المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

إسماعيل شموط: أيقونة النكبة والرسم المقاوم

هاني حوراني*

أعادت الصور المفجعة للحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول إلى الأذهان اللوحات التي رسمها الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط (1930-2006) في حقبته المبكرة عن نكبة 1948، والتي جسد فيها المظاهر الأكثر قسوة للمأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني آنذاك، وكان أحد ضحاياها والشاهد عليها. وهو ما يفسر استعادة العديد من المنابر الثقافية العربية،[1] مؤخرًا، سيرة الفنان شموط وأعماله الشهيرة التي تحولت إلى أيقونات خالدة، مثل «إلى أين» و«سنعود»، و«ذكريات ونار»، وغيرها من الأعمال التي أنجزها في خمسينيات القرن الماضي.

ورغم تعاقب عدة أجيال من الفنانين والفنانات التشكيليات الفلسطينيات، والذين مثلوا مدارس واتجاهات عدة، حداثية وما بعد حداثية، على تناول موضوع النكبة بأساليب شتى، فقد احتفظ شموط، الذي عرف بأسلوبه الواقعي التعبيري وثراء ألوانه، بموقعه المميز باعتباره السليل المباشر لجيل الرواد من فناني فلسطين، والفنان الأبرز لمرحلة ما بعد حرب 1948 والنكبة، التي شتتت غالبية الشعب الفلسطيني وحولته إلى أفواج من اللاجئين.

طفولة اللد
ولد إسماعيل شموط في مدينة اللد، يوم الثاني من آذار 1930 لعائلة محافظة أميل إلى التدين، كان والده عبد القادر شموط تاجرًا متوسط الحال، يعمل في تجارة الفواكه والخضروات، وكان إسماعيل الولد الأوسط بين ثمانية أبناء وبنات.[2] شهدت طفولته المبكرة ذروة مقاومة الشعب الفلسطيني للسياسات البريطانية والأطماع الصهيونية، حيث التحق بالمدرسة الابتدائية سنة 1936، التي افتتحت أعنف ثورات فلسطين.

ورغم نزعة والد إسماعيل للتدين التي كانت تستهجن انخراط ابنه المولع بالرسم والموسيقى، بأي نوع من النشاط الذي يندرج في مجال «التشخيص»، إلا أن إسماعيل حظي بتشجيع مدرسيه على المضي في هوايته هذه. كان من حظ إسماعيل الطفل أنه تلقى رعاية واحد من الفنانين الفلسطينيين الرواد، وهو داود زلاطيمو، الذي كان يعلم الأطفال في مدرسة اللد الابتدائية الحكومية الرسم والأشغال اليدوية.[3]

تعلم إسماعيل شموط في سن مبكرة الرسم بالقلم الرصاص والحبر الصيني [الأسود] والألوان المائية والطباشيرية، كما مارس هواية النحت على حجارة «الحور» الكلسية اللينة. وحين بلغ 14 عامًا كان قد أتقن مبادئ المنظور والضوء والظل ورسم الطبيعة الصامتة والمشاهد الطبيعية والأشخاص، كما مارس الزخرفة. ويروي شموط كيف أثارت أعماله إعجاب السيد ستيوارت، مفتش الرسم والأشغال اليدوية في فلسطين الانتدابية، فاقترح إيفاده إلى مدرسة الصناعة في حيفا، المتخصصة في الرسم الصناعي والأشغال الفنية، لكن انفجار الأوضاع في فلسطين حال دون ذلك.[4]

يقول شموط إنه تعرف على الألوان الزيتية أثناء دراسته في مدرسة اللد، وشاهد أستاذه داوود زلاطيمو وهو يرسم لوحاته الزيتية التي جذبته إليها، لكنه لم يمارس الرسم الزيتي إلا في العام الذي سبق ترحيله عن اللد، أي عام 1947. ويروي أيضًا كيف استطاع التغلب على معارضة والده للرسم، وذلك حين أقنعه أن الرسم يمكن أن يكون مهنة مدرة للدخل. حيث أخذ يزين فساتين العرس بالأزهار والطيور بواسطة الألوان الزيتية، كما بدأ يمارس رسم المناظر الطبيعية والأشخاص بأسلوب أقرب إلى الكلاسيكية.[5]

تجربة التهجير
أدى قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني 1947، وما تلاه من انفجار حاد للصراع الدامي ما بين المقاومين الفلسطينيين والتشكيلات العسكرية الصهيونية، ومن ثم اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، إلى قلب حياة المجتمع الفلسطيني رأسًا على عقب. ففي يوم 13 تموز 1948 كان شموط يتلقى مع أسرته وسكان مدينتي اللد والرملة أوامر القوات الصهيونية بمغادرة مساكنهم والتجمع في الساحات العامة للمدينتين. ويروي كيف اكتظت ساحة «النواعير» في اللد بآلاف الناس، وقد أحاط الجنود الصهاينة بالجموع وأيديهم على زناد بنادقهم الرشاشة.

