سفيان بن عون *
الإهداء: “إلى روح نعيمة كبير، تلك المرأة الوردة التي غادرتنا فجأة هذا الصيف”
تمهيد: إن الكتابة عن الرواد ليست بالأمر السهل أو الهين، فهم الجيل المؤسس الذي شق الطريق وشكل المعالم الأولى للتجربة الأدبية التونسية الحديثة إن نثرا أو شعرا. والكاتب التونسي “يحي محمد ” هو أحد هؤلاء، صحيح أن كتابا و أدباء آخرين سبقوه إلى عالم الكتابة السردية بالخصوص مثل علي الدوعاجي و البشير خريف والطيب التريكي. ولكنه مع أقرانه جيل ما بعد الاستقلال يُعد من الذين ساهموا في إثراء المكتبة التونسية الحديثة بما أنتج وألف.
ترجل يحي محمد سنة 2014 ولكنه قبل ذلك وكأي إنسان في هذا العالم شق لنفسه طريقا ونحت لذاته كيانا، أراد أن يكون مختلفا. فاختار طريق الفن والأدب والسياسة، هذا العالم الذي جذب إليه بشكل أو بآخر الكثير من أبناء جيله، والذين وجدوا أنفسهم في أتونه وداخله بالقوة، باعتبار المرحلة التي نشؤوا فيها، أي مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية. ولعل تواجده في المركز ونشأته في العاصمة في ذلك الزمن، ممّا زاد في بلورة وعي سياسي لديه وانخراط مبكر في العمل الحزبي. وإنّ سؤالا ألح على تفكيري وضغط باستمرار منذ البداية (ولا أدعي أني سأجيب عليه) هل السياسي هو الذي أنجب وبعث الأدبي في كيان “يحي محمد” أم أنّ الأدبي هو الذي كان متأصلا لديه ووظف لخدمة السياسي، سواء عبر الإشادة به أوالترويج له أو نقده ومحاولة إصلاحه؟! وما سنركز عليه في هذه الورقة هو حتما المنجز الفني والإبداعي في أعمال الكاتب السردية منها خاصة.
إن تجربة هذا المبدع ثرية ومتنوعة، فيها السردي (قصة ورواية) وفيها المسرحي نقدا وإبداعا، وفيها ما يمكن أن نضعه في خانة المحاولات Essaie وكتاب وحيد جاء متمحضا للسياسة تحت عنوان “يوميات مستشار بلدي الواقع والذاكرة” وفيه عرض لتجربته الشخصية أثناء تواجده في مجلس بلدية تونس، مقدّما للقارئ بعض النصائح والآراء التي يمكن أن تكون نافعة وصالحة في عملية إدارة الشأن البلدي وتطويره.
1/ في النشأة وتاريخية التجربة:
وُلد “يحي محمد ” بالعاصمة تونس سنة 1931 وفيها زاول تعلمه الابتدائي والجامعي الزيتوني بالمعهد القرآني: الخلدونية للدراسات العربية (1946/1954). وقد انخرط منذ فترة مبكرة من حياته في العمل الجمعياتي وحتى الحزبي. وقد بدأ نشاطه في الكشافة التونسية سنة 1948 في سن السابعة عشرة. ونحن نعرف جميعا أنّ مثل هذه الجمعيات كان لها دور فعال في بناء الحركة الوطنية ودعمها. وقد ساهم الكاتب “يحي محمد” بعد الاستقلال في توحيد الجمعيات الكشفية تحت لواء “جمعية الكشافة التونسية الموحدة” وكان ذلك بين سنتي 54/56.
