المجلة الثقافية الجزائرية

مراجعة انتقادات رائد الحواري لكتاب الفنتازيا الإسلامية

أ. د. سماهر زنّون*

تبدو الدراسة المخطوطة للباحث فراس حج محمد، “الفنتازيا الإسلامية: ميتافيزيقيا السرد الإسلامي” علامة ذات أهمية خاصّة في النقد العربي المعاصر، ليس بوصفها استعراضاً نصوصياً لجانب من سرود العجائبية التراثية فحسب، بل لكونها تؤسس لنظام (إبستمولوجي) جديد يملأ ثغرة معرفية في المكتبة العربية تتعلق بمفهوم ميتافيزيقيا السرد ذي الطابع الإسلامي العقدي الصرف، وكوني إحدى الباحثات في هذا التراث لما يقارب عقدين من الزمن، فإنني أرى أننا- في الحقيقة- أمام مشروع جادّ ومغاير يتجاوز القراءة الوصفية التبسيطية للتراث لينفذ إلى جوهر زيادات الخيال المبدع بوصفها بنية سردية حية، لا تنفصل عن المعتقد، بل تستمد منه شرعيتها الوجودية والفنية، وتتوافق مع فكرة القصّ الشعبي ذي الأصول العقدية التي تمتلئ بها كتب هذا التراث بطريقة تستدعي العمق في التأمل والحصافة في التفكير والمنهجية في التأليف والخبرة في التحليل النقدي. 

إن الأطروحة المركزية التي يطرحها الكتاب، والتي نتبناها في هذه المراجعة، تقوم على تفنيد الرؤية النقدية القاصرة التي ترى في الخيال التراثي المرتبط بالغيبيات جماليات جافة أو وعظ مباشر، فالباحث والناقد فراس حج محمد يبرهن على أن الخيال في المنظور الإسلامي هو خيال ضروري؛ فهو ليس هروباً من الواقع كما في الفنتازيا الغربية “الأبترية”- نسبة لـ (ت. إي. أبتر)، بل هو اختراق للواقع للوصول إلى الحقيقة الكلية، وإن الربط المنهجي بين المعتقد الديني والفضاء الفنتازي يكشف عن جدة منهجية- لا نستطيع إخفاء إعجابنا بها- تخرج الغيب من حيز الصمت العقائدي إلى حيز المادة السردية الحية ذات المفاعيل العاطفية والعقلية في آن واحد.

لقد تعرض كتاب حج محمد “الفنتازيا الإسلامية”- وهو بعد مخطوطاً- لهجوم نقدي فيما طرحه الناقد رائد الحواري ونشره في موقع الحوار المتمدن (العدد: 8796 بتاريخ: 13/8/2026)، ما دفعنا إلى الاتصال بالمؤلف طالبين منه الاطلاع على الكتاب؛ لأنه يقع ضمن دائرة اختصاصنا الأكاديمي، ولم يبخل علينا به، لنكتشف أن الناقد الحواري قد غفل عن هذا الجوهر المنهجي لطروحات حج محمد، وحاول محاكمة النص الفنتازي الإسلامي بمعايير الواقعية السطحية أو التبعية للمصطلح الغربي، إننا هنا نفند هذا الهجوم عبر إثبات أن الفنتازيا الإسلامية لا تحاكي الغرب، بل تستحضر عوالمها من يقين غيبي يجعل من النص السردي ككتاب التوهم أو المنامات فضاءً زمكانياً يتجاوز فيزياء المادة إلى ميتافيزيقيا الروح.

يمثل التمييز الاصطلاحي بين “الفنتازيا الإسلامية” والأسطورة (Mythology) حجر الزاوية في بناء أي نقد رصين لهذا المبحث كما فعل الحواري وحج محمد، وإن الخلط بينهما ليس خطأ عابراً، إنما قد يشكّل منزلقاً نقدياً يهدم خصوصية التجربة السردية الإسلامية، فبينما تتغذى الأسطورة الغربية من روافد وثنية أو تخييلات شكّية غير يقينية، تنبثق الفنتازيا الإسلامية من صلب العقيدة التي يرى فيها المؤمن حقيقة مطلقة، واستناداً إلى المتن المعرفي للكتاب، يمكننا تفكيك هذا التمييز عبر خمسة فروق جوهرية تضرب في عمق الأصالة:

أولاً: التأسيس المعرفي؛ فالفنتازيا الإسلامية تستند إلى ميتافيزيقيا توحيدية تنهل من الوحي مادتها، حيث يصبح الغيب عماد سردية يقينية، بينما تقوم الأسطورة على تعددية وثنية ومخيلة بشرية قلقة.

