المجلة الثقافية الجزائرية

ملامح من الحكاية الشعبية في فلسطين والأردن

د. محمد حسين عبد الرحيم السماعنة

الحكاية الشعبية هي عمل أدبي يتم نقله من جيل إلى جيل شفهياً، وهي تستند إلى الواقع أو تستمد أحداثها من الخيال، فهي تبنى على وقائع اكتسبت نوعا من البطولة حدثت بالفعل، أو نسجها خيال مبدعها الأول المجهول غير المعروف، وبناها نثرًا أو شعرًا، وراعى فيها السمات التي تمكنه من جذب اهتمام المستمعين والقارئين. فالحكاية الشعبية إبداع فردي تحول بكثرة النقل الشفوي إلى أدب جماعي يعبر عن آمال الجماعة وأحلامها ومخاوفها وآلامها.

وتزخر جلسات الناس في فلسطين والأردن بذكر حدث من أحداث حكاياتهم، أو مثل من أمثالها، ويكثر ذكر أبطال هذه الحكايات للتذكير أو التمثيل او التشبيه او التحذير.

 وللحكاية في فلسطين والأردن سمات واضحة وأركان تتكرر لا غنى للحكاية عنها، يمكن ملاحظتها عند قراءة مجموعة من الحكايات، وسأحاول في هذه المقالة استخراج السمات والأركان المشتركة للحكايات الشعبية في فلسطين والأردن من تحليل حكايتين من الحكايات الشعبية في فلسطين والأردن.

أما الحكاية الأولى فهي حكاية “بديعة” وهي من كتاب الحكاية الشعبية في محافظة معان، لطه الهباهبة، وتتحدث الحكاية عن بديعة البنت الحلوة التي كانت تعيش مع أمها وأبيها، وأنها ذهبت مع بنات عمها لجمع الحطب، والتقطت عظمة مزركشة في الطريق، والتهت بها، فتساقط الحطب بسبب ذلك منها أكثر من مرة، فانشغلت بالتقاطه مما أخرها إلى الليل وحيدة بعد أن سبقتها بنات عمها اللواتي طلبن منها عدم جمع الحطب الساقط، لكنها لم تسمع نصيحتهن، وتحولت العظمة المزركشة إلى غول أخذتها إلى قصره للعناية به، وبقيت بديعة في القصر زمنا أبكاها وأبكى أبويها، الذين فقدا بصرهما حزنا عليها، وكان لبديعة عنزة عند راعٍ، وكان الراعي يوما بالقرب من قصر الغول، ومعه عنزة بديعة، فتوقفت العنزة، ورفضت السير، ليسمع الراعي نداء بديعة المسجونة في قصر الغول، وفعلا سمع الراعي النداء وصرخة الاستنجاد ، فأعلم محمد الشاطر، الذي دخل القصر، وحملها معه. حملت بديعة معها كل الأدوات ولكنها نسيت الغربال الذي أعلم الغول بنبأ هروب بديعة فلحقت الغول ببديعة، واستخدم محمد الشاطر السحر للقضاء على الغول، ووصلت بديعة إلى أبيها، وأعادت لهما البصر، وتزوجت من محمد الشاطر.

أولا: تبدأ الحكاية بالجملة المفتاحية الاستهلالية ” كان يا ما كان” وهي جملة احتراسية تنبيهية ضرورية في الحكايات الشعبية الفلسطينية الأردنية؛ لأنها تعلن بدء السرد، وتجمع آذان المستمعين على صوت الراوي، وفيها إبعاد للشكوك، وقطع لدابر أي تأويل مغرض أو بريء قد يورث للراوي أذى، أو ألما من أي سلطة كانت؛ فهي جملة تعوم الحدث مكانا وزمانا، فلا تحدد زمانا، أو مكانا، أو شخصيات لها علاقة بالواقع الذي يعاصره الراوي، وهذا عمل مقصود توافق عليه الرواة جميعُهم في حكاياتهم، مما يؤكد ارتباط الحكاية بالواقع السياسي والاجتماعي ارتباطا قويا.

