أقلّ (حينما يتعلق المرجع المُثار بالمجتمع أو بالحياة المعيشة) أو مستقلّة (حينما يُحيل المرجع إلى الفنّ و، الأفضل من ذلك، إلى نوع مخصوص)2. يتحكّم هذا التنوّع في درجة الخارجية أو الداخلية للمرجع، في كل تقييدٍ لدلالةِ عمل، في كلّ ضروب التأويل، منذ الشرح والتفسير والتأويل، في التقليد اللاهوتي، إلى حدّ التفسير ذي المقصد العلمي(3). لكن ليس هذا ما يشغلني هنا. إذ أيّ كان الأفقُ المرجعي لمختلف أنماط النشاطات التأويلية، فهناك قاسم مشترك بينها وهو فعل شيء ما بموجب عملية إعلان النشاطات التأويلية عن نفسها، بمعزل عن محتواها، ومرجعها ومؤلفها. سأركز إذن اهتمامي هنا – باختصار شديد- على الوظائف التي يضطلع بها تأويلُ أثر فنّي وفق إشكالية تندرج ضمن المنظور الذي دشّنه علم الاجتماع البراجماتي، خيارا بديلا للآثار الملموسة للأفعال- هذه التي لا تَصنع سوى أفعال خطاب. ولا يتعلّق الأمر هنا بملاحظة عينية لآثار هذا التأويل بل أن نرسم فحسب، في مرحلة أولية، تصنيفا لوظائف النشاط التأويلي. وسيحملنا هذا على ملاحظة تعاقب ثلاثة أنماط من التأويل، سنوضحّها بأمثلة استعرناها من تاريخ الرسم الغربي ومن تاريخ الفنّ الحديث وعلم اجتماع الفنّ والفنّ المعاصر. لكن قبل إثارة ما يجعله النشاط التأويلي ممكنا، يجدر بنا تدقيق ما يجعل النشاط التأويلي ذاته ممكنا.
الألغزة:
يقترح جورج ديدي- هيبارمان في كتاب “ما نراه وما يَنْظر إلينا” تحليلا لوضعيتين ممكنتين اعتُمدتا إزاء تجربة الفراغ، سواء تعلّق الأمر بقبرٍ”، بـ”وحيد اللون” لغازيمير مالوفيتش أو بـ”علبة” دونالد جود: من جهة نظام تحصيل الحاصل الذي بموجبه “هذا ليس إلاّ هذا” (القبر ليس إلاّ القبر، وجزءٌ من لوحة ليس إلا جزء من لوحة، وعلبة فارغة ليست سوى علبة فارغة)، ومن جهة أخرى نظام الاعتقاد، الذي بموجبه يوجد في هذا “شيء آخر” (روح الميت، الروح، عالم الآخرة، النوايا التصويرية للفنان، وتكثيف الخبرات الجمالية أو المكونات الأساسية للفنّ لا بل الوضعية الإنسانية ، الخ.)
إنّ لهذا التناقض بين الوضعيتين الذهنيتين إزاء الواقع، ميزةُ أنه ينسحب على الاعتقاد الدينيّ كما ينسحب على الإعجاب الجمالي. إنه يُبرز الاستعداد المخصوص جدّا، بل تبدّل النظرة التي يكتسبها “نظام الاعتقاد” بالتسليم بوجودٍ، من وراء المرئي، لشيء مخفيّ: إذن، للُغز مطلوب توضيحه. هذا ما أسْميته، في شأن المعلِّقين الأوائل على “فون غوغ”، بوصفها تفسيرات راهنة للفنّ المعاصر، بـ” الألغزة ” mise en enigme. إذ هي التي تسمح بـ”النظر” في عمل فنّي من وراء ظاهره المباشر، وهي التي تسمح إذن بإضفاء معنى عليه أو تمعينه.
