دكتور خالد عزب
سألني سائل هل يمكن أن يجود الزمان بأم كلثوم مرة أخرى، واقعا لا يمكن، وإن كان ممكنا بشروط، لأنها نشأت في سياق مكاني وزمني أدي لصعودها، ولكونها حادة الذكاء فقد استطاعت أن تستثمر هذا السياق جيدا.
لكن هذا كله ينطلق من البدايات والتأسيس، هذه الفتاة الريفية يعود الفضل في إعدادها إلي والدها وإلي مشاركتها في الموالد والاحتفالات الدينية، هذا ما كان يتطلب حفظ مئات من الأبيات من الشعر العربي، مثل بردة البوصيري في مدح الرسول وغيرها، في هذا الزمن لم يكن المذياع سيطر علي حياة الناس، وكانت أدوات الترفية محدودة، لذا فإن المنشد هو الذي يعطي دفقات من الفن للمستمع، هذا المنشد أو جوقة المنشدين دأبت علي تقديم الانشاد عبر عيون الشعر العربي، كما كانت الملاحم الشعبية والسير هي أيضا مما يقدم للناس، هذا الأساس المتين الذي جعلها مبكرا تلم بالمقامات التي ينساب عبرها كل غناء مناسب للقصيدة أو الملحمة.
الطفلة التي جاءت إلي القاهرة لتحيي حفل ليلة المعراج في منزل عزالدين بك يكن بحلوان، لم تبهرها القاهرة، بقدر ما كانت رغبتها في أن تحتل مكانا في القاهرة، التي تعج بالمطربين والمطربات، لذا كان الشيخ ابوالعلا مرشدها للطريق فعلمها الكثير، وقبلت أن تتعلم وكان نهمها لأن تتعلم أحد أهم مفاتيح نجاحها.
إن قدرتها علي البحث عن طرق للتعلم هو مفتاح شخصيتها، فبالرغم من أنها تجيد البعض، إلا أن جلوسها أمام الشيخ أبوالعلا منذ عام 1920 أحدث تحولا مثيرا في حياتها، فقد أخرجها من القوالب المكررة في الموالد وأفراح الأرياف إلي فضاء أرحب، لقد كان عليها الانتظار إلي سنة 1926 لتنزع لباسها التقليدي، الذي ورثته عن السابقين عليها، لكي تعطي لنفسها ثوبا جديدا محتشما أيضا، الاحتشام ظل جزءا من أزيائها، وهذا ما جعل الصورة الذهنية عنها عند المصريين مختلفة عن باقي المطربات في عصرها، لكن هذا التاريخ هو تتويج لمرحلة التعلم الصعبة التي أجبرت نفسها عليها، علمها إبراهيم القباني العزف علي العود، وصاحبتها ألات موسيقية عند مليء الاسطوانات في سنة 1923، حيث بدأت بغناء قصيدة للشاعر علي الجارم مطلعها:
مالي فتنت بلحظاك الفتاك وسلوت كل مليحة ألاك
إن هذه القصيدة كانت من البدايات التي غيرت من طابع وأسلوب أم كلثوم، كانت فطنة تؤمن بالتجدد والتحديث أوجدت أسلوبا طورته مع الوقت، فحجزت لها مكان علي الساحة العربية، وصارت نجمة الإذاعة المصرية حين تسيدت الإذاعة المشهد، وحجزت لنفسها مكانا علي شاشات التلفاز، وهي التي أقبلت علي الألات الحديثة في أغانيها كالأورج والجيتار والساكسفون، وهي التي قبلت في أوج مجدها أن يلحن لها ملحن شاب هو بليغ حمدي، إنه التغيير، الذي ما إن يصيب مطرب فيصبح حضوره علي المسرح قويا مستداما، لكن إذا أصاب المطرب الجمود صار لا يستطيع أن يكتسب جمهورا جديدا .
في حقيقة الأمر كانت أم كلثوم نتاج سياق وطني ولم تكن حالة خاصة ، ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين في أعقاب ثورة 1919 كانت مصر تبحث عن نفسها ، نهضت مصر باحثة عن ذاتها ، لذا نري الدكتور علي باشا إبراهيم في الطب والدكتور مصطفي مشرفة في العلوم وفي الإنسانيات الدكتور طه حسين وفي الإقتصاد طلعت حرب وعبودباشا .
مع صحافة صاغت الذائقة العامة للمصريين ، لذا شيدت أم كلثوم صرحا من العلاقات العامة مع الصحفيين ، مدت جسورا معهم ، فهي اتبعت مبدأ أن تغذي الصحافة بالأخبار والجديد الذي تقدمه ، لذا فالذي يتحدث معي عن أم كلثوم علي أنها مطربة ، هو لم يدرسها جيدا ، هي مؤسسة شيدت أركانها عبر الاستعانة بكل ما هو ممكن لتقيم هذه المؤسسة ، فحين أنشأت صحيفة أخبار اليوم دعمتها من مالها لإدراكها أنها تشتري صوتا يدافع عنها في الأزمات ويروج لها في المسرات .