ثانياً: طبيعة الكائنات؛ ففي النص الإسلامي، نجد الملائكة والجن والروح كائنات لها وجود حقيقي في الوعي الجمعي الإسلامي وفي النص الثابت، وليست كائنات خرافية أو مسوخاً فنتازية بالمعنى الغربي، إنها، كما يرى كمال أبو ديب في دراسته لكتاب العظمة، تمثيلات لقدرة المخيلة العربية على صياغة الكوني والغيبي في قوالب سردية تتجاوز المألوف.

ثالثاً: الهدف السردي؛ يهدف السرد الفنتازي الإسلامي إلى تسامي النفس وتحقيق اليقين، بينما تهدف الأسطورة غالباً إلى تفسير ظواهر الطبيعة تفسيراً خرافياً أو تحقيق متعة التخييل المحض.

رابعاً: الفضاء الزمكاني؛ حيث يتحرك السرد الإسلامي في فضاء حقيقي مستقبلي متمثل في البرزخ، وحياة ما بعد البعث، وهو فضاء يسكن روع القارئ بصفته فضاء ممتداً، وليس فضاءً موازياً منفصلاً عن الواقع الوجودي.

خامساً: المنطق السردي؛ إذ تخضع الفنتازيا الإسلامية لمنطق الغيب الذي هو جزء لا يتجزأ من الحقيقة الكلية، بينما تخلق الفنتازيا الغربية منطقاً ذاتياً منهاراً بمجرد انتهاء النص.

إن هذا التفصيل العلمي يفند ادّعاء الناقد الحواري بأن المصطلح مستورد كما حاول أن يقرّر؛ فالفنتازيا الإسلامية هي ابنة شرعية للتراث، تمتلك مرجعيتها الغيبية الخاصة التي تجعلها متفوقة في بنائها الميتافيزيقي على أوهام الأسطورة الغربية، واستعارة اللفظ نفسه لا يعني بأية حال من الأحوال الاستناد إلى ما يعنيه، إنما من أجل إيجاد أرضية مشتركة بين المؤلف وبين النقاد، ليسهل تعبئة المصطلح بمعاني جديدة أو حقنه بمفهوم جديد، ولأجل هذا الغرض المشروع بحثياً استغرق المؤلف كثيراً من تحليل المدونات التراثية ذات العلاقة من أجل أن يثبته، وهذا جهد علمي منضبط ومنهجي سار عليه كثير من النقاد قبل فراس حج محمد، وينبغي أن يسير عليه كل باحث جادّ.

يمثل كتاب التوهم للحارث المحاسبي ذروة التجلي السردي للفنتازيا الإسلامية، بل إن اتخاذ هذا الكتاب نموذجاً تطبيقياً ليس محض اختيار تاريخي عشوائيّ، إنما يبغي المؤلف من خلاله الكشف عن أن المحاسبي كان فنتازياً بامتياز، يمتلك أدوات الإخراج السردي قبل قرون من تنظيرات الحداثة الغربية لهذا الفن المُوثّن في دراساتها النقدية وتنظيراتها الأدبية.

ونحن هنا نفند اتهامات الناقد الحواري بضعف السرد عند المحاسبي أو حشره فقط في البورنو الجماعي؛ فالنص يمتلك قوة الرؤية البصرية الغيبية التي تحول الكلمات إلى مشاهد سينمائية حية، حيث يعتمد المحاسبي تقنية الاستحضار الذهني عبر مخاطبة مباشرة خارقة للحجب (أرأيتِ، توهم، يا نفس)، وهي أدوات تخلق صدمة فنتازية تضع المتلقي في قلب الحدث، ولنتأمل هذا الاستشهاد الطويل من كتاب التوهم الذي يجسد لحظة الرعب القدسي مع تسامي المعجم اللغوي:

“فتوهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك، فتوهم نفسك في نزع الموت وكربه وغصصه وسكراته وغمّه وقلقه، وقد بدأ الملك يجذب روحك من قدمك فوجدت ألم جذبه من أسفل قدميك، ثم تدارك الجذب واستحث النزع وجذبت الروح من جميع بدنك، فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى أعلاك حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه وعمت آلام الموت جميع جسمك وقلبك وجل…”.

