المجلة الثقافية الجزائرية

الحب التراجيدي في قصص إيفان بونين

جودت هوشيار

 

“المماشي المعتمة” أو (“الدروب الظليلة ” كما تُرجمت إلى العربية) هو عنوان مجموعة قصصية رائعة للكاتب الروسي إيفان بونين (1870–1953)، الحائز جائزة نوبل في الأدب عام 1933. وقد أطلق النقاد على هذه المجموعة، التي تُعد من أهم أعماله في مرحلته الأدبية المتأخرة، اسم «موسوعة الحب»، لأنها تقدم، من خلال قصص مكثفة وعميقة، صوراً متعددة للحب الإنساني، ولا سيما الحب المستحيل والعابر والمأساوي، بلغة نثرية تقترب في رهافتها وكثافتها من الشعر.

كتب بونين قصص هذه المجموعة بين عامي 1937 و1945، في باريس وغراس. وقد أمضى سنوات الحرب العالمية الثانية في مدينة غراس جنوب فرنسا، في ظروف مالية بالغة الصعوبة. وهناك، وسط العزلة والقلق، أخذ يتأمل ما فقده في حياته: وطنه، وشبابه، وأحباء غادروا أو رحلوا، وأحلاماً لم يعد تحقيقها ممكناً. ومن هذه الذاكرة الجريحة، ومن إحساسه العميق بمرور الزمن، تشكّل عالم «المماشي المعتمة».

بطلات هذه القصص نساء وفتيات روسيات، مختلفات في طباعهن وظروفهن ومصائرهن، لكنهن جميعاً آسِرات، ويتركن أثراً عميقاً في الذاكرة. وفي معظم هذه الحكايات يظهر الحب فجأة، عارماً ومضيئاً، ثم لا يلبث أن ينطفئ أو يُنتزع من أصحابه بفعل الفراق أو الخيانة أو قسوة الظروف أو الموت. لذلك تكاد قصص بونين تخلو من حب ينتهي بالسعادة والاستقرار. فالحب عنده ليس طريقاً مضموناً إلى السعادة، بل هو لحظة نادرة ومكثفة من اكتمال الحياة، سرعان ما يهددها الزمن بالفناء.

وهنا تتجلى واحدة من أهم الثيمات في إبداع بونين: الحب والموت. فهما ليسا موضوعين منفصلين في عالمه، بل قطبان متداخلان، يكشف كل منهما معنى الآخر. الحب عند بونين أقوى المشاعر الإنسانية وأكثرها قدرة على منح الحياة معناها، لكنه في الوقت نفسه هشّ، محكوم بالفناء، وعاجز في نهاية المطاف عن مقاومة الزمن والموت. ومن هنا يكتسب الحب، في ظل الموت، قيمة استثنائية؛ فالإنسان لا يدرك جمال اللحظة العاطفية كاملاً إلا عندما يشعر بأنها مهددة بالضياع.

ولا يمثل الموت في قصص بونين مجرد نهاية للحياة الجسدية أو خاتمة للأحداث، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى قوة خفية ترافق الشخصيات منذ البداية. إنه حاضر في خلفية الحب، وفي لحظات الفرح، وفي ذكريات الماضي. وقد يكون موتاً خاطفاً ومأساوياً، أو موتاً بطيئاً ومضنياً، لكنه في الحالتين يذكّر الإنسان بأن كل ما هو جميل وعزيز معرض للزوال. ومن هنا يتولد ذلك الحزن الرقيق الذي يميز عالم بونين، حيث تمتزج اللذة بالألم، والذكرى بالفقدان، والحب بالخوف من نهايته.