وأمّا من حيث الوظيفة، فقد اشتغل الرجل في بداية حياته بالتعليم وهو مجال اختصاصه. ثم انتقل بعد ذلك إلى الإدارة وعالم السياسة، فاشتغل بوزارة العدل “كاتبا خاصا برئاسة المحكمة الابتدائية بتونس” ثم موظفا بوزارة الثقافة سنة 1977. ثم موظفا بوزارة الداخلية حيث ترأس بلدية باب بحر بالعاصمة تونس. وبالتأكيد، فإنّ هذه التجربة هي التي ألهمته تأليف كتابه “يوميات مستشار بلدي”. وقد أنهى مساره الشغلي بعد ذلك بالعودة إلى وزارة الثقافة كمندوب جهوي للثقافة بولاية تونس من سنة 1984إلى 1990. وقد وازى هذا النشاطَ وهذه الحركيةَ في العمل حيويةٌ أكبرُ في المجال الثقافي لا يمكن تجاهلها فهو:
– سكرتير تحرير مجلة اللغات التونسية 60/61
– عضو مؤسّس لنادي القصة سنة64.
– عضو مؤسّس لاتحاد الكتاب التونسيين في السبعينات.
– عضو مؤسس للنادي الثقافي علي البلهوان في نفس الفترة.
كما كانت له إسهامات في الإذاعة التونسية (برامج ومسلسلات) وكذلك هو الشأن في الصحافة التونسية خاصة في جريدة الصباح.
2/ في كرونولوجيا الإنتاج الأدبي عند “يحي محمد “:
ما يمكن الإشارة إليه في هذا المستوى والإشادة به أيضا هو غزارة المنتج الإبداعي عند الرجل. و يمكن توزيع هذا المنجز على أبواب ثلاث كبرى:
/* الصحافة.
/* السرد: قصة ورواية.
/*المسرح :،إبداعا ونقدا.
وفي هذا السياق سأولي الإنتاج السردي عناية خاصة، والذي لا يقل غزارة عن سابقيه (صحافة ومسرحا ونقدا) وقد توزع هذا المنتج ما بين القصة والرواية على ما يلي:
أ/ في القصة:
*/” في العطارين” من نبض الذاكرة والواقع. 1954
*/ “نداء الفجر” عن دار شوقي للنشر1969
*/ “حوار في الظل” دار الكتب الشرقية.1973
*/”أحاديث النسيان”:نشريات قصص1977
*/ “زمن الغياب ” 1984
*/ “زمن الحظ” 1996
*/ “عشق الملاذ” 2003
ب/ في الرواية:
*/”الجدار”: بدأ كتابتها سنة 67 لتصدر في 2002
*/ “نوافذ السرداب” 1978
*/ “نفق الطوفان” 1990 والتي تُعنى بالقضية الفلسطينية وبرؤية خاصة للصراع والمصير المرتقب. ومن اللافت والغريب أن يأتي عنوانها حاملا للفظة ‘الطوفان”.
*/ “أولاد الحومة” 1994 ط1 مع ط2 في2002
*/”مواسم خرساء” 2007 الشركة التونسية للنشر والتنمية.
إن قراءة بسيطة في هذا المسار تاريخيا وكرونولوجيا لإبداعات “يحي محمد” السردية، تُظهر كثافة في إنتاج النص القصصي منذ فترة البدايات أي خمسينات القرن الماضي إلى حدود السبعينات، وإن لم نعدم حضورا لكتابة الرواية في هذه المرحلة ولكن بعدد قليل (روايتان تقريبا). وقد استمر إبداع الكاتب في مجال القصة القصيرة كما ذكرت إلى حدود السبعينات ليتحول عنها إلى الرواية، ويتفرغ تقريبا للكتابة في هذا الجنس إلى حدود 2007 حين صدور عمله الأخير بعنوان”مواسم خرساء”.
