الاستسلام لثقافة الآخر: قراءة في رواية (كريسماس في مكة) لـ أحمد خيري العمري
أ.د. أبو المعاطي الرمادي
في رواية كريسماس لـ أحمد خيري العمري الصادرة 2018م، يسافر الطبيب العراقي (حيدر بن مرتضى الباقر) ابن الرابعة والعشرين إلى بريطانيا عام 1990م، لقضاء أيام في لندن عند أحد أخواله، لكن تغير الوضع في العراق، والتحولات العسكرية التي حدثت بعد اجتياح الجيش العراقي للكويت منعته من العودة إلى بغداد، كان قرار البقاء في بريطانيا بالنسبة له عين الصواب. يقول: “أدركت أنني هربت من المركب الغارق في الوقت المناسب، وقررت إلا أنظر إلى الخلف، انتهى العراق. انتهى بالنسبة لي”(كريسماس في مكة: ص61)
في بريطانيا بدأ _ بمساعدة أهله وخاله _ معادلة شهادة الطب العراقية وأداء الامتحانات المطلوبة لذلك، حتى يستطيع الحصول على فرصة عمل مناسبة، وتعرّف في تلك الأثناء على (أميلي) طالبة الصيدلة البريطانية التي عاش معها قرابة العامين قبل أن يتزوجها رغم معارضة أمه.” تتزوج واحدة سلمتك نفسها قبل الزواج؟”(الرواية: ص62)
تمثل أميلي المعادل الموضوعي لثقافة الآخر، فهي لم تغير دينها من أجل الزواج بحيدر، ولم تغير أفكارها، ولا أفكار مجتمعها التي عاشت وتربت عليها، فبدا تأثيرها على حيدر أقوى من تأثيره عليها؛ فالرواية التي يستسلم فيها حيدر _ عن قناعة _ للثقافة الغربية لتحل محل ثقافته العربية ” لثلاثين عامًا كنت أصنع مني شخصًا، واليوم أنظر إليه ولا أعرفه”(كريماس: ص34) ، تخلو من أي أثر لثقافته العربية الإسلامية على أميلي، ولا حتى على ابنتهما (سارة) التي عاشت حياتها بريطانية بكل ما تحتويه الكلمة من معان، دون أن تكتسب من ثقافة أبيها شيئًا.
بثت أميلي في نفس حيدر كراهية الشرق بعاداته وتقاليده وإسلامه، وسعت إلى تغيير قناعاته التي نشأ وتربى عليها، دون إي صدام مباشر معه، فبدت في الظاهر الزوجة المحبة الخائفة على زوجها، لكن المتأمل في بعض حواراتها معه يدرك رفضها التام لثقافته العربية. تقول له في لحظة غضبه من حمل ابنته سارة سفاحًا من صديقها لوك:” أنت تعيش متلازمة الأب الشرقي وسيمر الأمر سريعًا “(كريماس: ص60) ، وكأن غيرته على عرضه وشرفه بقايا تخلف عاشه قبل سفره إلى بريطانيا، وتطلب منه قبول الأمر الواقع بلا أي ذكورية شرقية ” تمالك نفسك يا هايد عليك أن تتقبل الأمر ولو بالتدريج”( الرواية: ص620)، فقبل تصرفات ابنته (سارة) التي عاشت حياتها بريطانية بكل المعاني الكامنة في هذه الكلمة، عاشت بلا دين، وبلا أخلاق، وبلا تقاليد وعادات تحكم تصرفاتها، لم تكتسب أخلاقًا من أبيها فاقد الأخلاق، ولم تكتسب من أمها غير الحرص على الأمان في علاقاتها بأصدقائها الرجال. يقول حيدر عما وصل إليه بعد أن قتل شخصية حيدر راضي باقر، وأحل محلها شخصية هايد باكر: ” تعرض هايد لاختبارات عديدة، نجح فيها كلها بتفوق، مثبتًا أن حيدر قد مات بالفعل. أول صديق لسارة، أول موعد لها مع شاب، أول سهرة في النادي الليلي، أول كأس، أول مرة ترجع مخمورة… كل مرة كان هايد يتصرف كرجل بريطاني أبيض، بل أقول إنني قد بالغت في التصرف ببرود، ربما كان لدي خوف من أن يفهم الحرص الأبوي الطبيعي على أنه بقايا لرجل شرقي متخلف “(الرواية: ص، 62 ،63) ، هذا الإطار الذي وضع حيدر فيه نفسه هو ما جعل (نزرين) صديقة ابنة شقيقته (مريم) تقول لها عنه: ” خالك تحديدًا أخذ حقنة مركزة من القيم الغربية”(الرواية: ص44)