اعتقدت الجموع الخائفة أن معاناتهم مع هذا التجمع القسري لن تطول أكثر من ساعات، ظنًا منهم أن هذا التجمع يشبه عمليات القوات البريطانية التي كانت تخرج السكان من منازلهم وتجمعهم في الساحات أثناء التفتيش عن الثوار أو عن السلاح في هذه المنطقة أو تلك. إلا أن سكان اللد الذين جمعوا في الساحات العامة سرعان ما أجبروا على التحرك في طريق محدد يقطع شوارع المدينة وأسواقها إلى خارجها.[6]

«ذكريات ونار، زيتية، 1957.

شهد شموط بعينه برفقة عائلته كيف شكل الناس الهائمون على وجوههم نهرًا من البشر يعبر المدينة، بينما المسلحون الصهاينة يزجرون الناس ويسمعونهم بكلمات عربية مكسرة شتائم قذرة. ووسط الخوف والهلع وبكاء الأطفال والغبار والحر والعطش والجوع، كانت عيون النساء والأطفال تبحث عن أجوبة لأسئلة كثيرة تدور في أذهانهم دونما جواب.

«هنا كان أبي»، زيتية، 1957.

يروي شموط الذي كان قد بلغ 17 عامًا كيف حاول عند أطراف مدينة اللد حيث انتشرت البيارات والبساتين إحضارَ بعض الماء من بركة أحد البيارات، وعندما كاد ينجح في نقل وعاء ماء، اصطدم بسيارة جيب عسكرية، حيث أجبره العساكر اليهود ومن معه على إلقاء أوعيتهم ليعودوا إلى الركب الزاحف شرقًا دون ماء، وقد ترك هذا الحادث، في عز حر تموز أثره في ذاكرته وجسده في أعماله الفنية لاحقًا.[7]

استمرت مسيرة المهجرين من اللد والرملة حوالي خمسة عشر ساعة من المشي، إلى أن وصلوا نعلين، حيث هب أهلها لنجدة المهجرين وزودوهم بالماء والخبز. ومن نعلين انتقلوا إلى رام الله ثم إلى الخليل، ومنها إلى خانيونس، حيث حلت عائلة شموط فيها. وخلال أسابيع قليلة أخرى، زحفت جموع جديدة إلى قطاع غزة، انتشرت بعدها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان.

بعد لجوء عائلة شموط إلى خانيونس، عمل بائعًا متنقلًا للمعجنات لمدة عام قبل أن يعمل مدرسًا في إحدى مدارس وكالة الغوث [الأونروا]. كان ذلك عام 1949، حيث تمكن خلاله من تحقيق حد أدنى من الدخل يمكنه من معاودة هواية الرسم. ويصف الشاعر الفلسطيني راسم المدهون كيف اعتاد في طفولته، في مخيم خانيونس، رؤية شموط الذي كان قد أصبح معلمًا في مدارس الأونروا، ويضيف «حتى حين كنت لا أراه كنت أجده على جدران بيوت المخيم، وجدران مدرستي الابتدائية التي ألصقت عليها ملصقات ورقية تحث على اتباع الإرشادات الصحية والحفاظ على النظافة، والتي رسمها شموط».[8]

«سنعود»، زيتية، 1954.

وفي عام 1950 نظم شموط، معلم الرسم الشاب، معرضًا لرسومه في إحدى غرف مدرسة خانيونس الحكومية، بتشجيع من مديرها، وكان المعرض يضم رسومًا بقلم الرصاص والألوان المائية والزيتية، استوحى موضوعاتها من حياة اللجوء، حيث تناولت رسومه خيام اللجوء والنساء والأطفال وطوابير الحصول على الماء والغذاء. وفي العام نفسه نجح في الوصول إلى القاهرة، حيث عمل مراسلًا في استوديو للإعلانات التجارية، وتمكن في الوقت نفسه من الالتحاق بالقسم الحر في كلية الفنون الجميلة، وكان «إسماعيل شموط أول فلسطيني يدرس الرسم والتصوير في كلية الفنون الجميلة في القاهرة».[9]

«إلى أين؟»، زيتية، 1953.