العتبة لافتة هنا أيضا، فهل كان المبدع يلمّح إلى صمته الإبداعي فيما سيلي من المواسم والأزمنة؟! ثم ماهو سرّ هذا التحول عند الكاتب إلى الرواية دون القصة القصيرة؟ فهل هو بسبب تمكنه من مساحة زمنية أكبر وتفرغه التام تقريبا للكتابة بعد التسعينات، إثر إحالته على شرف المهنة ممّا وفر له الوقت الكافي لإنتاج أعمال رواية تستغرق حتما زمنا أطول و مجهودا أكبر؟ أم إنّ المسألة ذاتية بمعنى، رغبة نمت في أعماق الكاتب ودوافعُ خاصة جعلته يتخذ قرارا بتجاوز كتابة القصة القصيرة والتفرغ لكتابة الأعمال الروائية من أجل إثبات قدرته على الكتابة في جنس أدبي أكثر تعقيدا وتشابكا؟ (لا ينفي هذا طبعا صعوبة وأهمية الكتابة في جنس القصة القصيرة).أم إنّ عاملا ثالثا قد يكون هو المتسبب في ذلك، وأقصد به العامل السياسي إثر ما شهدته البلاد من أفول للعهد البورقيبي ودخول في مرحلة سياسية جديدة؟ لاحظْ أيضا غياب أيّ إصدار عند المؤلف بعد “2011”. فهل في هذا الصمت تعبير عن موقف ما ممّا وقع في تونس حينها، أم هو زمن الأفول الطبيعي وإيمان ببداية النهايات؟
3/ في السرد: أو “الثابت والمتحوّل في سرديات يحي محمد من خلال نماذج من أعماله.(نداء الفجر).
لن ندعي في عملنا هذا أنّ الدراسة ستمسح كل مدوّنة المبدع “يحي محمد” وإنما سيقتصر عملنا على بعض النصوص، خاصة منها نصوص البدايات، في سعي منّا إلى البحث عن المؤتلف والمختلف فيها، في محاولة لتتبع ما في هذه التجربة من ديناميكية وما شهدته من تحولات وإن نسبيا. ولعل من أهم هذه الأعمال مجموعته القصصية الأولى نداء الفجر*. وقد احتوت على أربعة وثلاثين نصا قصصيا، وهذا العدد لافت ودال على كثافة في الإنتاج عند الكاتب في بداية حياته. فهل هو سعي منه إلى إظهار مقدرة إبداعية من أجل إثبات الذات منذ البدايات؟
جاءت أغلب هذه الأقاصيص على إيقاع الواقعية. وفي هذا السياق قسم الباحث د.”بوراي عجينة”* مراحل تطور القصة القصيرة في تونس إلى أطوار خمسة:
1/ تيار الواقعية الوصفية.
2/ تيار الواقعية التاريخية.
3/ الواقعية الإجتماعية النقدية.
4/ الواقعية التجريبية.
5/ الواقعية الجديدة.
وفي حقيقة الأمر، فإنّ قراءة متمعّنة في “نداء الفجر” وحتى في أقاصيص أخرى من مجاميع قصصية أصدرها الكاتب مثل “زمن الحظ” أو “في العطارين” نجد أن أغلب ما كتبه يحوم حول تيارين.
أ/ الواقعية التاريخية:
وهي تلك التي:”سجل (فيها) هؤلاء الكتاب في شكل ملاحم صغيرة أحداث الحركة الوطنية وصوروا تحرير البلاد من أيدي الغرباء” (1). وفي هذا السياق بمكن إدارة أقاصيص مثل “نداء المتعاضد” وفيها إشادة بتجربة التعاضد، وسعي لاستقطاب أحد الفلاحين “أحمد” الذي نأى بنفسه عن هذه التجربة ورفض الدخول فيها. لكن “محمود” الرواي/ البطل، ينجح في إقناعه في نهاية النص بعد أن كشف له عن مزايا هذه التجربة، لنجد محمود في نهاية القصة يعلن بكل عزم وصدق عن اقتناعه قائلا: “لقد آمنت بالنتيجة يا محمود..