تمظهر استسلام حيدر للثقافة الغربية لتكون ثقافته الأساس وقانون حياته في عدة أشكال. أولها تهميش الدين، والتخلص من أي وازع ديني قد يمنع قبوله للآخر، أو قبول الآخر له. فلم يعد الإسلام بالنسبة له غير خانة في جواز سفره. فهو يشرب الخمور دون إحساس بأية حرمانية، بل ويطلبها من مضيفة الطائرة وهو في طريقه إلى مكة لإداء فريضة العمرة، ويشك في يوم القيامة، والحساب والعقاب، والجنة والنار، “لم أكن متأكدًا جدًا من موضوع الآخرة، لكن هناك احتمالًا كبيرًا جدًا أن يكون الأمر حقيقيًا”(كريماس: ص215) ، ولا يعترف بالصلاة ركنًا من أركان الإسلام لا يقوم الدين إلا به، يقول عن الصلاة بعد ثلاثة عقود عاشها في بريطانيا، بعد أن طلب منه الشيخ المعمم أن يصلى ركعتين قبل أن يتبادلا الحديث عما يعاني منه:” حاولت أن أتذكر متى كانت المرة الأخيرة التي صليت فيها فعلًا، لم أتذكر”( الرواية: ص95)
وارتبط بتهميش الدين التنازل عن العادات الشرقية التي راح ينظر إليها على أنها بقايا تخلف سيطر على العرب طويلًا لصالح عادات غربية تضمن له الاندماج في المجتمع البريطاني. يقول عن شهامته مع شقيقته (ميادة) التي هاجرت مع ابنتها (مريم) إلى بريطانيا بعد مقتل زوجها (سعد)، هربًا من جحيم العراق ” الشهامة لم تكن دافعي. ليس لهذه الدرجة على الأقل، لم يبق لي شيء من هذه البديهيات الشرقية. كان شعوري بالذنب هو الذي يحركني، لا الشهامة ولا النخوة ولا أي شيء من قيم لم يعد لها مكان في حياتي منذ زمن طويل” (الرواية: ص31).
وفي موقفه من حمل ابنته (سارة) سفاحًا من صديقها (لوك) مثال واضح على موت الشهامة والنخوة العربية داخله؛ فثورته لم تكن بسبب حمل ابنته خارج مؤسسة الزواج، بل لأن (لوك) زنجي، وأحفاده سيكون زنوجًا ” ابنك سيكون أسود مثله، سيبقى ذلك في أحفادي، حفيدي أنا، سيكون زنجيًا ” (الرواية: ص144)
هذا التنازل عن النخوة العربية المحمية بسياج الدين والاحتماء بأفكار ثقافة أخرى جعله يدخل في صراع خاسر مع ابنته، ما كان له _أبًا_ أن يخسره. فعندما وضّح سبب رفضه لـ(لوك) الزنجي كان ردها: ” لا أصدق كم أنت متناقض ومنافق، هذا الحديث عن الشرف والحمل خارج نطاق الزواج كله يمكن أن يطير من أجل أوهامك العنصرية، لو كنت حبلى من جوشوا لا بأس، يمكنك أن تتقبل الأمر وتتعايش معه، لكن مع أب أسود، لا. الأمر مختلف”(الرواية: ص144) ، وراحت تكيل له الاتهامات بالعنصرية ” لقد صدّقت أكثر مما يجب دور الرجل الأبيض… نزعة التفوق البيضاء غير مناسبة لجلدك “(الرواية: ص145) ، وكشفت له حقيقة وجوده في بريطانيا التي تغافل عنها، “هل تعتقد لمجرد أنك تزوجت من بيضاء، وصرت تحاول التحدث باللكنة البريطانية، وأعطيت صوتك لصالح البريكست أنك ستحوذ عضوية في نادي البيض العنصريين ويحق لك أن تعاير السود بلونهم؟ لقد نسيت نفسك أنت عربي نصف أسود. نفس هؤلاء البيض يحتقرونك كما يحتقرون السود، بل أكثر”(الرواية: ص145)
لقد تشبعت شخصية (حيدر) بالثقافة الغربية واتخذتها قانون حياة، ولم بستطع التخلص من سطوتها، ولم تستطع ثقافته العربية تحقيق التوازن بين القبول والرفض؛ لذا عندما أتيحت له فرص الانغماس في الثقافة العربية الإسلامية بعد ثلاثة عقود عاشها في بريطانيا، في أثناء رحلة العمرة التي اصطحب فيها شقيقته (ميادة) وابنتها (مريم)، لم يرغب في الخروج من جب الثقافة الغربية، ولم يرض لحالة التوازن أن تسيطر عليه؛ ففي حوار داخلي بينه وبين نفسه بعد توسله إلى ربه أن يغفر له تقصيره في تربية ابنته (سارة) يقول: “سجدت أمام الكعبة وتضرعت لله أن يساعدني أحسست أن ثمة من يقول لي في ذهني: وأنت؟ ألن تساعد نفسك؟ بلى سأفعل سأتغير، سأكون أقرب… سأحاول على الأقل”(الرواية: ص284)
لم يستطع حيدر أخذ القرار الصريح للتغير وهو أمام الكعبة المشرفة، فبعد تسويف القيام بفعل التغير، وتسويف القرب من الله، تراجع (سأحاول على الأقل). والجملة ليست مجرد منطوق عابر من الشخصية؛ فهي تحمل نسقًا ثقافيًا يفرض نفسه على الشخصية المستلبة كلما حاولت الخروج عليه؛ لذا انتهت الرواية وهايد باكر هو الباقي من حيدر راضي باقر.