صقلت الدراسة الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة مواهب شموط، وكان من بين أساتذته الفنانون الكبار: أحمد صبري وحسين بيكار وحسني البناني، ورغم تمتع طلبة القسم الحر بكلية الفنون بحرية واسعة، مقارنة بطلبة القسم النظامي، حيث خاض طلبة القسم الحر غمار التجارب الحداثية، إلا أن شموط ظل متمسكًا بالأسلوب الواقعي التعبيري، لأنه «الأسلوب القادر على إيصال رسالته إلى أعرض قطاع من الناس والشعوب»، حسب تعبيره.[10]

الانطلاقة الأولى
في نهاية السنة الثالثة لدراسته الأكاديمية، كانت قد تجمعت لديه مجموعة كبيرة من اللوحات، كانت كافية لإقامة معرض شخصي كبير، حمل تلك اللوحات إلى مدينة غزة ليقيم معرضه الشخصي الأول في نادي الموظفين، حيث افتتح يوم 29 كانون الثاني 1953، ضامًا نحو 60 لوحة فنية، من بينها لوحاته الأيقونية الأولى: «إلى أين؟»، «جرعة ماء»، «بداية المأساة»، وغيرها.

«عروسان على الحدود»، زيتية، 1962.

شكل المعرض المذكور محطة هامة في حياة شموط ومسيرته، إذ رسخ الثقة عنده، ودعم «الإيمان لديه بأن للفن رسالة إنسانية عظيمة»، وأن له «قدرة هائلة في التأثير على الناس والتحدث إليهم بلغة عالمية تخاطب العقل والوجدان في آن». وهكذا عاد إلى القاهرة ليكمل سنته الجامعية الرابعة والأخيرة وليستعد لإقامة معرضه القادم في القاهرة.[11]

«الطريق»، زيتية، 1964.

في 21 تموز 1954، وبدعم من دائرة شؤون فلسطين في جامعة الدول العربية، أقيم «معرض اللاجئ الفلسطيني»، الذي ضم إلى جانب لوحات شموط التي تجاوزت الخمسين عملًا، 15 عملًا لتمام الأكحل، وعشر لوحات للفنان نهاد سباسي. وقد افتتح جمال عبد الناصر، رئيس الوزراء المصري حينذاك، المعرض الذي حضرته عشرات الشخصيات السياسية المرموقة، المصرية والعربية والفلسطينية،[12] وقد شكل المعرض حدثًا ثقافيًا هامًا على الصعيد الفلسطيني، إذ لأول مرة يقدم الفن التشكيلي الفلسطيني نفسه كعمل نضالي، فضلًا عن كونه أحد أدوات التعبير الإبداعي. وفي الوقت الذي منح معرض القاهرة لشموط قفزة معنوية جديدة، فإنه وفر فرصة التقائه مع تمام الأكحل، شريكة عمره ومسيرته الفنية الطويلة، حيث عملا معًا قبل أن يتزوجا في العام 1959.[13]

وعلى إثر المعرض تمكن شموط من الحصول على منحة من الحكومة الإيطالية لتكملة دراسته في أكاديمية الفنون بروما، لمدة سنتين، وهو الحلم الذي راوده مبكرًا، وتمكن من تحقيقه ومن رؤية أعمال كبار فناني عصر النهضة مباشرة.[14]

انتقل شموط بعد دراسته في روما إلى بيروت، عام 1956، حيث عمل لدى قسم الإعلام في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين واستمر ذلك زهاء سنتين، وفي الأثناء أقام معرضًا متنقلًا في القدس، ونابلس، ورام الله وغزة. وفي عام 1958، غادر شموط العمل لدى وكالة الغوث ليفتتح، مع أخيه جميل، مكتبًا إعلانيًا في بيروت، اشتغل في مجالات التصميم والإعلان المختلفة. وقد استمر هذا المكتب بالعمل حتى عام 1964، وفي ذلك العام نظم شموط معرضًا آخر له تنقل ما بين عمان والقدس ونابلس.[15]

إسماعيل شموط كما رسم نفسه.

أعماله تطوف العالم

في لبنان، حيث استقر ما بين 1956 ومطلع 1964، واظب شموط على المشاركة مع زوجته تمام الأكحل في المعارض الدورية اللبنانية، ولا سيما معرضي الربيع والخريف اللذين كانا يقامان في قاعة اليونسكو ببيروت سنويًا، كما عملا معًا في تدريب معلمي الفنون في مدارس وكالة الغوث في لبنان والضفة الغربية وغزة. وفي بيروت أيضًا، أقام شموط معرضًا شخصيًا لأعماله عام 1960.

جرعة ماء، مائية، 1953.