إني داخلها الآن…سألبس البدلة الزرقاء…سأبني بيتا جميلا معكم هنا في الوحدة الإنتاجية.” (2) وفي أقصوصة “طريق الدفع” يتابع السارد نضال الشخصية البطلة من أجل الثورة وإنجاز مشروع التحرر من هيمنة المحتل، رغم ما يجده من رفض وصدّ من مجتمع متخاذل محبط “إنك لن تستطيع الوصول بنا إلى الانعتاق مهما كانت حذاقتك”.(3) إلاّ أنّ البطل الثائر لا يتراجع “ليدخل القرية من بابها الكبير”(4). ورغم الحصار ومطاردة السلطة الاستعمارية، فإنّ نداء الحرية يعلو وينتشر. وتجدد أقصوصة “الجدار الذي ينهار” (5) تقريبا نفس الخطاب. وهي تكاد تختزل مسيرة “النعيمي، نضاله الوطني من أجل التحرر. ففي حوار باطني دال على حالة التوتر ومافي أعماق الشخصية من تحفز، يقرّر البطل خوض التجربة وإعلان التمرد والنضال وقيادة الجماهير من أجل تحرير الوطن ف “مشاق الطريق وصدق النضال هما الكفيلان بإعطاء الإشارة الحاسمة “(6) وتخطط الشخصية للثورة فـ “الشباب قوام المعركة… إنه نار الثورة الناجحة” (7. يقود الثائر هذه الحركة النضالية فيدعو إلى تكوين الحزب، فالحزب هو الشعب والشعب هو الحزب. وفي المدينة تنتشر القوة الاستعمارية الغاشمة لتراقب الناس وتخنق أنفاسهم…”جنود شقر يجوبون الشوارع مدججين بالسلاح وأعوان الشرطة السرية تراقب حركة الناس”(8) ورغم صعوبة المواجهة، فإنّ الثائر لا يتراجع. فالجدار لا بد أن ينهار “ومهما يكن من أمر فإن الجدار….سينهار من الأساس”.
لقد هيمن على هذا النوع(***) من الأقاصيص كما هو جلي البعدين التاريخي و النضالي ورزح الإبداعي تحت وطأة السياسي و كثيرا ما تحول الخطاب فيها إلى ما يشبه البروباغندا الحزبية ما أدى إلى ضمور الجانب الإبداعي في كثير من مستويات القص.
ب/ الواقعية الإجتماعية النقدية:
لقد “صوّر كُتاب هذا الإتجاه في أعمالهم السردية أهم التحولات الفكرية التي عرفها المجتمع التونسي بعد الاستقلال، ونقدوا في آن واحد الآفات الإجتماعية التي نشأت أو تضخمت في الستينات والسبعينات بسبب تحوّل المجتمع التونسي المعاصر”(10). تتوالى في هذا السياق قصص عديدة “قطرة دم على الرصيف” التي يقدم فيها سارد عليم صورة بانورامية عن “باب سويقة” زمن الستينات، فيصف ما فيه من حركة ومافي محطة “الترامواي” من نشاط وجلبة للباعة والمشترين. وفي هذه الأجواء يحاول “بوذراع” صحبة رحومة (طفلان من أطفال الشوارع) سرقة النقانق/ “المرقاز” من مطعم العم صالح. وفي حوار مطوّل بين الطفلين يقرر “رحومة ” مغادرة عالم السرقة إلى عالم الحلال …”نعم أنا ماسح أحذية سأشتغل ببطحاء باب سويقة من الغد.. إسمي جلّول لا رحومة كما تعرف”(11). ولكن الفتى يغرق في موت مفاجئ حين لا ينتبه للطريق فيدهسه الترامواي.
إنها صورة لمأساة أطفال الشوارع في ذلك الزمن، وسعي من السارد/ المؤلف إلى التنبيه إلى المصير البائس الذي ينتظر مثل هؤلاء الأطفال في الشوارع والأزقة. والنص دعوة للالتفات لمثل هذه الظواهر التي بدأت تغزو العاصمة وربما مدنا أخرى.