ثانيا: في الحكاية بطل متفرد بالبطولة والفعل القوي المؤثر، وهو بديعة، الفتاة الجميلة وحيدة أبويها اللذين يحبانها حبا جما، وكانت تعيش في كنفهما حياة ناعمة هادئة هنية ملؤها الدفء والحب، اختطفت الغول بديعة بحيلة انطلت عليها، فتحولت حياتها إلى حياة ذل وشقاء بعد أن كانت حياة نعيم وهناء. وتغير الحال جاء نتيجة تغير المكان، فقد نقلتها الغول من دار أبيها دار السعادة والحب إلى قصرها مكان الذل والعبودية، وهذا الانتقال المكاني والحالي واضح في الحكاية. وهذا الانتقال الذي يؤدي إلى تغير الأحوال في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية، وأساس في تغيير مسار الحكي وتصاعد الصراع والتشويق.

ثالثا: بنيت الحكاية على تقلب البطل من حال إلى حال، وتقلب الشر من هيئة إلى هيئة بعد تصرف أو سلوك أو حركة يقوم بها بطل الحاكية، ففي حكاية بديعة نقطة واضحة تبدأ منها التحولات من حال إلى حال هي التقاط بديعة للعظمة، وبسببها يتم نقل البطل إلى مكان آخر متعب ومؤذٍ غير المكان الذي كان يعيش فيه هانئا مرتاحا، فالتقاط بديعة للعظمة المزركشة هو الذي جلب لها كل هذا الأذى الذي أصابها، ونلحظ في التقاط بديعة للعظمة ما يأتي:

أ – أن الشر مزين مغرِ مبهرج معد بعناية لإغراء البطل واستدراجه، وكأنه يذكرنا بقصة الشجرة وسيدنا آدم، فهذا الإغراء والاستدراج ركن أساس من أركان الحكاية الشعبية الفلسطينية والأردنية، وفيه تعليم وتنبيه وتحذير من كل ما يظهر الوجه الخارجي الجميل، وهو من داخله نار وجحيم وشر مستطير، وكأن الحكاية تريد أن تقدم لنا نصيحة تقول إنه ليس كل ما يلمع ذهبا، وهذا يتفق مع أهداف كثير من الحكايات الشعبية التي بنيت لتقديم النصح والتحذير.

ب – إن وقوع البطل في الخطأ قد سبب الأذى والألم والحزن والقلق لغيره، فهو بقلة انتباهه آذى أكثر من طرف بريء، لم يخطئ ولم يشارك في الخطأ، وكأن الحكاية تقول إن على الإنسان أن يكون حذرا وحريصا على خطواته وتصرفاته وأقواله وأفعاله كيلا يؤذي نفسه ويؤذي غيره؛ فالتقاط بديعة للعظمة المغرية المزركشة دون التفكير بعواقب هذا الفعل، هو السبب في نجاح الغول في اختطافها، مما جلب الحزن والهم لأبويها وآذاهما بالعمى.

رابعا: في الحكاية إشارة واضحة إلى أن العلاقات الاجتماعية المتوترة تضعف الإنسان في مواجهة الصعاب، فبنات العم تركن بديعة وحيدة تلتقط ما وقع منها من الحطب، ولم ينتظرنها، ولو أنهن انتظرنها لما استطاعت الغول اختطافها.

خامسا: وتؤكد الحكاية أن العلاقات السوية الحسنة ضرورية للحياة الآمنة، فالبطل في الحكاية لم يصل إلى الخلاص من الوضع المؤلم بجهده وبطولته وحدهما، وإنما بمساعدة آخرين، فقد حمل الراعي الأخبار عن سجن بديعة، ودلت العنزة على مكان سجن بديعة، وأخرجها محمد الشاطر من السجن، ووجد محمد الشاطر من يساعده في التخلص من الغول وهو المساعد الذي أعطاه السحر الذي به ضعفت الغول وانتهت. ولعل ذلك يشير إلى وقوف عالم الخير إلى جانب كل من يطالب بحقه ويسعى لنيله، وإلى جانب كل من يسعى للتحرر.

