شعر: منذر ابو حلتم
في البدءِ…
لم يكنْ إلا حجرٌ يحلمُ بشجرة.
وكانتْ عشتار تنثرُ على التراب قلبَها،
فتنهضُ السنابلُ من نومِ الطين.
وفي الجهةِ الأخرى…
كانتْ عناة تشحذُ الريحَ برمحٍ لا يصدأ.
منذ ذلك الوقت…
والشرقُ يتعلّمُ أن يمشي بقدمٍ من قمح،
وأخرى من نار.
───
قالتْ عشتار:
كلُّ قبلةٍ تزرعُ سماءً.
وقالتْ عناة:
وكلُّ رايةٍ تحتاجُ إلى مقبرةٍ كي ترتفع.
فسكتتِ الجبال.
حتى الصخورُ أغمضتْ عيونَها.
───
هبطَ بعل وفي كفِّه غيمةٌ ترتعش.
بحثَ عن حقلٍ لم يتعلّمْ لونَ الرماد.
ولم يجد.
فعلّق المطرَ على غصنِ زيتونة، ورحل.
───
أما موت…
فلم يعدْ يسكنُ العتمة.
صارَ يستأجرُ النوافذ.
ويشربُ قهوةَ الصباح مع الأمهات.
ويحفظُ أسماءَ الأطفال
قبلَ أن يتعلّموا الكلام.
───
ويم…
ذلك الشيخُ الذي كان يغضبُ في البحار…
تركَ أمواجَه،
وجلسَ يحصي السفنَ المحمّلةَ بالمنافي.
حتى الملحُ…
صارَ يبكي.
───
قالتْ عشتار:
من الذي علّقَ القلبَ على أسلاكِ الحدود؟
قالتْ عناة:
الذين صدّقوا أن السيفَ أطولُ من الذاكرة.
───
المدنُ هنا…
لا تنام.
كلُّ حجرٍ يحرسُ أنقاضَه.
كلُّ بابٍ يحملُ مفتاحَ بيتٍ ل
م يعدْ يعرفُ مكانَه.
والطرقاتُ…
تمشي بالعكازات.
───
مرّتْ عشتار بين الأطفال.
كانتْ كلُّ ابتسامةٍ ترمّمُ شقًّا في السماء.
ومرّتْ عناة.
فكانتِ الخوذاتُ تزهرُ
حيثُ كانتِ الورود.
───
قالَ بعل:
ليس المطرُ ما ينقصُ الأرض.
بل اليدُ التي تعرفُ كيف ترفعُ بذرةً
دون أن ترفعَ سيفًا.
وقالَ موت…
وابتسم:
أنا… لم أعدْ الأكثرَ جوعًا.
───
عند المغيب…
وقفتْ عشتار فوقَ تلٍّ كنعانيٍّ قديم.
ووقفتْ عناة غيرَ بعيد.
لم تتقاتلا.
ولم تتصافحا.
كانتا تنظران إلى الشرق.
إحداهما ترى حقلاً يختبئُ داخلَ طفل.
والأخرى ترى حربًا
تختبئُ داخلَ تاج.
وكان الشرق…
مثلَ شجرةٍ
يشدُّها عصفورٌ إلى السماء،
وتشدُّها فأسٌ إلى الأرض.
ولا يزالُ منذ آلافِ الأعوام…
يحاولُ أن يختار
أيَّ أسطورةٍ يريدُ أن يُكملها.