ولا تبتعد أقصوصة “الصبر يا أمي” عن هذا الخط الاجتماعي النقدي كما هو الشأن في” المنظف البلدي” حيث بروي سارد محايد/ داخل القصة حكاية عامل النظافة “بشير” والصراعات النفسية التي يعيشها بسبب فقره، وانتمائه إلى طبقة الكادحين. فعلى أهمية العمل الذي يقوم به وإخلاصه فيه، فإنّ حياته بائسة، ويعكس الحوار الباطني هذه الأزمة حين يفكر في بؤسه مقارنة بالآخرين “فالناس في بيوتهم يجمعهم دفء النوم والبال”(12) أما هو فيأكله برد الشوارع وتتلاعب بجسده ريح الشتاء وظلمة الأزقة الموحشة. لكنْ مع ذلك فالشخصية لا تتخلى عن واجبها، وتنجز عملها على أحسن وجه، ما يمنحه في النهاية سعادة باطنية وراحة ضمير، فيردد في أعماقه “أنا أسعد منكم أيها الناس لأني أشقى من أجلكم” (13). وينهي السارد قصته وهو يتأمل في منجز العم “بشير” مرددا بعض عباراته “صحتي إذا كانت المدينة نظيفة” (14). وهكذا فإن السرد ينصف هذا العامل البسيط الذي لم ينصفه المجتمع، فجعل منه نموذجا للوفاء الاجتماعي والتضحية في سبيل الآخرين. كما يتحول في آخر النص إلى معلم حكيم يتعلّم من جمله وعباراته السارد،. وهكذا يعلي النص من شأن هذا العامل البسيط ليحوله ألى مناضل حكيم يقبل بالتضحبة بالنفس من أجل الآخرين، مقدّما مفهوما مغايرا للسعادة. فهي عنده تقوم على البذل والعطاء وليس العكس.
ثلاثة أقاصيص تبدو مختلفة شيئا ما عن التصنيف الذي وضعناه آنفا (قصص واقعية نقدية/ قصص تاريخية..) وهي “نداء الفجر” و”اللقاء الثاني” و”قبل أن يقلع القطار” لا تخلو هذه الأقاصيص حقيقة من الواقعية. فالسرد فيها يحيل لا محالة على قضايا اجتماعية خاصة، منها علا قة الأنا / التونسي بالآخر/ الغربي الأوروبي، كما تشترك في الأمكنة التي تحتويها الأحداث. فنحن إما في ألمانيا أو زوريخ سويسرا أو بينهما (وفي الغالب في القطار أو في محطته)، فقط في القصة الثالثة نجد أنفسنا في ميلانو.
إنّ ميزة خاصة تظهر في هذه الأقاصيص (يمكن أن نضيف إليها أيضا قصة “رقصة الصغار”) التي تعالج في مجملها وكما ذكرت آنفا علاقة الأنا بالآخر، مثل مسألة الميز العنصري والتفوق الحضاري الغربي وموقع المرأة في هذه المجتمعات. وتكمن هذه الميزة في السارد، فهو داخل القصة ذاتي القصة. ولولا أن المؤلف قد وسم منجزه الإبداعي بجنس بعينه أي “قصص قصيرة” ما يفعّل ديناميكية الخيال ويجعل منه ركيزة أساسية من ركائز العملية الإبداعية، لقلت عن السارد “مثلي القصة”… نجد أنفسنا هنا كأننا أمام حكايات تحكي الذات.
وفي هذه الأقاصيص، البطل واحد يتكرر حضوره بنفس الملامح، وحتى الاسم “أحمد”/ “يحي محمد”.يعاشر النساء في عواصم ومدن أوروبية مختلفة.. يطلب إحداهن للزواج في قصة “اللقاء الثاني” وهي نفسها بطلة قصة سابقة “قبل أن يقلع القطار” يطلبها للزواج لكنها ترفض معتبرة أن مثل هذه الأمور مفيدة للصداقة وربما أيضا للحب، لتنتهي الأقصوصة على مشهد فراق متكرر “وضمته إلى نفسها ضمّة الوداع بينما أخذت تلوّح له بمنديل أبيض شفاف وهي تبكي” (15)
فهل يجوز لنا أن نتحدث انطلاقا من بعض هذه المؤشرات عن قَصَص سيرذاتي، فيه يسرد القاص وقائع ذاتية أسبل عليها ستار الخيال وهي في حقيقة الأمر متصلة بتجربه الذاتية التي عاشها فعلا في زمن ما في أوروبا ؟! قد يتأكّد هذا الرّأي حين نستمع لـ “يحيى محمد” نفسه يتحدث عن رؤيته للقصّة فيقول: “فالقص سير ذاتي ومشاهد مأخوذة من منبع القديم الّذي أعيشه وأحبّه” (16) وهل يجوز لنا الحديث اليوم عن قص” سيرذاتي” كما أصبح الحديث شائعا الآن عن رواية السيرة الذاتية؟! خاصة أننا أمام “جنس أدبي ذو ألف وجه ووجه” (17) كما قال أنطونيا فوني.