  سادسا: كانت الحيلة في الحكاية عنصرا قويا، فقد احتال الغول على البطل بأن تشكل عظمةً مغريةً مزركشة أغرت البطل لالتقاطها، واحتال محمد الشاطر للدخول إلى قصر الغول، لتؤكد الحكاية بذلك أهمية العقل والفطنة وحسن التدبير والتدبر في الوصول إلى الأهداف. والحيلة ركن أساسي من أركان الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية.

سابعا: تتكرر في الحكاية كما في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية كلها جمل مسجوعة رشيقة سهلة الحفظ قد تجري مجرى المثل، فيها روح غنائية مسيطرة. ولعل الهدف من هذه العبارات هو تأكيد القيم المبثوثة في الحكاية، وتثبيتها في عقل المستمع، وتركيز انتباهه على الحال المرادة والصورة المرسومة، بالإضافة إلى زيادة التشويق في الحكاية.

ثامنا: تستخدم الحكاية الشعبية الفلسطينية والأردنية اللهجة العامية، وهي في حكاية بديعة عامية مطبوعة بطابع أهل معان، وذلك من طريقة نطق الكلمات التي أظهرها الضبط. ولعل استخدام العامية يعود إلى أن الحكاية هي ابنة الشعب ومؤنسته، وفيها يضع آماله وأحلامه وآلامه؛ ولذا جاءت الحكايات بلغة الشعب لا بلغة الخاصة، فهي حكايات قريبة من البسطاء والفقراء تشتبك مع حياتهم، وتعبر عنهم لغة ومعنى وصورة، عن قيمهم المحبوبة، وصفاتهم المرغوبة، وأحلامهم وآمالهم ومخاوفهم.

تاسعا: في الحكاية تركيز على العدد ثلاث؛ فبديعة أسقطت الحطب ثلاث مرات، والساحر أعطى محمد الشاطر ثلاث كلمات، والغول مات بعد ثلاث محاولات، والعنزة بقيت ترفض السير ثلاث مرات، والراعي سمع صوت بديعة بعد ثلاث محاولات؛ ولعل ذلك يغرس في النفوس عدم الاستسلام والاستمرار في البحث، والمتابعة والتحدي للوصول إلى النهاية المحتومة السعيدة.

عاشرا: تتكرر النهاية السعيدة في الحكايات الشعبية الأردنية والفلسطينية، فقد انتهت حكاية بديعة بزواج محمد الشاطر من بديعة لتؤكد حتمية الفرج بعد الشدة، وانتصار الخير على الشر؛ فكانت نهاية واضحة متوقعة معروفة عند المستمع، لأن الراوي مهّد لهذه النهاية بكلمات موحية واضحة مراميها: محمد الشاطر، تحميل اللؤلؤ والذهب والمرجان، وهي كلها تؤدي إلى القول إن الحكاية واضحة نتائجها معروفة مساراتها ونهايتها للمستمع لأن الراوي ، كما في الحكايات الشعبية الفلسطينية يهيئ المستمع من قبل للنتائج السعيدة، والنهايات المشرقة المفرحة، ومع ذلك يبقى المستمع متلهفا لسماع ما يعرفه، ويحب سماعه، ولكن بنكهة قولية جميلة فيها تشويق توجتها القفلة الثابتة في الحكايات الشعبية الفلسطينية: “وعاشوا في سبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات”.

أحد عشر: تحدث في الحكاية، كما في الحكايات الشعبية الأردنية والفلسطينية كلها، أمور خارقة لا يستطيع فعلها الإنسان: كقتل الغول، وفعل العنزة، وتحول العظمة.

اثنا عشر: في القصة رموز ثابتة الدلالة في الوجدان الشعبي، تتكرر في أكثر الحكايات الشعبية الفلسطينية: الغول رمز للشر، والليل رمز الخوف والضياع وهو الوقت المحبب لخروج الشر من مرقده.