في هذا النص، لا يكتب المحاسبي كلمات، بل يمارس بناءً بصرياً مكتملاً، من خلال تقنية (توهم) التي كانت أشبه بعدسة تحرك وعي القارئ في فضاء افتراضي يتجاوز الحواس، إنها أزمة ميتافيزيقية تخلق توتراً درامياً يفوق الصراعات الخارجية في الروايات التقليدية، فالصور التي رسمها المحاسبي للجحيم، بوصفها تجسيداً للألم المطلق، والجنة بوصفها تسامياً للنعيم، ليست وعظاً، بل هي بناء لمشاهد سينمائية تستخدم تسامي المعجم الحسي؛ (الموت، سكراته، الملاك، ربك) لخلق واقع بديل يحقق اليقين السردي، وإن هذا الخصب الخيالي يثبت أن التراث الإسلامي يمتلك تياراً فنتازياً ممتداً، لا يحتاج لاستجداء مفاهيم الغرب، بل هو الذي يمنح الفنتازيا معناها الوجودي الأعمق.

يتجاوز الناقد الحواري عن كثير من النقاط المهمة في الكتاب، فلم يتوقف- مثلاً- عند ما جاء في الفصل الرابع الذي يتحدث فيه المؤلف عن فضاء البرزخ كما تجلى عند ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات، حيث يبدو البرزخ فضاء فنتازياً عبقرياً يتجاوز المنطق الفيزيائي للزمن والمكان، ففي عالم المنامات، يتم إلغاء المنطق الفيزيائي؛ فتُطوى المسافات البرزخية، ويلتقي الأموات بالأحياء في لحظة ذهنية واحدة تكسر حاجز الزمن الخطي.

نفند هنا رأي الناقد الحواري الذي يدخل المنامات في مفهوم الخرافات؛ نظراً لنزعة التعميم في خطابه النقدي الانفعالي، فالتحليل الأكاديمي يثبت أن تلك المنامات كانت استجابة ذهنية مؤجلة وتمثيلاً لتسامي المعجم الحسي، إن المنام في هذا السياق هو أداة سردية تسمح للروح بالحركة في فضاء غير نيوتني، حيث القوانين فيزيائية خاصة تعتمد على شفافية الكائن وسيولة المكان.

إن نصوص ابن أبي الدنيا- مثلاً- تكشف عن تفوق المخيلة الإسلامية في خلق فضاء زمكاني غيبي يتسق مع قوانين الغيب، فعندما يصف لقاء الأرواح في البرزخ، فإنه لا يقدم خرافة، بل يقدم ما يصـح تسميته سديمية فنتازية؛ تمنح الإنسان الحي وعياً بمصيره الكلي كما يقول حج محمد، هذا السرد البرزخي يمثل قصر المسافة بين الآن- الحياة الدنيا وبين الهناك- الحياة الآخرة أو حياة البرزخ، وهو ما يمنح السرد العربي أبعاداً ميتافيزيقية تتجاوز السطح المادي.

نفند هنا الادعاء النقدي المتسرع للناقد الحواري الذي يتجاوز فيه الحديث عن الملامح الدرامية في نصوص الفنتازيا الإسلامية، لتبدو وكأنها تفتقر إلى الدراما، وتكتفي بالوعظ، إن هذا النقد الجزئي ينبع من عدم تأمل وتعمّق بآليات التأزم الوجودي، كما أشار إلى ذلك باحثون مختصون بتفكيك هذا النوع من السرد، وعليه فإن السرد الإسلامي يمتلك خصائص فنية معقدة، نجملها فيما يأتي، كما تظهر في مدونة فراس حج محمد التحليلية:

1. الاستباق الذهني المؤجل: وهو وضع المصير النهائي أمام العين الحاضرة، مما يخلق توتراً بين الفعل الدنيوي والجزاء الأخروي.

2. تسامي المعجم الحسي: استخدام لغة الحواس؛ الألوان، الروائح، الملامس لوصف عوالم لا تدركها الحواس، وهو عين الخيال المبدع ووظيفته، هذا الخيال الذي يربط الذات بالمطلق.

3. إلغاء المنطق الفيزيائي: التحرر من قيود الجاذبية والزمن الأرضي لصالح قوانين الروح، كأن اختلاف العوالم بين أرضية وغيبية تفترض قوانين خاصة لكل نوع من هذين النوعين، وهذا قمة الانتباه النقدي ومراعاة الانسجام الذي يحسب للمدونة الإسلامية أولاً قبل الباحث، ولم يكن دور الباحث سوى الكشف عنه وتجليته.