خاتمة:
لقد هيمن على هذه الأقاصيص التي اشتغلنا عليها من مجموعة “نداء الفجر” البعد الواقعي إن التاريخي أو النقدي الاجتماعي. أمّا السرد فطغى عليه السرد الخطي وحكمه التتابع والتتالي. فالفعل يتبع الفعل والحدث يتولد عن الحدث مع عدد ضئيل من الشخصيات التي تظهر في الحكاية وفضائها. ولكنّ الإختلاف كان في أغلب الأحيان قائما في السارد وتموضعه في العملية السردية، إضافة إلى اختلاف في الأمكنة (تونس/ أوروبا) إضافة إلى حضور شخصيات نسائية تكون مركز العملية السردية في علاقة بالسارد/ البطل في الأقاصيص التي تحركت في فضاء أوروبي. وكأنها في علاقة بسيرة الكاتب “يحي محمد” أثناء دراسته بالخارج، في حين يكون السارد في أغلب القصص المتبقية مفارقا للبطل. فتحكي الحكاية بضمير الهو. وقد اعتنت هذه الأقاصيص في مجملها بالسياسي والتاريخي والاجتماعي في تونس قبل الاستقلال وبعده. وقد عبّر المؤلف من خلالها عن ذاته. “فأنا ـ كما يقول ـ يمكن أن أكون بطلا من أبطال هذه القصص” (18) عمّا كانت تعيشه البلاد في تلك الفترة من تاريخها من وقائع وصراعات، من إجل بناء وطن جديد حر.
لقد استلهم “يحي محمد” الذي أوقعته الكتابة في حبائلها في زمن صعب هو زمن البدايات الجديدة في تونس، استلهم ذلك الواقع. وحاك كالشرنقة نصوصه على مدى حياة بأسرها. لقد عاش يحي محمد “ليكتب ولم يكتب ليعيش” (19) ذلك أنّ الإبداع “يتغذى من حياة الكاتب، تماما كالعادة الوحيدة التي تتغذى من الأجساد التي تقتحمها” (20) على حد عبارة الكاتب البوليسي “ماريو فارغة يوسا”.
سفيان بن عون
تونس في أوت 2025
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاحالات:
* سفيان بن عون: كاتب وقاص من تونس/ رئيس فرع اتحاد الكتّاب التونسيين. قابس/ تونس.
*/ انظر كتابه: مساءلات نقدية ج1.بداية من ص145. منشورات سعيدان سوسة/تونس 2001
1/ ن.م ص 146
2/ يحي محمد “نداء الفجر” .ص ص 170/171.الدار التونسية للنشر .1988 .ط 9.
3/ ن.م .ص172.
4/ ن.م.ص175.
5/ ن.م.ص178
6/ ن.م ص178
7/ ن.م ص179
8/ ن.م ص181
9/ ن.م ص182
10/ د.بوراوي عجينة .”مساءلات نقدية.1.ص .ص 147/148
11/ يحي محمد: “نداء الفجر” ص 70
*/ انظر نداء الفجر ص 78
12/ ن.م .ص165
13/ ن.م ص 165
14/ ن.م ص165
*/ ن.م ص7
15/ ن.م ص15
16/ “يحيى محمد” ما القصّة؟ عن مجموعته القصصيّة “حوار في الظل” ص 10 الشّرقية للكتاب. ط 1 السّنة 1973.
17 / د.بوراوي عجينة: مساءلات نقدية ج 2.ص 525
18/ “يحيى محمد” ما القصّة؟ ن. م. ن ص
19/ د.عادل خذر:”نسيان ما لا ينسى” ص13.مسكلياني للنشر.ط1/2013.
20/ ن.م .ن.ص.
**