 وبعد، فقد نُسجت حكاية بديعة، كما نسجت الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية كلها، على أركان مترابطة ترابطا وثيقا، وعلى نظام ثابت متعارف عليه شعبيا، متفق عليه بين الرواة، وهي نموذج بنائي واضح للحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية التي صيغت كلها لأهداف واضحة: وعظية، أو تحذيرية، أو تبشيرية، أو تعليمية…

 وأعطت حكاية بديعة للمرأة دورا رئيسا في تغيير الواقع السيء، قد يصل إلى دور البطولة، وتبين حكاية بديعة كيف أن الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية تبنى لغايات واضحة، توحي بها القصة، أو تشير إليها من باب “إياك أعني واسمعي يا جارة”، وهي أهداف تسعى لتحقيقها الحكايات بالتحبيب والترغيب، أو بالترهيب والتهديد، أو بالتحذير بإعطاء نموذج القدوة، ونتائج السلوك؛ ففي حكاية بديعة مجموعة من التحذيرات: تحذير من اللعب بما لا نعرفه، ومن الدخول إلى ما لا نخبره، ومن التعامل مع من لا نعرفه، وتحذير من كيد العدو الخفي، ومن تربصه وسعيه الدائم للإيقاع بالناس، وفيها تحذير شديد من مخالفة النصيحة.

وأما الحكاية الثانية فهي حكاية “العنزة العنزية” وهي حكاية من كتاب الحكاية الشعبية الفلسطينية، لنمر سرحان، وتحكي عن عنزة وصغارها الأربعة، فتحكي قصة العنزة التي كانت تغلق الباب على صغارها كل يوم، وتتركهم وحدهم في البيت، وتذهب لجلب الطعام لأولادها، وتعود محملة بالخير الوفير، وأنها كلما رجعت رددت عبارة حفّظتها للصغار، وطلبت منهم ألا يفتحوا الباب إلا إذا سمعوها، فكانوا كلما سمعوا العبارة فتحوا الباب، وصلاح الحال في الحاكيات الشعبية الفلسطينية والأردنية لا يدوم، فقد استطاعت الغول معرفة العبارة، والدخول إلى البيت، وابتلاع الصغار إلا سعسع، الذي احتال للبقاء على الحياة، فبعدما رفض إخوة سعسع سماع نصيحته بعدم فتح الباب للغول، ولما عادت العنزة العنزية إلى الدار، أعلمها سعسع بالخبر الحزين فأسرعت بقرون من حديد على منزل الغول، وصارت تدبك على السطح لتنازلها الغول فنازلتها، فانتصرت العنزة العنزية، وبقرت بطن الغول بقرون الحديد، واستخرجت أولادها من بطنها بعد أن واجهتها الغول بقرون من طين.

أولا: استخدم الراوي اللازمة التقديمية الثابتة” كان يا ما كان”، ثم أدخل في بنائها في المقدمة الدعوة إلى ذكر الله وتوحيده، وهذا جزء يتكرر كثيرا في الحكايات، وهذا جزء من أدب الخطاب في الاجتماعات، وفي ذلك جلب للانتباه، وإعلان للبدء، وإبعاد للنفس عن المساءلة، ولعل البداية والنهاية تصفان طرفي الحكاية التي تضم في إطارها الأحداث والمواقف، فعلى أساس البداية توالت أحداث الحكاية، وتراكمت، ثم أتت النهاية وهذا مسار الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية كلها.