كان عام 1964 عامًا استثنائيًا لشموط الذي انتقل إلى البيرة في الضفة الغربية. ففي ذلك العام دعته منظمة الطلاب العرب في الولايات المتحدة الأمريكية لإقامة سلسلة معارض لأعماله، شملت 12 مدينة أمريكية رئيسية، وهي الجولة الأوسع لمعرض شخصي قام به حتى ذلك الحين.[16]

كان ذلك العام قد شهد ولادة منظمة التحرير الفلسطينية، إثر انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في القدس (28 أيار 1964)، وعين حينها الزعيم الفلسطيني أحمد الشقيري رئيسًا لها. وفي مطلع العام التالي عين شموط رئيسًا لقسم الثقافة الفنية، التابعة لدائرة الإعلام والتوجيه القومي في المنظمة، وفي العام نفسه أقام ثلاثة معارض لأعماله في القاهرة ودمشق وطرابلس الغرب.[17]

توترت العلاقات بين الحكومة الأردنية ومنظمة التحرير إثر اعتداءات «إسرائيل» على قرية السموع بالقرب من الخليل عام 1966، حيث وقع خلالها عشرات الشهداء والجرحى من الجيش الأردني وسكان القرية، وحينها طالب الشقيري بتسليح القرى الأمامية في الضفة الغربية وتشكيل قوة عسكرية تابعة لمنظمة التحرير. وجراء هذا التوتر غادر شموط القدس وعاد إلى الإقامة في العاصمة اللبنانية، لكن عام 1966 شهد أيضًا إقامة أول معرض لأعماله في الكويت، التي سيعود للإقامة فيها لسنوات طويلة فيما بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت صيف عام 1982.

في حزيران 1967 احتلت «إسرائيل» القدس والضفة الغربية إلى جانب هضبة الجولان وشبه جزيرة سيناء، وحينها اقتحم الجنود الإسرائيليون مكتب جامعة الدول العربية في القدس لاعتقال مديره، وحين وقع نظر الجنود على لوحتين كانتا تتصدران جدار المكتب فتح هؤلاء النار على اللوحتين اللتين كان قد رسمهما شموط، وهما لوحتا «النكبة» و«ربيع فلسطين».[18]

كانت حرب حزيران 1967 واحتلال كامل الأراضي الفلسطينية وأراضٍ عربية أخرى سببًا لعودة شموط إلى تجسيد مأساة الاحتلال والموجة الثانية من التشريد في أعمال جديدة، مثل لوحته «حزيران»، حيث يتصدر اللوحة وجه أم وأبناؤها الثلاثة، فيما يحيط بهم الدمار الذي تلحقه قنابل العدو الإسرائيلي.

حزيران ، زيتية ، 1967.

من النكبة إلى المقاومة

قطعت حرب 1967 مسارًا كانت تغلب عليه موجة التفاؤل والأمل في أعمال شموط، فقد كانت نهاية الخمسينيات وسنوات الستينيات، بالنسبة للعالم العربي مرحلة نهوض وتحرر، وموجة بناء اقتصادي – اجتماعي عارمة، انعكست على الحياة الثقافية والفنية العربية، وشملت هذه الموجة شموط، الذي رسم «ربيع فلسطين»، وهي اللوحة التي تظهر ثلاث فتيات فلسطينيات يرقصن أمام حقل من أشجار البرتقال. ورغم مرارة هزيمة حزيران 1967، إلا أنها حملت معها بشائر نهوض عارم لحركة المقاومة الفلسطينية، وتبلور متسارع للهوية الفلسطينية. وهكذا حلت في أعمال شموط مفردات جديدة محل مفردات النكبة واللجوء والتشرد، مفردات تشي بالتفاؤل والأمل، ولم تعد فلسطين في أعمال شموط تختزل في شقاء ومعاناة اللاجئين، بل باتت ترتدي ثوب المقاومة والتفاؤل.

ربيع فلسطين ، زيتية ، 1960.

بل إن «ثيمات» إسماعيل شموط باتت تتسع لتشمل مختلف مظاهر الحياة الفلسطينية اليومية. وهكذا ظهر في لوحاته رجال ونساء يرقصن الدبكة الفلسطينية، وتكررت وجوه المرأة في أعماله، فهي بالإضافة إلى وضعها المتكرر في لوحاته كأم مع طفلها أو رضيعها، بتنا نراها في أشكال جديدة، تارة كبائعة عنب في السوق، وتارة وهي تعمل في الحقل أو تحت شجرة برتقال. وبعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر عام 1987، وجدنا أطفال الحجارة في أكثر من لوحة يلوحون بالعلم الفلسطيني، وهم في وضعية التحدي. وتتكرر مشاهد الانتفاضة في لوحات أخرى وقد تصدرتها المرأة الفلسطينية، كما لو أنه يؤرخ للتحولات التي يمر بها الشعب الفلسطيني في ثوراته المعاصرة. فهو لم يعد ذلك الشعب المشرد القانط، وإنما الشعب الذي عاد ليمسك بزمام المبادرة من أجل استعادة الأرض والحقوق.

