المجلة الثقافية الجزائرية

فقرة ضائعة من دانتي

لوحة الفنان الراحل فاتح المدرس

 

محمد حسين حمصي

 

أصحو فجأة 

مثل موت ..

رائحة أمي ، تغسل الليل والشبابيك 

من دم الذكريات ، وخطابات الطغاة ..

أسمع اسمي يٍُنادى ..

نبرة نزقة ، مثل غيرة الصبايا .

إنّه ” دانتي ” 

يبحث عن ميّت 

يوصله لجحيم لا يعرفه .

أسأله ممن عرف اسمي ..

ينظر إليّ مثل شرطيّ

ويقول لي : 

رأيتك في الجحيم ،

تسبح على بحر من دمع ..

دمعك الذي كان يغرق

كلّ من حولك ، وكل من حاول الاقتراب منك .

حاولت اللحاق بك ، و لم أستطع

كان صوت حزنك أعلى 

من عذابات الأغلال ومن صراخ المعذّبين .

كان المعذبون يدعون عليك بالبكاء ، 

لأن دمعك كان يخفف حرّ النيران 

ويروي ظمأهم .

أقف أمامه مثل غراب حزين ، 

هكذا وصفني .. 

ومشينا مثل نصّين

أحدهما يترجم الآخر .

يصعد على حصانه الهرم ، 

ويومئ لي مثل ذنب أتذكره ..

أفتح باب السيارة ، و أدعوه ..

ينظر إليّ بتوتر ،

أعلّمه كيف يصعد السيارة ، 

خاف عند دوران المحرك ، 

وبدأ يحملق مثل شاخصة منسيّة .

أشعل سيجارة له ، 

أسأله عن أغانيه المفضلة 

وعن بياتريس و فرجيل ..

لم يجب ، كان متكبّرا مهووساً 

مثل طواويس الجن .

ظلّ هكذا ، حتّى أوقفتنا شرطة المرور ، 

ولاحظّ المسدّس النائم كعصفور ، 

وعرف أنّ الجحيم يبدأ من هنا .

_أين أنتم ذاهبون . يسأل الشرطيّ

_ إلى الجحيم . 

_خذ حذرك ، فكلّ الطرقات إليه يملؤها الزحام .

سألني عن المتنبي 

و عن امرؤ القيس 

لم أجبه ، 

وسرت به حول الخراب المكدّس 

فوق فراديسنا المدفونة .

زرنا أغلب الطغاة ، 

و رأيناهم معلّقين من لحاهم 

أو من ربطات أعناقهم ..

ورأيناهم و هم يأكلون من بطون 

الجائعين ، و يشربون من سراويل الخائفين ..

أخذته إلى نوايانا المسعورة ،

التي تنهش وجوهنا ولا نراها .

و قرأت له كلّ قصائد المديح 

فأخبرني أنهم سيربطون من ألسنتهم 

كرباطات النعال .

كان يفهم عليّ جيداً ، 

فللأموات لغة واحدة .

سألته عن إبليس ، 

فضحك كالماء ، وقال لي : 

لم يكن إلّا نحن .

سرت به بعيدا نحو الشمس 

نحو حدائق لا بلاط فيها 

ولا مديح ، 

نحو رائحة البن والخبز ..

عرف أنّنا نبعد عن الجحيم ،

و سألني إن كان لنا خلاص 

بعد كلّ هذا الجحيم ..

فأخذته نحو أعالي الجبال 

خلف أشعة الشمس ، و صوت العصافير 

كانت كلّ الأمّهات تتحلّق حول امرأةٍ 

تبكي ولدها الذي في الجحيم ، 

وتذرف عيونها ورداً و زهراً 

سألني من تكون هذه المرأة ؟

فأخبرته و أنا أودّع كلّ بواباته و حساباته 

أنّها ” أمّي ” 

ومضيت إلى الوراء 

أُكملُ البكاء 

حتّى أغرق كلّ هذا العالم .