أولا: أنيط دور البطولة في هذه الحكاية بالعنزة، فهي بطولة أنثوية حيوانية، وجرت أحداثها الحاكية، كما تجري أحداث الحكايات الشعبية الفلسطينية كلها، بتغير الحال؛ فبعد أن كانت العنزة هي وأولادها في بحبوحة ونعيم وخير، تغيرت أحوالهم بعد أن عرفت الغول كلمة الدخول إلى الدار، معرفة الكلمة التي كانت نقطة البدء في تغير مسار الأحداث في الحكاية وتصاعد الصراع، فمنها بدأ التحول وتغير الأحوال من السعادة والنعيم إلى الشقاء والألم؛ فقد دخلت الغول بالمفتاح نفسه الذي حمت به العنزة صغارها، وبها نقلت الغول الصغار من بيت النعيم إلى بطنها حيث المصير القاتم والعذاب، وهذا كله سبب سوء تدبير العنزة ، وقلة حرصها.

ثانيا: استعانت العنزة بشيء خارق “قرون الحديد” للتغلب على الغول، وللوصول إلى الهدف، وهو في حكاية “العنزة العنزية” تحرير أولادها من بطن الغول، والاستعانة بشيء خارق، أو شخص خارق للوصول إلى الخلاص والنجاة والفوز والنصر في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية أمر ثابت.

ثالثا: وكما الحاكيات الشعبية كلها، حملت حكاية “العنزة العنزية” مجموعة من التحذيرات والنصائح، التي أوحت بها أحداث الحكاية، وسهلت البطولة الحيوانية في الحكاية عرضها وتقبلها في نفوس المستمعين، ولعل أهم هذه النصائح التي أوحت بها الحكاية هي عدم الصبر على العدو حتى يركّب قرونا من حديد.

رابعا: انتهت الحكاية نهاية سعيدة بانتصار العنزة العنزية، واستخراج الصغار من بطن الغول، وهذا دأب أكثر الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية.

خامسا: في حكاية “العنزة العنزية” مجموعة من الأحداث والأشياء والأمور الخارقة التي لا تقع، ولا تكون في عالم الواقع، منها: العنزة الواعية، وقرون الحديد، والغول، وبقاء الصغار أحياء في بطن الغول، وهذا من مرتكزات الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية، إذ إنها تعتمد على هذه الأحداث والأشياء لتجلب انتباه المستمع وتشوقه، لأنها تعطي للحكاية نفسا مختلفا عن الواقع.

سادسا: في الحكاية عبارات تشويق وإمتاع للسامع، فكما في حكاية “بديعة”، حملت حكاية “العنزة العنزية” عبارات رشيقة سهلة الحفظ، قريبة إلى الأغنية، وهي عبارات تعطي الحكاية دفقا تشويقيا مؤثرا، وتدفع لبساطتها ووزنها المستمع لحفظها، والمشاركة في نطقها.

سابعا: تنتهي الحكاية نهاية سعيدة، بشرت بها عبارات قبل أن تنتهي الحكاية، وهذا هو دأب الحكايات الشعبية، فهي تطمئن القارئ بعد كل حدث مؤلم بأن النهاية السعيدة هي النهاية المنتظرة المرجحة، إلا ما في القليل من الحكايات. ولعل ذلك مرتبط باللاوعي الجماعي الذي يحلم بالأفضل والأحسن والأكمل؛ إذ ليس من المقبول أن تكون النهاية حزينة لمجتمع يحلم بالخلاص من الواقع المر، ويأمل الأفضل.

ثامنا: لحكاية “العنزة العنزية” أهداف تربوية واضحة، كما هو الحال في الحكايات الشعبية كلها، منها: الحرص على حفظ الأمور الخطيرة في مكان لا يظهرها، وألا يكون الوصول إليها سهلا من طريق واحدة كي لا نقع بما وقعت فيه العنزة من عدم أخذ الحذر والحيطة من تكرار العبارة كلما فتحت الباب بصوتها العالي المسموع، وتحذر الحاكية الأطفال من عدم سماع نصيحة الكبار، فعدم سماع الصغار نصيحة أخيهم الصغير “سعسع” أودى بهم إلى بطن الغول.

تاسعا: استخدمت العنزة الحيلة للتغلب على الغول، واستخدام الحيلة في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية في الوصول للهدف جزء من أحداثها، وهو حاضر في هذه الحكاية، فقد استخدمها الجانبان المتصارعان باسم الخير والشر؛ الغول وهي رمز الشر، والعنزة وهي رمز الخير.