إن إضفاء المعنى: ليس هو، بعبارة أخرى، كشفا عن معناه فحسب، بل هو أيضا وقبل كلّ شيء أن نجد فيه معنى وليس بالأحرى لاشيء. “أجد أن لهذا الأثر معنى” هذه هي المصادرة الأولية التي تجعل كلّ تأويل ممكنا حتى قبل الانخراط في الفعل التأويلي. هذا هو الإجراء الأول، والأوّلي الذي لم ينتبه إليه تحديدا أولئك الذين يركزّون الاهتمام على محتوى المعنى “المُكتشف” عوضا بالأحرى عن الاهتمام بفعل البحث ذاته. كما لو أنه من البديهي أن يثير الأثر الفني السؤال، ويشكّل لغزا يحتفظ بمعنى من خارج قبل أن نسعى للعثور عليه. حسنا، ليس الأمر كذلك : الألغزة ليست شيئا بديهيا. إنها تمثل مطلبا مُسبقا لكلّ نشاط تأويلي، مثل نظّارة لا نرى أنها هي التي تسمح لنا بالرؤية، لأنه من خلالها وبفضلها نحن نرى.
أما وقد صرفنا نظرنا عن التأويل ذاته ووجّهناه صوب منبعه- فرضية وجود معنى خفيّ، ولغز علينا تفكيكه-، فلنلتفت الآن نحو ضمانَه ، أي وظائفه. أميّز في هذا الباب بين ثلاث وظائف: العقلنة والتثمين (التقييم) والتبرير. وسأضرب أمثلة من باب التوافق، مستمدة من أعمالي السابقة، ولكلٍّ الحرية في العثور على أخرى في تجربته الخاصّة أو في توثيقه الخاص.
العقلنة:
الوظيفة الأولى للتأويل هي “عقلنة” العلاقة مع الأثر، على خلاف مقاربة حسيّة خالصة أو حساسّة له. يحافظ التناقض بين هذين التصورين أو هذين الممارستين للإدراك الجمالي على راهنيته إلى اليوم، ولا يكفّ عن مواجهتنا في النقاشات حول الفنّ المعاصر، حيث يأسف كثيرٌ للنزعة “التصوّرية” بينما يسخر منها أتباع الفن المعاصر، مثل مارسال ديشان، في تصوّر “شبكي” < rétinien > خالص للرسم. غير أنّ المعارضين لهذا النقاش يجهلون أحيانا أنّه يعود إلى أصول الأدبيات الفنّية، مع انبثاق علاقة أصولية أو عالمة savante بالآثار الفنية، مفضّلا البحث عن “معناها” العرفاني بدل الانتباه إلى الأحاسيس- الفيزيولوجية وخاصّة الانفعالية، الناتجة عن المظهر التشكيلي الخالص للأثر.
تنبثق المطالبة بالمقاربة التصوّرية، مُضافة إلى النشاط التأويلي بالفعل مع الترسيم الأكاديمي لمنزلة الرسم:” أقرئوا التاريخ واللوحة حتى تعرفوا إذا ما كان كل شيء ملائم للذات”على حدّ نصيحة “بوسان” Poussin حتى قبل إنشاء محاضرات للأكاديمية الملكية للرسم والنحت التي، تبعا لها وبالالتزام بتصورها للفنّ، ستقرّ هذه المحاضرات لا أولوية الذات فحسب، بل ستشجّع أيضا على التعليق الأدبي، مُطابِقة بين تصوّر الأثر التصويري بفعل قراءة له، وتقييمه بمواجهة الصورة بالنصّ الذي يوضّحها. إنّ دور تراتبية الأجناس، التي تضع في القمّة الرسم المسمّى” للتاريخ”- أي تصوير نصّ، سواء أكان دينيّا أو عاديا- هو أساسيّ في أولوية العقلي على الحسّي، ذي الصلة الواسعة بالبحث عن معنى أو باحترام دلالة أولية initiale. تشهد المحاضرات، منذ الجيل الأكاديميّ الأوّل، بأنّ نخبة الرسامين يلتحقون بالدائرة الموسّعة للخبراء المتعلّمين للمطالبة بخضوع الصورة للنصّ والإحساس للمعنى. يعترض البعض بعد جيل كامل ، منذ سنوات 1680، على هذه الهيمنة لتصوّر عَالِمٍ savant للرسم، يُهْمل ” فنّ الرسّام”، و” جمال الأسلوب ” و”جمال التنفيذ”، على حدّ عبارات روجي دو بيل Roger de Piles. إنّ تواجد هذين النوعين من السلوك تجاه اللوحات – العالمة أو الجمالية، الأدبية أو التصويرية، العقلية أو الحسيّة- لا يندرج مع ذلك ضمن المواجهة المنظمة بين زمرتين يتطوّر كل منهما حُججا خاصّة: يتعلق الأمر بتعارض بين مقولات أقلّ من كونه انقاسامات بين ضربين من السلوك، ومواقف نظرية أقلّ من كونها مواقف عقلية، ربما هي حاضرة في لحظات مختلفة لدى الفرد نفسه. هذا التراوح ملفت لدى ديدرو، بل ربّما هو ما يشكّل أصالة جماليته، مرآة صلبة للتناقضات ، والالتباسات والتردّدات الخاصّة لثقافة العصر.
