المجلة الثقافية الجزائرية

“كنيسة سانت جيمس”

وليد الأسطل

في المساءِ،

تدخلُ لندنُ ضبابَها

كأرملةٍ تعرفُ طريقَ الحداد.

وتبقى سانت جيمس داخلها

كصوتٍ خافتٍ في آخرِ الروح،

كدفءِ يدٍ مجهولةٍ على كتفِ غريب،

كفكرة أخيرة تقاومُ العتمة.

المدينةُ حولها تركضُ بلا قلب:

حافلات،

وجوهٌ لا يرفعُ أحدٌ عينيه نحوها،

وأياد باردة لا تعرف العزاء.

أمّا هي

فتقفُ بهدوءِ من عرفَ البشرَ جيدا

ولم يفقدْ حنانَه.

في خشبِ مقاعدها

دفءُ الأكفِّ التي تشبّثتْ بصلاةٍ أخيرة،

أثرُ أرواحٍ مرّتْ من هنا مثقلةً بالحياة،

وتركتْ وحدتَها معلّقةً في الضوء.

نوافذُها العالية لا تُطلُّ على المدينة،

تُطلُّ على الذين اختفوا داخلَها:

النساء اللواتي ابتلعنَ بكاءهنَّ كي يواصلَ العالمُ سيرَه،

البحّارة الذين عادوا من المرافئ بروائحِ الملحِ والندم،

وعشّاق ساروا بمحاذاةِ التايمز

كي يؤجّلوا لحظةَ الاعترافِ بأنَّ الحبَّ لا ينقذُ أحدًا.

كمْ من غريبٍ وقفَ عندَ بابها

وشعرَ، لثانيةٍ خاطفة،

أنَّ العالمَ يمكنُ احتمالُه.

كمْ من روحٍ متعبة

أسندتْ رأسَها إلى صلاةٍ قصيرة،

ثم خرجتْ إلى لندنَ من جديد:

إلى الباعةِ المتجولين،

إلى الأرصفةِ اللامعةِ بالمطر،

إلى وجوهِ الغرباءِ

التي تحملُ ذلكَ التعبَ النبيل

الذي لا تمنحهُ إلا المدنُ الكبيرة.

التايمزُ هناكَ لا يجري،

يبدو كذاكرةٍ طويلة

تحملُ لندنَ فوقَ ظهرِها كجثمانٍ دافئ.

يحملُ أصواتَ المقاهي القديمة،

السخامَ العالقَ على جدرانِ القرنِ التاسعَ عشر،

ضحكاتِ السكارى،

خُطى المهاجرينَ الذين حملوا أوطانَهم كجرحٍ كبير،

وأحلامًا كبيرة

ذابتْ في الضباب

دونَ أن يلاحظَها أحد.

السماءُ الرماديةُ لا تخلو من الحنان،

والدخانُ المتصاعدُ فوقَ الأسطح يشبهُ أنفاسَ عملاقٍ يسهرُ على الجميع.

وأنا أمشي قربَ التايمز،

أرى لندنَ ككائنٍ هائلٍ يتنفّسُ بصعوبة،

كلّ شارعٍ فيها تجعيدة،

وكلَّ نافذةٍ حارس لم ينم منذُ مئةِ عام.

أما سانت جيمس،

فتظلّ ترنيمةً قديمة في قلب الضباب،

يمرّ بها الضوءُ قليلًا، ثم يختفي،

كأن المدينةَ تتذكّر قلبها للحظة،

ثم تواصلُ النسيان.

لندن، 3 يناير 2024

من ديوان “في الغياب نتذكر شكلنا الأخير”.