دكتور خالد عزب
صدر عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة في القاهرة كتاب (مقدمات طه حسين) وهو من جمع وتعليق الأستاذ علي قطب، الكتاب جاء في ظل قيام عدد من دور النشر باعادة نشر كتب طه حسين في ظل انتهاء حقوق الملكية الفكرية لمؤلفاته، وتميز في هذا السياق الدار المصرية اللبنانية التي قدمت طبعة مزوده بدراسات وتعليقات وافيه، في حين ذهبت دار بيتالحكمة لمنحي مختلف وهو جمع كل المقدمات التي كتبها طه حسين لتقديم كتب رأي أنه يجب أن يساندها، وفي حقيقة الأمر نحن هنا أمام تيار فكري قاده طه حسين، وعبرت عنه مقدماته لكتب الأخرين، الكم الهائل لهذه المقدمات وتنوع موضوعاتها يضعنا أمام مفكر رأي لأن يقود حراكا فكريا تجاوز فيه ذاته، وفي رأي علي قطب أن طه حسين يمتد في مقدماته زمنيا، فتعيش أفكاره في نصوص أخري، إنه يرسم لصوته مدارات جديدة تصله بقاريء أخر، هنا يلتقط علي قطب شيئا مهما في شخصية طه حسين هو قدرته علي كسب جمهور جديد خارج الدائرة التي أعتادت علي قرائته، فهو لم يحبس نفسه داخل مدرجات الجامعة بل اشتبك مع الرأي العام عبر الصحافة وكتبه، فخلق أجواء من النقد والاتفاق حوله، وصار يتابعه من يحبه ومن ينتقده، فتحول لحاله من حالات المشروع الفكري الذي يثير الكثير.
اتبع علي قطب في هذا الكتاب الترتيب الزمني، واختار ذلك حتي يقدم لنا ما يشبه سيرة الحركة الثقافية من خلال صوت طه حسين، وفي السياق نفسه نري طه حسين عبر نصف قرن في صحبة أصدقائه من المبدعين، فالترتيب الزمني في رأي علي قطب يناسب طبيعة السيرة والتطور، إن طه حسين لم يكن ذلك الذي يقدم كتابا وحسب، أو نصا يقرأ فقد بل يسرب ما لديه من أفكار عبرها، حتي يكررها بصيغ مختلفة، فهو في كل محل يستخرج منه ما يتوافق مع منهجه ففي مقدمته لنظام الأثنيين، نراه يقدم القسم العملي في فلسفة أرسطاطاليس إلي أربعة أقسام علي النحو التالي:
الأول: البحث عن الانسان من حيث إنه جماعة سياسية، وهو الفلسفة السياسية.

الثاني: البحث عن الإنسان من حيث إنه فرد من جماعة له حقوق وعليه واجبات، وهذا هو علم الأخلاق.
الثالث: هو البحث عن الإنسان من حيث أنه مفكر، وهذا هو علم المنطق.
الرابع البحث عن الإنسان من حيث إنه مفكر يريد أن يعبر عما يجول في خاطره من صورة وحكم، وهذا هو علم البيان.
كان طه حسين مدركا أنه لابد أن يشد من عضد تلامذة الجامعة المصرية فكتب مقدمة لأحمد بيلي فقد قدم دراسته للدكتوراة عن (حياة صلاح الدين الأيوبي) وهي من أوائل الدراسات المعاصرة في التاريخ الأيوبي، ومما نستنتجه الأن أن أحمد بيلي اختفي كباحث مرموق بالرغم من أن كتابه ذاع وانتشر وطبع أكثر من مرة، وما زال يطبع، وهذه ظاهرة لم تدرس بعد، فيجب طرح تساؤل حول اختفاء عدد من الباحثين المصريين الذين تخرجوا في مراحل مبكرة من تاريخ الجامعة المصرية، طه حسين في مقدمته كان متواضعا فقد نعت تلميذه بأنه صديقه، وتمني له التوفيق، وأشاد بأنه وفق إلي شيء من النفع كثير وكثير جدا، استغل طه موضوع الكتاب ليربط الماضي بالحاضر فقد أدرك أن التاريخ حلقات ودروس نتعلم منها، طه حسين كشف عن وجه يري الحضارة الإسلامية صامدة وبها ايجابيات حينما ذكر ما يلي في مقدمته: (أظهر الدكتور بيلي في هذا الكتاب وجها من وجوه الشخصية المصرية التي حمت الحضارة مرات، فعصمت حضارة اليونان وفلسفتهم من الضياع، وصدت غارات الصليب عن الشرق وأهله، فاستبقت للحضارة الاسلامية حياتها وقوتها، ثم ذادت التتار عن هذا العالم الإسلامي أيضا، وكانت أخر معقل أوت إليه أثار المسلمين العقلية والأدبية، فظلت فيه أمنة حتي أتيح لها هذا العصر الذي نحن فيه والذي أخذ يبعث فيها القوة والحياة) طه حسين كان ناقدا لتخلف المسليمن نعم، ولكنه كان يحمل للنتاج الحضاري لهم التقدير، وهذا ذات ما خلص إليه الدكتور عمار علي حسن في كتابه (بصيرة حاضرة.
كان طه حسين مهموما منذ فترة مبكرة بجوهر التعليم وأهميتة في بناء الأمم لذا في مقدمته لكتاب (روح التربية) لجوستاف لوبون الذي صدر مترجما في عام 1922، نراه يدفع قاريء الكتاب إلي النقد والتحليل وليس قبول كل ما طرحه المؤلف ، فيقول: (فمن الحق أن تقرأ هذا الكتاب فتصل منه إلي نتيجتين اثنتين، كلتاهما قيمة:
الأولي: الشعور بهذه العيوب الكثيرة الخطرة التي تفسد التعليم في مصر خاصة وفي الشرق عامة.
والثانية: العلم بالقواعد الأساسية التي يتخذها المصلحون المحدثون لتغيير النظم التعليمية علي اختلافها وعلي اختلاف موضوعاتها وأطوراها)
وجه طه حسين أيضا لنقد الكتاب وعدم قبول كل ما جاء به.
الخلاصة: طه حسين عبر صفحات هذا الكتاب يقدم لنا أخر لطه حسين يساعدنا علي اعادة بناء رؤيتنا له كمفكر وكاتب أراد أن يبني ثقافة عربية معاصرة قوية.