4. التوتر الدرامي (التأزم البسيط): إن لحظة الموت أو الوقوف للحساب في هذه النصوص هي ذروة التأزم (Climax)، إنها أزمة ميتافيزيقية تضع الكائن في مواجهة الحقيقة الكلية، وهي دراما داخلية تتفوق في شدتها على أي صراع خارجي عابر.

يشير (T.E. Apter) في تنظيراته للفنتازيا، أنّ هذا النوع من السرد يعيد بناء الواقع؛ وفي الحالة الإسلامية، تتم إعادة البناء لخدمة الرعب القدسي الذي يقود في النهاية إلى الطمأنينة اليقينية، إنها فنتازيا تبني ولا تهدم، تجمع ولا تشتت، وهو ما يخرجها من دائرة العبث الغربي إلى رحاب النظام الكوني.

إن تهافت النقد السلبي، الذي دبّجه الناقد رائد الحواري، يتضح جلياً أمام صلابة المتن المنهجي الذي قدمه فراس حج محمد، فلقد حاول النقد التقليدي للحواري تقييد “الفنتازيا الإسلامية” في أغلال التبعية للنظرية الكلاسيكية للنصوص الدينية، لكن الكتاب يثبت أننا أمام (مانيفستو) جديد لقراءة التراث، جدير بالمناقشة الهادئة المطمئنة المتسلحة بأدواتها المنهجية الرصينة.

إن “الفنتازيا الإسلامية” ليست محض دراسة أدبية نابعة من التمتع الذهني، إنما هي بيان علمي يستعيد الاعتبار للمخيلة العربية الإسلامية بوصفها منبعاً للجماليات الميتافيزيقية الراقية قبل ولادة الفنتازيات الغربية، ولقد استطاع المؤلف، عبر استدعاء النص الديني ونصوص كل من المحاسبي، وابن أبي الدنيا، وكمال أبو ديب، وعبد الله عزام، أن يثبت أن الغيب ليس مادة للجمود، بل هو أفق للإبداع السردي المعقد الذي يتجاوز سطحية المادة والنظرة النقدية، هذه النظرة التي دفعت الحواري لأن يشنّ هجومه الكاسح بلا هوادة على شخص عبد الله عزام، متجاوزاً مناقشة الهدف الرابط بين كتابه السردي “آيات الرحمان في جهاد الأفغان” وبين الفكرة الكلية التي يقوم عليها كتاب “الفنتازيا الإسلامية” للباحث الأكاديمي فراس حج محمد، وهذا ليس دفاعاَ عن عبد الله عزام ومنطقه في بناء سروده الفنتازية إنما هو انحياز للمنهجية التاريخية لدى الباحث حج محمد الذي أخذ بعين الاعتبار امتداد الفنتازيا في نصوص قديمة وحديثة وفي سياقات مختلفة، تثري البحث والمنهج وتعمّقه.

ندعو في ختام هذه المناقشة الفكرية النقدية إلى إعادة قراءة هذا الاجتهاد النقدي بعيداً عن الأحكام المسبقة والمؤطرة بأفق سياسي وأيديولوجي معيّن، تغلب عليه النظرة الاشتراكية الجامدة. وينبغي النظر إلى طروحات حج محمد باعتبارها أفكاراً يمكن أن تكون تأسيسية لمبحث “ميتافيزيقيا السرد الإسلامي” أو “الفنتازيا الإسلامية”، وهو المبحث الذي يحاول فيه مؤلفه أن ينهي التبعية النقدية للغرب، ويؤسس لمنهج أصيل ومعاصر في آن واحد، منهج يرى في الخيال اليقيني أداة لتحقيق الاتصال بين الإنسان وحقيقته الكبرى التي تجعله يدور في الفلك الإلهي بدائرة مغلقة تبدأ من الحياة الدنيا لتواصل تتابعها نحو الحياة الآخرة لاكتمال الدائرة؛ كما جاء في مبحث “سردية محتملة ليوم القيامة” (الفصل الثامن) في نهاية كتاب “الفنتازيا الإسلامية”، وقد تجاوز الحواري الإشارة إليه من قريب أو بعيد، ففي هذا المبحث الفلسفي تقطير صافٍ لرؤية الكاتب ورؤاه البحثية والعقدية، وفيه بيان منهجي لكيفية توظيف النص الديني لبناء سردية روائية منطقية ومتكاملة بناء على فكرة “الفنتازيا الإسلامية”.