ولقد ظلت تلك الروح تهيمن على أعماله حتى وفاته. وبدلًا من الألوان القاتمة التي سادت لوحاته المبكرة حلت ألوان مشرقة ومضيئة تتناسب مع روح التفاؤل التي غمرت أعماله الأكثر حداثة.[20]

وبينما كان شموط يواصل عرض أعماله في عواصم ومدن مختلفة من البلدان العربية والعالم، تتوجت جهوده مع زملائه من الفنانين الفلسطينيين في تأسيس اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين عام 1969، حيث ترأس هذا الاتحاد، الذي ضم فنانين من الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعض الدول العربية، حتى عام 1984. وفي بغداد، عام 1973، انتخب أمينًا عامًا للاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب، الذي كان قد تشكل في العام نفسه، واستمر على رأسه عشر سنوات، حتى عام 1984.[21]

وضوح الاتجاه الفني
التزم إسماعيل شموط منذ المراحل المبكرة لمسيرته الفنية وحتى وفاته بأسلوب فني رئيسي هو الأسلوب «الواقعي التعبيري»، مع استثناءات نادرة لجأ فيها إلى الرمزية. وقد فسر اتجاهه الفني نحو الواقعية التعبيرية واستمراره فيها في أكثر من مناسبة ومكان.

فهو، كما يقول في كتابه «الفن التشكيلي في فلسطين»، يرى أن الأسلوب الواقعي التعبيري هو الأكثر قدرة على تحقيق الهدف، حيث وجد الرواد [وهو يقصد نفسه بالدرجة الأولى] إمكانية كبرى لنقل مشاعرهم والتعبير عن آلامهم وآمالهم، فراحوا عبر هذا الأسلوب يسكبون من روحهم ووجدانهم، ما تركته الأحداث من أثر في نفوسهم، يرسمون ويصورون وينحتون فلسطين المختزنة في ذاكرتهم والمعشعشة في مشاعرهم.[22]

شكل الأسلوب الواقعي التعبيري عنصر قوة لدى إسماعيل شموط بالنظر إلى قدراته الكبيرة على التشخيص ورسم الأجسام والوجوه البشرية، وكذلك لتميز قدراته التلوينية التي استمدها من رواد المدرسة الانطباعية، مما منح أعماله ذلك المزيج من التماسك التكويني والغنى اللوني. على أن أعماله، في مراحل مختلفة من مسيرته، شهدت تنوعات أسلوبية على صعيد الخط أو اللون، بل وأظهرت بعض أعماله تحررًا واضحًا من القواعد الأكاديمية، واتسمت أحيانًا بالخشونة اللونية أو الخروج على قواعد المنظور. ففي مجموعته المائية عن «تل الزعتر»، على سبيل المثال، أظهر ميلًا أكبر نحو الرمزية على حساب قواعد الواقعية الأكاديمية.[23]

لوحتان من مجموعة تل الزعتر، ألوان مائية، 1976.

أما مصادر واقعية إسماعيل شموط الأسلوبية فهي تعود إلى منبعين رئيسين هما المدرسة «الواقعية الاشتراكية» التي سادت في البلدان الاشتراكية، تحت تأثير الأيديولوجية الماركسية والتفاؤلية الثورية، والمدرسة الإيطالية، خاصة بعد دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة بروما (1954-1956)، حيث استمد من هذه المدرسة أسلوب العرض الأسطوري، كما تعبر عنها المنحوتات الرومانية، حسب تحليل الدكتور مازن عصفور.[24]

كما تأثر شموط لونيًا بالمدرسة الانطباعية التي تتسم بالألوان المضيئة المستمدة من الضوء الطبيعي، وهو ما يفسر الغنى اللوني للوحات شموط بعد عودته من دراسته في روما.

«قرب برمانة»، في لبنان، لوحة زيتية تبرز تأثر شموط لونيًا بالمدرسة الانطباعية، 1970.