فأبطال بونين لا يعيشون الحب بوصفه عاطفة رومانسية بسيطة، وإنما بوصفه تجربة تهز أعماق الإنسان وتكشف هشاشته. إنهم يخطئون، ويترددون، ويخونون، ويتألمون، ويفقدون من يحبون، لكن مشاعرهم، رغم تناقضاتها، تظل مشاعر بشرية حقيقية وعميقة. وبونين لا يميل إلى تمجيد الحب أو تجميله، بل يكشف تعقيداته وأوهامه وقوته المدمرة أحياناً، من دون أن يفقد إيمانه بأن الحب الصادق هو إحدى أسمى التجارب التي يمكن للإنسان أن يعيشها.

وعندما يدخل القارئ عالم بونين، يجد نفسه في فضاء حسي نابض بالحياة. يرى الغابات الروسية وبحيراتها، والأشجار الظليلة، والحدائق الصيفية، ويسمع تغريد الطيور، ويشم روائح الأعشاب والزهور، وكأن الطبيعة نفسها تشارك الشخصيات أحزانها وأفراحها. ويستطيع بونين، بعبارات قليلة، أن يجعل القارئ قريباً جداً من لحظة عاطفية عابرة، لكنها تظل محفورة في الذاكرة إلى الأبد.

ففي «ضربة شمس» مثلاً، ينشأ حب خاطف بين رجل وامرأة على متن باخرة في نهر الفولغا، حب لا يكاد يبدأ حتى يصبح ذكرى مؤلمة. وفي «الفجر طوال الليل» تقضي فتاة مخطوبة لشاب لا تميل إليه ليلة صيفية في حديقة المنزل، وسط جمال الطبيعة وسكون الليل، قبل أن يطلع الفجر حاملاً معه قراراً سيغيّر مصيرها. وفي مثل هذه القصص لا يحتاج بونين إلى المشاهد الصاخبة أو الوصف المبتذل؛ فالإيحاء، والنظرة، والصمت، ورائحة المكان، وتغير الضوء، كلها تصبح أدوات للتعبير عن أعمق الانفعالات.

وتكمن عظمة بونين في أنه يصور الحب الجسدي والعاطفي من دون أن ينزلق إلى الابتذال، ويمنحه بعداً إنسانياً وجمالياً رفيعاً. إنه لا يفصل الجسد عن الروح، ولا الرغبة عن الحزن، ولا السعادة عن احتمال الفقدان. ولذلك تبدو لحظات الحب في قصصه قصيرة، لكنها شديدة الكثافة، كأنها ومضات خاطفة من حياة طويلة.

إن «المماشي المعتمة» ليست، في جوهرها، مجرد مجموعة قصص عن الحب، بل كتاب عن الزمن والذاكرة والفقدان والموت أيضاً. الحب فيها هو الوجه الأكثر إشراقاً للحياة، والموت هو الظل الذي يرافق ذلك الضوء باستمرار. وبينهما يقف الإنسان، مدركاً أن أجمل ما في وجوده هو في الوقت نفسه أكثر الأشياء عرضة للضياع.

ومن خلال أسلوبه الشعري، وقدرته الفائقة على التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى إشارات ذات دلالة عميقة، يخلق بونين عالماً مفعماً بالحنين والشجن. إنه يجعل القارئ يتأمل في معنى الحب، لا باعتباره وعداً بالسعادة الدائمة، بل باعتباره لحظة نادرة يشعر فيها الإنسان بأنه حيّ تماماً، حتى لو كانت تلك اللحظة محكومة بالنهاية.

وهكذا تصبح «المماشي المعتمة» تأملاً أدبياً وفلسفياً في طبيعة الوجود الإنساني: في الحب الذي يأتي ويذهب، وفي الشباب الذي لا يعود، وفي الوطن الذي قد يتحول إلى ذكرى، وفي السعادة التي لا تستطيع أن تفلت من قبضة الزمن. ولعل سر خلود هذه القصص أن بونين لا يروي لنا حكايات الحب والموت فحسب، بل يذكّرنا، بأسلوب بالغ الصفاء والجمال، بأن كلما نحبه جميل لأنه زائل ، وأن الإنسان لا يستطيع أن يحتفظ بالحياة، لكنه يستطيع أن يحفظ لحظاتها العميقة في الذاكرة.