إنّ هذه العقلنة للنظر، وبواسطة مضاعفة النصوص على الرسومات ورسوخ المعايير الأدبية للتقييم والمقاربات التأويلية، هي نتيجة مباشرة لتحرير منزلة الفنّان، أي خروجه عن النظام التقليدي، نحو نظام مهني يسمح بموقف اجتماعي أكثر قيمة. غير أنّ هذا التحرير يُصنع على حساب فقدان الرسّام لاستقلاليته، الذي دفع ثمن اندماجه في “الفنون الحرّة” وبالخصوص في الآداب، وثمن خضوعه للمعايير المُعقلنة، المستمدّة من عالم نصّي ليس عالم الرسّام ذاته. إنّ ألغزة الأثر هي هنا كما يسمح بعقلنة النظرة، والتي تضمن بدورها السموّ بمنزلة الرسام في السلم ّ الترتيبيّ.
التقييم أو التقدير:
هذا ما يقودنا مباشرة نحو وظيفة التأويل: تلك التي تنتج عن التقييم. وبالفعل، تفترض كل ألغزة أنّ الأثر يستحقّ عناء البحث فيه عن شيء، لأنّه حامل لشيء آخر عير ماديّته أو حتى (لاماديته). إنّ هذا الإجراء، الذي يكوّن كلّ إضفاء لقيمة فنّية، هو إجراء لامرئيّ في مجال أعمال مكرّسة، حيث يبدو إجراء بديهيا،لأنه بالتحديد شيء سابق لكلّ تكريس. ولا يصبح ظاهرا من جديد إلاّ بالنسبة إلى الأعمال الإشكالية، حيث لم تُشر فرادتها بعدُ إلى أطر قابلة أن يُجعل منها معيارا للكيفية.