عاشرا: في الحكاية تأكيد للفردية في الحل والوصول إلى الهدف، ولعل ذلك يعكس حال المجتمع الذي أنتج هذه الحكاية، فالعنزة العنزية وحدها هي التي هزمت الغول.

وبعد فإن في حكاية “العنزة العنزية” وحكاية بديعة ظواهر أسلوبية بنائية ولغوية وفكرية تلفت النظر إليها منها:

فهي حكايات بنيت بإتقان فيها تشويق وجذب لانتباه المستمع، ومراعاة للثقافة التي تعرض فيها وفيها ملامح وأركان ثابتة أو تتكرر كثيرا منها:

اعتناء الحكاية بالرقم ثلاثة بوضوح فقد التهم الغول الأخوة الثلاثة، وبقي سعسع الصغير الذي احتال للبقاء حيا، والأرقام في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية لها دلالتها، وإيحاءاتها التي تحتاج إلى تفسير ودراسة.

 والحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية تعتمد اللهجة العامية المحلية للمجتمع الذي تعرض فيه فحكاية “العنزة العنزية” كتبت بلهجة من اللهجات الفلسطينية، وحكاية، وحكاية “بديعة” كتبت بلهجة أهل معان. ولعل استخدام الحكايات الشعبية اللهجة المحلية للراوي هو فصل بين طموح الطبقة الفقيرة، وطموح الطبقة المسيطرة.

وتظهر في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية شخصية الراوي الذي ملأ الحكايات بكثير من الحشو لأجل تشويق المستمع.

والوقت في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية لا يجري بصورة منطقية، فهو يمر كطي صفحات كتاب، بل إن الحكايات كلها تسير في مسار غير منطقي أشبه بالحلم الموجه؛ فأحداثها تقفز زمانيا قفزا مخالفا للمنطق أو الواقع، فلا تخضع إلا لمنطق السرد الحكائي والحصول على حب المستمع وانتباهه.

وتبنى أحداث الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية على أخطاء الأبطال غير المقصودة، فالأبطال في الحكايات يمثلون جانب الخير في صراعه مع الشر، كصراع العنزة مع الغول مثلا، وهم في الحكايات الشعبية الفلسطينية والأردنية يصارعون ويجتهدون للوصول إلى النهاية السعيدة، وسعيهم الفردي لتحقيق الأحلام الفردية يلتقي وأحلام أفراد المجتمع وطموحاته بالانتصار على الشر، والوصول إلى السعادة والهناء، وهزيمة الشقاء والعبودية والذل والقهر.

وتحتفظ الحكاية الشعبية بصفات البطولة للبطل في كل أحواله؛ فهي ترسم للبطل صورة مشرقة تتطور في الحكاية، ولا يضرها تغير حالها من السعادة إلى الشقاء، فهو دائما تحول يمس حال البطل، لا صورته.

ولا تسمح الحكاية الشعبية للشر باستخدام عقله وفكره وعاطفته، وإنما تجعله خاضعا لرغبة المستمع في نهاية سعيدة يهلك فيها، وهي تصوره وحيدا منفردا، يعيش لنفسه، ويسخر طرائده وفرائسه لخدمته. أما مجتمع الخير في الحكايات فهو مجتمع البطل الذي يسعى لتحقيق السعادة للآخرين، ويحصل على كثير من المساعدة في سعيه لتحطيم الشر، وكأن الحكاية تريد أن تقول لنا إن الخير ليس وحيدا.

تفتح الحكايات الشعبية للقارئ أبوابا كثيرة للسؤال، وتدهشه ببنائها، وأحداثها، وعباراتها، وتدفعه للوقوف طويلا أمام كل حدث فيها ليعرف غرضه، ويمتص إيحاءاته، ويتذوق بساطته وغزارة مراميه، فهي أوعية اجتماعية لفظية زاخرة بالحياة.

*الأردن