مساهمات متنوعة
لم يكن شموط رسامًا رياديًا فحسب و«صانع ثورة عن طريق الفن»،[25] وإنما كان قائدًا ثقافيًا، شغل مناصب رفيعة في منظمة التحرير الفلسطينية كرئيس للدائرة الفنية والإعلامية فيها، ومن خلالها، أنتج عشرات الملصقات السياسية الفلسطينية التي حملت بصمته. كما أشرف على بناء أرشيف ضخم للصور الفوتوغرافية في إطار المنظمة، يعود إلى بدايات نشأة منظمة التحرير وحتى مطلع الثمانينيات، حين اجتاحت «إسرائيل» الأراضي اللبنانية في صيف 1982، واحتلت مقرات المنظمة ومؤسساتها الثقافية والفنية في بيروت. ومن ناحية ثالثة، مارس شموط منذ عام 1967 إنتاج الأفلام الوثائقية والأشرطة السينمائية، التي شارك بعضها في المهرجانات السينمائية الدولية.[26]

ولا يفوتنا التذكير بدور شموط كباحث تاريخي ومؤلف تربوي، ترك وراءه العديد من المؤلفات، لعل أقدمها كتاب وضعه ليكون مرشدًا في مجال التربية الفنية، تحت عنوان «الفنان الصغير»، عام 1957. وتلته ستة مؤلفات، أهمها «الفن التشكيلي في فلسطين» الذي صدر عام 1989.[27]

غلاف كتاب شموط الأبرز «الفن التشكيلي في فلسطين».

وحظي إسماعيل شموط بالعديد من الجوائز، منها «درع الثورة للفنون والآداب»، و«وسام القدس للثقافة والفنون والآداب»، و«جائزة فلسطين للفنون» من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، كما نال «جائزة الإبداع للفن التشكيلي العربي» من مؤسسة الفكر العربي، ومقرها بيروت.[28]

غلاف كتاب تمام الأكحل عن سيرتها وإسماعيل شموط.

تنقل شموط في حياته بين عدد من المدن والعواصم العربية والأوروبية، من بينها غزة، والقاهرة، وروما، وبيروت، والبيرة، والقدس، والكويت، وبرلين، وعمان. وفي عدة مراحل من حياته تعرض لمشكلات في القلب، أجريت له على إثرها ثلاث عمليات جراحية في القلب، وقد توفي على إثر العملية الأخيرة في كولون، في ألمانيا، يوم الثالث من تموز عام 2006، حيث نقل إلى عمان ودفن فيها.

إسماعيل شموط وزوجته تمام الأكحل في أحد النشاطات الفنية في عمان، ويظهر الى جانبهما الفنان المرحوم علي ماهر. (من مجموعة الكاتب).

مكانة باقية

رغم وقوع إسماعيل شموط في آفة التكرار في أعماله الأخيرة، وسمة المباشرة والنزعة الخطابية في العديد من تلك الأعمال، إلا أنه كان المجسد الأول والأبرز للنكبة في الخطاب الفني الفلسطيني، وهو الرائد في مجال تحميل اللوحة التشكيلية رسالة نقل القضية الفلسطينية إلى معترك النضال السياسي والثقافي. حيث أخذ على عاتقه مبكرًا ومنفردًا، حتى وقت طويل، مهمة توثيق المأساة الفلسطينية المتمثلة في النكبة، وتقديمها في سلسلة طويلة من المعارض الفنية في مدن وعواصم العالم.

«البطل»، مائية، 1988، و«تحية لبيت ساحور»، زيتية، 1989.

ترى مليحة مسلماني، الباحثة الفلسطينية في مجال الفنون التشكيلية، أن شموط هو «رائد تمثيل مأساة اللجوء الفلسطيني، حيث عبرت أعماله التي يبقى محورها الإنسان، عن عمق الألم الذي ألمّ بالإنسان الفلسطيني، من خلال رسمه شخوصًا تكتسي وجوهها ملامح من حزن وأسى عميقين، لكنها أيضًا شخوص يشع من داخلها الكبرياء والتحدي والأمل في استرجاع حقها والعودة إلى الوطن الأم».[29]

ولعل الناقد والشاعر العراقي فاروق يوسف، كان أبلغ من عبر عن مكانة إسماعيل شموط وأهميته في الحركة التشكيلية الفلسطينية والعربية. حيث قال: «كان مزاجه الفني الذي يصنع موضوعاته يتأثر بتجليات ما يقع من حوله. لم يكن يملك الوقت لما هو شخصي. كان ملكًا لقضية أكبر منه، وكان في الوقت نفسه واحدًا من رُسلها إلى العالم، وكانت لوحاته بمثابة مؤشر يسجل بحركته، ارتفاعًا وانخفاضًا، ما يجري لذلك الشعب المعذب الذي أوكل إليه مهمة التعبير عن فجيعته من خلال الرسم».