كان هذا هو الشأن، بالخصوص، بالنسبة فان غوغ وثروته النقدية. وقد بيّنتُ بالمناسبة كيف، أنه، في النقد الذي ظهر طيلة العشر سنوات التي لحقت موته، والتي سبق عرضه الأوّل، انفتح “فضاء تأويلي” وبعبارة أخرى فضاء أنساق تأويل وإضفاء المعنى الذي يشير إلى علم النفس أو علم النفس المرضي بقدر ما يشير إلى تاريخ الفنّ. إنّ وصف اللوحات وردود الفعل التي تثيرها تترك موضعا لبحثٍ عن المعنى بإقامة صلة مبررة لخصوصية لوحة مع مجموعات أكثر عمومية: موضوعات العالم التي في متناول التمثّل ” أنماط خاصّة بتاريخ الرسم، تقنيات وأسلوبية ممكنة، أعمال منجزة من الفنان، تحديدات شخصية الخ. من الملفت للنظر ملاحظة إلى أيّ حدّ لا يستند هذا العمل التأويلي إلاّ على الوجود المفترض للغز، الذي يقصد تعدّد التأويلات حلّه: لغز رسمه، ولغز جنونه، ولغز انتحاره. إذ كيف يمكن أن نبرّر ، بواسطة الخطاب ، موضوعا ما (صورة ونصا وحدثا)، اللهمّ إلاّ بافتراض وجود شيء لنفهمه وهو أن الإدراك المباشر لا يسمح بأن نطاله؟ يبيّن مثال فون غوغ بشكل لافت بأنّه يجب على عمل فني أن ينشأ كلغز- لغزا أصيلا ، يسبق في الوجود مشروع كشفه – حتى يمكن للفعل التأويلي أن يشتغل و معه تقييم موضوعه، سواء تعلّق الأمر بالأثر ذاته أو شخص مبدعه. ينسحب الأمر على الخطابات النقدية حول الفنّ المعاصر: الفراغ العرفاني الذي تفتحه بإحباط الانتظارات العادية التي تعود إليه في شكل ألغاز. إنّ طرح وجود لغز، هو القدرة على السيادة عليه فيما بعد بأن نطبّق عليه الكلمات والمعنى. إنّ انفتاح لغز بألغزة طبيعة الأثر الفنّي، وانغلاق اللغز بتأويل هذه الطبيعة بوصفها تساؤلا، أي بوصفها مناداة للعالم المشترك: تلك هي هنا اللحظتان المتوازيتان اللتان تحدّان النقد العالم، من وراء تجربة البنية التحتية اللغوية للمواجهة مع الأثر الفنّي. هكذا نلاحظ بيسر في كتابات المختصين في الفن المعاصر وصف العُدَّة المقترحة، وأعْضَلَتها سرديا بالنسبة إلى تمشي الفنان وتاريخ الفنّ والتأويل المنهجي، الذي يحيل إلى مستوى آخر للتجربة غير الفنّ ذاته.(“الاجتماعي”، و”العالم”، و” الكوني” ، و ” الروحي” الخ). ندرك جيدا في هذه الشروط أهمية التعليق في تقديم الأثر – حيث نجد بالفعل عقلنة قد وقع ذكرها من قبل. يميل التعليق التأويلي إلى أن يتشكّل في ثلاثة أشكال: شكل سلبي ، يقول بأنّ الأثر ليس (مثلا، لعبة مجانية بالأشكال)، وفي شكل إيجابي يقول ما هو الأثر (مثلا، إخراج مشهدي لمجتمع الاستهلاك)؛ وفي شكل تساؤلي، يفترض بأنّ الأثر يطرح “أسئلة”، ويُجري ” تساؤلات”، و” يعيد النظر”. هذا ما أسميته التأويل ألتساؤلي الذي يَسِمُ المرورَ من التواطؤ إلى الألغزة التي تعمل على دخول الأثر في فضاءاتِ موضوعاتٍ جديرة للخطابِ وبالتالي للتقييم، مع الوضع بين قوسين، وفي الآن نفسه وبصورة مفارقة، للسؤال عن قيمته لصالح نقاش حول دلالته.