لكن تبقي المطربة في حاجة ماسة إلي المزيد لترتقي بفنها ، فكانت تضم إلي مؤسستها كل ما هو يعزز وجودها بدءا من أحمد رامي التي رأت بعيونه الشعر الغنائي في أرقي صورة ، فأخرجها من الطقطوقة من حيث القالب أو الموضوعات ، خرجت معه إلي أفاق أرحب فقد فتح عيونها علي مالم تكن تراه ، أول أغنية سجلت علي اسطوانة لأم كلثوم هي ( الصب تفضحه عيونه ) من كلمات أحمد رامي والحان الشيخ أبوالعلا أستاذها الأول، البدايات التي تبدو مرتبكة ، تبدو كذلك ممهده لمرحلة النضج ، فالقصيدة الملحنة تبدأ بمقام الراست الذي لم تستخدمه إلا في أغنية ( أراك عصي الدمع ) .
لتسجل بعدها ( خايف يكون حبك ليا شفقة عليا ) وهي زجل من تأليف أحمد رامي وتلحين طبيب الأسنان أحمد صبري النجريدي ، والتي لاقت نجاحا كبيرا ، لتغني بعدها أيضا من كلمات أحمد رامي ( قال إية حلف ما يكلمنيش ) ويلحنها القصبجي ، هذه الأغنية أحدثت نقلة نوعية لأم كلثوم ببروز الموسيقي كعامل يدهش الجمهور ويسرق سمعه مع كمان سامي الشوا ودخول القانون ببراعة ، لتعطي أم كلثوم دورا أكبر للتخت وتحرص علي تشكيله من أمهر العازفين، وليتكرر ثنائي النجاح معها : رامي / القصبجي .
أم كلثوم الذكية أدركت أن السياسة تلعب دورا في حياة المطرب، فغنت ( إن يغيب عن مصر سعد) عام 1927 من كلمات رامي وألحان القصبجي ، هنا نري عود القصبجي بارزا بهدوء بدون صخب ليخطف الأبصار، ولنري نجاح هذه الأغنية لتغني أم كلثوم عام 1938 أغنية ( أراك عصي الدمع ) لأبي فراس الحمداني ، والتي أعطت أم كلثوم شخصيتها الغنائية وشخصيتها علي المسرح أمام الجمهور ، تدخلت أم كلثوم في الكلمات فعدلت في القصيدة ، وبتدخلها في اللحن ، صنعت أم كلثوم شعبيتها منذ ذلك الحين لتتربع علي عرش الغناء في مصر والمنطقة العربية لتسافر للقدس وعدد من الأقطارالعربية ، هذا كله جري في زمن صعدت فيه المرأة في مجالات عدة ، ففتحت أبواب الجامعة لها ، ولكن أم كلثوم أحدثت نقلة نوعية في نظرة المجتمع للمطربات ، فقد كان للمطربات نظرة إجتماعية متدنية ، لتنقلهن أم كلثوم نقلة كبيرة، إلي مقام أخر، حتي صار لقب ( الست ) حين ينطق يشير إلي واحدة فقط هي أم كلثوم ، صار الباشاوات وكبراء المجتمع يسعون إلي معرفتها ، بل صار الساسة يتقربون منها ، أدرك جمال عبد الناصر قوتها وحضورها فأعادها للإذاعة بعد توقف عقب ثورة 23 يوليو 1952 ، لتصبح صوت مصر الذي تسهر الجماهير العربية لتسمعه ، في حفلتها الشهرية ، مؤسسة أم كلثوم صار لها مواعيد وتقاليد فرضتها ، فأصبحت شخصيتها طاغية ، هذا الطغيان لم يأتي من فراغ فاحتكاكها بالأدباء والمفكرين والمثقفين واستماعها الجيد وقدرتها علي التطور ، كل هذا أتي من جديتها في بداياتها التي منحتها جدة لم تتوافر لدي مطرب أخر ، بل قدرة علي التمييز جعلت لها مساحات في اختيار الكلمات بصورة مذهلة فحينما غنت للهادي أدم أغدا ألقاك ، جعلت الجمهور يحصر الهادي أدم في هذه القصيدة ، فلم تعرف له قصيدة أخري حتي وفاته ، بالرغم أن له عشرات القصائد التي لاتقل عنها روعة ، فسجنته أم كلثوم في غدا ألقاك .