وبعد أن يصف فاروق يوسف إسماعيل شموط باعتباره «رجل التاريخ والحكاية الفلسطينية» يضيف: «كان شموط رسام فلسطين باعتبارها طائر العنقاء، الذي ينبعث من رماده، هو رسام أيقوناتها الذي صار هو شخصيًا أيقونة […] شموط هو الابن الحقيقي لذلك الشعب، استحضره بصريًا غير أنه، في الوقت نفسه، استلهم قوته صامدًا […] فلسطين لا تزال موجودة. هذا هو درس إسماعيل شموط».[30]

 

الهوامش

[1] على سبيل المثال فقد دُعيتُ مؤخرًا مرتين للحديث عن إسماعيل شموط وصلة أعماله الفنية بتجربته كلاجئ في مقتبل العمر، مرة أولى من قبل تلفزيون «العربي-2» في 28 تشرين الثاني 2023، ومرة ثانية من قبل وزارة الثقافة الأردنية، في برنامج حواري يعده الدكتور مازن عصفور في المركز الثقافي الملكي في 12 كانون الأول 2023.

[2] كان لإسماعيل شموط سبعة أشقاء وشقيقات هم: إبراهيم، وكوثر، وجميل، وميسر، وإنعام، وجمال، وتوفيق. وقد توفي توفيق، شقيقه الأصغر، من العطش أثناء الترحيل الجماعي لأهالي اللد والرملة خارج المدينتين في تموز 1948. وقد شاركه أخوه الأصغر، جميل، هواية الرسم، وعرض بعض أعماله في معارضه المبكرة (غزة، 1953) كما شارك إسماعيل في مكتب الإعلانات الذي افتتحاه في بيروت ما بين عامي 1958 و1964. وقد التحق جميل شموط مبكرًا بالأونروا، وأمضى فيها أربعة عقود متواصلة. وسجل جميل سيرته الذاتية في كتاب صدر تحت عنوان «طيور الصبار»، عن دار الكرمل بعمان، عام 2013.

[3] يعد داود زلاطيمو (1906-2001) من الفنانين الأوائل في فلسطين، ولد في القدس، ودرس في كلية المعلمين فيها، ثم أكمل دراسته الفنية في بريطانيا، حيث تخصص في الرسم. درَّس الفنون في عدة مدن فلسطينية، ولا سيما اللد التي درس الفن في مدارسها ما بين عام 1930 وحتى عام 1948. وكانت رسومه للأحداث التاريخية فضلًا عن المشاهد الطبيعية تزين جدران مدرسة اللد الحكومية. وكان إسماعيل شموط أحد تلاميذه. وقد عادا للتواصل معًا في الكويت، عام 1985، بعد انتقال شموط إليها إثر اجتياح «إسرائيل» للبنان في صيف 1982.

انظر/ي صفحة «لوحات وأعمال الفنان داود زلاطيمو» على فيسبوك. تاريخ المشاهدة 30 كانون الأول 2023.

[4] انظر/ي شموط، إسماعيل، الفن التشكيلي في فلسطين، الكويت، 1989، ص48.

[5] المصدر السابق، ص49.

[6] المصدر نفسه، ص45.

[7] نفذ إسماعيل شموط في الخمسينيات عددًا من لوحاته الأيقونية مثل «جرعة ماء» و«بداية المأساة»، و«إلى أين؟» (1953)، و«سنعود» (1954)، و«ذكريات ونار» (1956)، و«هنا كان أبي» (1957)، وهي الأعمال التي أنجزها خلال سنوات دراسته في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، أو أثناء التحاقه بأكاديمية الفنون الجميلة بروما.

[8] انظر/ي: المدهون، راسم، «ذكرى إسماعيل شموط: الفن راية الأمل والنماء والازدهار، في ضفة ثالثة»، 19 حزيران 2023.

[9] شموط، الفن التشكيلي في فلسطين، مصدر سابق، ص49.

[10] المصدر السابق، ص50.

[11] المصدر نفسه، ص51.

[12] حضر حفل الافتتاح الحاج أمين الحسيني، رئيس الهيئة العربية العليا، وأحمد حلمي باشا، رئيس حكومة عموم فلسطين التي أعلنت في غزة عام 1948 ولم تستمر طويلًا، وأحمد الشقيري، الشخصية الفلسطينية البارزة التي سوف تتولى عام 1964 رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، وعبد الخالق حسونة، أمين عام جامعة الدول العربية حينذاك.

انظر/ي: شموط، المصدر السابق، ص54.

[13] تمام الأكحل، ولدت في يافا، عام 1935، ولجأت مع عائلتها بعد سقوط مدينة يافا إلى لبنان، حصلت على منحة لدراسة الفنون في القاهرة عام 1953، حيث التقت بإسماعيل شموط أثناء مشاركتهما في معرض اللاجئ الفلسطيني، عام 1954. وقد عملا معًا في تدريب معلمي الفنون في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين [الأونروا] قبل أن يتزوجا عام 1959. هذا وقد روت تمام الأكحل، في كتابها «اليد ترى والقلب يرسم»، سيرة حياتها المشتركة مع إسماعيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2016.