التبرير
إذا كانت عملية تقييم الموضوعات أو الأشخاص تندرج ضمن قواعد أو نَحْوٍgrammaire معقدّ جدّا ومتعدّد الأشكال، فإنّ عمليات التبرير للأفعال خاضعة هي الأخرى لدليل أكثر إكراها و متّصل بسهولة أكثر بالوصف. بيد أنّ التبرير باتهام المعنى (الذي يقع، فيلنموذج بولتونسكي Boltanski وتيفونوت Thévenot تحت طائلة “العالم المُستلهم”) هي عملية متكرّرة في المادّة الجمالية، بالخصوص فيما يتعلق بالفنّ المعاصر. تلك هي الوظيفة الثالثة للتأويل. إنها تفترض الوظيفتين السابقتين، من حيث أنه، من جهة أنها تمرّ بالضرورة عبر حجّة تقصد الإقناع من وراء التفاعل المباشر، وبالتالي فهي مُعقلنة نسبيا( بخلاف تعبير الوجه عن الانفعال، الذي يقتصر عليه غالبا مَنْ يريد التواصل مع شخص آخر بردّة فعل وجها لوجه مع أثر فنّي)، ومن حيث أنها تعني من جهة أخرى، أنّ صانع التأويل يُقيّد لحساب الأثر موضوع التأويل، قيمةً معينة، بما انه مدعوّ إلى تبرير وجود الأثر أو اقتناءه أو عرضه. هكذا، تقترح المسرحية المشهورة ” فنون” لياسمينة ريزا Yasmina Reza جدولا واسعا من التبريرات لنوعية أثر فنّي، انطلاقا من مشروعية ذوقِ مَاِلِكِه قُبالة عدم فهم الصديق، الذي يسخر ، بالتحديد من غياب المعنى لشبه أحادي اللون الأبيض ـ الذي يقتضي من المخاطب أن يجيب بمراكمة القضايا التأويلية، قبالة الفراغ الناتج عن المسافة بين الانتظارات الجمالية والقضية الفنيّة، أو قبالة صعوبة وضعها في تناسق، ويسمح ” السجّل التأويلي” بالحجاج على مقتضى المعنى وإضفاء الدلالة الذي نجده في النقد الذي لا يحصره العدّ من نوع “هذا لا يعني شيئا” ،… هذا فارغ”، “أود أن يفسّروا لي”. نقدا قريبا ممّا يسمّيه جان إلسار” هوس المعنى” (12)، وهذا السجل للقيم هو مهمّ بالخصوص لفهم رهانات فن معاصر، الذي، بتدميره المعايير الفنيّة القديمة، يؤدّي إلى انزياح السؤال من سؤال عن الجمال إلى سؤال عن المعنى. يتدخّل التبرير باتهام معنى، ودلالة خاصّة حينما نستدعي نقدا على صعيد إيتيقي، يمكن أن يُعترض عليه بحجاج جمالي خالص، بمفاهيم الجمال أو الانتماء للفنّ. (13) يمثّل المجال التأويلي هنا استراتيجيا يمكن تعقّبها لنوعية القضايا الفنيّة الإشكالية، التي يوفّر الفنُّ المعاصر أمثلة مهمّة عنها. ذاك هو الشأن مثلا في قضية هيونغ يونغ بينغ في مركز بومبيدو، عندما عزم هذا الفنان الصينيّ تقديم على عرض جماعي في قفص بلوري ممتلئ حشرات عليها أن تبقى على الحياة، وبالتالي أن تلتهم بعضها بعضا على مرأى من المتفرجين، طيلة مدّة العرض. إنّ المقيمين على المؤسسة (مركز بومبيدو)، وبموجب إكراههم على تبرير هذا التصرف تجاه تحرّك المدافعين عن الحيوانات، يقدمون العمل الفني بوصفه رمزا، يشير إلى النقيض تماما لما يجب رؤيته، بما أن العدوانية بين الحيوانات هي ما يفترض به توضيحا لضرورة التفاهم بين الكائنات:” إنّ عمل هيونغ يونغ بينغ ” مسرحُ العالم ” هو الترميز بصفة فلسفية للتناسق الضروريّ بين الأعراق والثقافات والأديان بالرغم من أشكال العنف والطبائع والقسوة الخاصّة بالطبيعة الأرضية”. يصبح الأثر إذن وبصورة مفارقية فعلا نضاليّا سلميّا: “يوضع المجموع على طاولة في شكل سلحفاة. إنّ السلحفاة هي الرمز الصيني للسلام. يتعلق الأمر إذن بعمل فنّي نضالي في خدمة التناسق بين الأعراق والثقافات”. ويلحّ المدافعون على العمل الفنّي إذن على الطابع غير المتناسب للرهان (حياة بعض الحشرات التي لا نتردّد في تحطيمها في المطبخ) قبالة الرسالة الرمزية التي يحملها الأثر الفني والتي يعرضها- نقيضا لكلّ عنف- أي فعل نضالي في خدمة السلام.