[14] انظر/ي كارين روردانتس، إسماعيل شموط، 17 نسخة من لوحاته، دار هنشل للنشر، الفن والمجتمع، برلين، 1975. ص13.

[15] أُقيم معرض إسماعيل شموط في عمان، في قاعة تابعة لأمانة العاصمة بالقرب من المدرج الروماني. وفي حينها قمت بمساعدة إسماعيل شموط في تجهيز لوحاته للعرض، وبقيت معه طيلة مدة المعرض. وتلقيت منه هدية هي عبارة عن نسخة فوتوغرافية عن أحد أعماله.

[16] كارين روردانتس، مصدر سابق، وص13.

[17] المصدر السابق، ص13.

[18] المصدر السابق، ص5.

[19] عكست لوحة إسماعيل شموط «طاقة تنتظر» والتي رسمها عام 1961، حالة التأهب التي كان يعيشها الشعب الفلسطيني في تلك الفترة، وحيث ظهر ثلاثة شبان في وضعية التأهب للانطلاق، كما لو أنهم ينتظرون اللحظة الحاسمة لذلك. وفي لوحته «الطريق»، والتي رسمها عام 1964، يظهر حشد في الوجوه ذات التعابير الصارمة، وتتخلل الوجوه أيدٍ تقبض بقوة على البنادق. وفي لوحة «مغناة فلسطينية» التي نفذها شموط عام 1970، تظهر مجموعة من النساء الفلسطينيات وهن يرقصن بأثوابهن التقليدية ذات الألوان الزاهية.

[20] انظر إلى صفحة إسماعيل شموط (Ismail shammout) على فيسبوك.

[21] يروي رفيق اللحام قصة تشكيل الاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب في مذكراته، «رحلتي مع الحياة والفن»، وتحضيراته في صيف 1965، حيث قام إسماعيل شموط ورفيق اللحام بتشكيل لجنة تحضيرية تتوجت يوم 7 تموز 1971 بصدور بيان الهيئة التأسيسية للاتحاد التي تألفت من سبعة أعضاء يمثلون سبعة دول عربية، ويذكر رفيق اللحام أنه مع انعقاد المؤتمر العربي الأول للفنون الجميلة في دمشق (6-12 كانون الأول 1971) طُرح مشروع تأسيس اتحاد الفنانين التشكيليين العرب، وعقد المؤتمر الأول للاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب في بغداد [ما بين 20 و24 نيسان 1973]، حيث انتخب إسماعيل شموط كأول أمين عام لاتحاد الفنانين التشكيليين العرب.

انظر: اللحام، رفيق، رحلتي مع الحياة والفن، دار سندباد، عمان، 2011، ص 71-173.

[22] شموط، إسماعيل، مصدر سابق، ص50، 64 – 65.

[23] نفذ إسماعيل شموط مجموعة أعمال مائية عام 1976، على إثر مجزرة «تل الزعتر» وقد تميزت بتقشفها اللوني وخطوطها القوية، ولكن شموط عاد فيما بعد إلى متابعة أسلوبه المعتاد «الواقعي التعبيري».

[24] مازن عصفور. من ندوته «قراءة في التعبير الفني النضالي للفنان الفلسطيني إسماعيل شموط»، 22 كانون الأول 2023، المركز الثقافي الملكي، عمان، الأردن.

[25] التعبير للناقد العراقي فاروق يوسف. انظر هامش [30] تاليًا.

[26] من قائمة أفلام إسماعيل شموط: معسكرات الشباب (1972)، ذكريات ونار (1973)، النداء الملح (1973)، على طريق فلسطين (1974). وكانت تجربة إسماعيل شموط في اللجوء موضوعًا لفييلم نورا الشريف، والذي حمل اسم «إسماعيل».

انظر/ي موقع مركز رؤيا للتنمية السياسية، موسوعة النخب الفلسطينية 11 تموز 2023. انظر/ي أيضًا: يوسف نعنع، «عن معلمي إسماعيل شموط» 7 تموز 2023.

[27] انظر/ي موسوعة النخب الفلسطينية، مصدر سابق.

[28] المصدر نفسه.

[29] انظر/ي مسلماني، مليحة، النكبة في الخطاب الثقافي الفلسطيني، الفن التشكيلي نموذجًا. بديل المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، بيت لحم، 2007.

[30] انظر/ي يوسف، فاروق، «الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط، ثورة عن طريق الفن»، انظر موقع وكالة وطن للأنباء، 12 شباط 2017.

*حبر