لنُلاحظ أن اللجوء إلى التبرير بالتأويل- وبعبارة أخرى، في السجلّ التأويلي- هو مصدر غير حاضر بشكل متساوٍ في مختلف الثقافات، على أيّ حال، مثل مجموع النحو الأكسيولوجي. فقد بينّ بحث أجري حول رفض الفن المعاصر في أمريكا أنه، إذا كان الخبراء في فرنسا ينغمسون عن طيب خاطر في تحليل رمزي للأثر الفني ، مع الإحالة إلى “خطاب” عن العالم الخارج عن الفنّ، فذاك لأنّ حجّة الجمال، ذاتها تضمن بالأحرى الطابع الفنّي، الذي يسند من وراء المحيط الأطلسي، عمليات التبرير (نلاحظ ذلك بالخصوص في قضية إيفلابروتروب lvlapplethorpe، عندما حوكم في ستينات عام 1980، محافظ متحف سينسيناتي Cincinnati، ثم وقع إطلاق سراحه، بموجب عرضه لصور فوتغرافية اعتبرت خادشة للحياء (بورنوغرافية).
عندما يقع استدعاء السجلّ التأويلي يكون ذلك في شكل، عَاِلمٍ savavnt أو عارف، للقراءة العوارضية symptomale (الأثر الفني بوصفه عارضا لواقع خارج عن عالم الفنّ) أقلّ من استدعاءه في شكل عاديّ profane
التأويل بوصفه مشكلا بالنسبة إلى علم الاجتماع
عقلنة التقبّل وافتراض قيمة الموضوع المُؤؤّل وتأطير أنماط دفاعه: لا يمكن لعلم الاجتماع، في ضوء هذه الوظائف الثلاث التي يضطلع بها الفعل التأويلي، أن يدخل على نحو ساذج في اللعبة التأويلية. فإذا كان يريد أن يقترح بدوره تأويله الخاص، فعليه أن يضطلع، من جهة بالنتائج البراجماتية لمقترحه. ومن جهة أخرى فإنّ التخلّي عن كل موقف خارجي تجاه الفاعلين، حينما يتموقعون على نفس السجلّ المقالي.
لكلٍّ أن يتخذ موقعا داخل هذا الفضاء للإمكانات التي توهب لعلم الاجتماع. فمن جهة نجد أولئك الذين يتصوّرون الخطاب السوسيولوجي حول الفنّ بمثابة نمط تأويلي إضافيّ بالنسبة إلى الأنماط الأخرى الممارسة في ميدان العلم، لا يملك من خصوصية سوى إضافة مرجعية في معنى المجتمع (مرجعية مستثمرة بقوّة منذ جيل، من قبل نقاد الفنّ المعاصر). وفي الجهة المقابلة ، نجد أولئك الذين يتحفّظون عن أيّ خطاب حول الأعمال الفنية، ليهتموا بموضوع واحد بالعلاقة التي يقيمها الفاعلون بهذه الأعمال. ويركزّ المدافعون عن التحليل البنيوي، بين هذين الموقفين، على تحاليلهم على النسق الداخلي المنظّم لواحد أو عدّة أعمال فنيّة.
إنّ اختيار، كما أحاول أن أفعل في أعمالي في علم الاجتماع عن الفنّ، الخطّ الأكثر توافقا مع علم الاجتماع، أي الأكثر خصوصية لهذا التخصص، يعني أن نتخلّى عن صناعة تأويلات للفنّ، حتى نهتمّ بالتأويلات التي ينشئها الفاعلون، عادية أو عالمة. لا ازعم أن هذا الموقف هو الموقف الوحيد المناسب. بل أعتبر أنه فحسب الأكثر حذرا، إذا كان علم الاجتماع متمسكا بتخصّصه. ويحدث أن يبدو لي أيضا أنه الأكثر إنتاجا- حتى إثبات خلاف ذلك.”
ناتالي هاينيش “علم الاجتماع” 2008 (13) ص 11- 29 نشر هارتمان.( انظر www.cairn.info (IP: 197.3.116.221




