المجلة الثقافية الجزائرية

بيلينيو أبوليو مندوزا.. صديق ماركيز وشاهد على بداياته

سومر شحادة*

 

– بدأت صداقة غابرييل غارسيا ماركيز وبيلينيو أبوليو مندوزا في مقاهي بوغوتا بين عامي 1947 و1948، واستمرت رغم الاختلافات، مما جعلها صداقة متينة أثمرت عن روائي حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1982.

– تطورت العلاقة إلى صداقة دائمة في باريس عام 1955، حيث أنتجا معًا كتاب “رائحة الجوافة”. ساهم مندوزا في دعم ماركيز خلال فترات صعبة، مثل إهدائه آلة كاتبة بعد فقدان وظيفته.

– رغم التباينات السياسية والشخصية، نشر مندوزا كتابين عن علاقتهما بعد المصالحة، وكان كاتبًا بارزًا في القصة والرواية والصحافة، مما يعكس تنوع اهتماماته الأدبية والصحافية.

“تنويه: الملخص تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، يُفضل استخدامه توجيهياً، ويُنصح بالرجوع إلى النص الأصلي لضمان الدقة والتفاصيل.”

بدأت صداقة غابرييل غارسيا ماركيز مع الكاتب والصحافي الكولومبي بيلينيو أبوليو مندوزا، الذي رحل نهاية يوليو/ تموز الماضي عن 94 عاماً، في مقاهي بوغوتا بين عامي 1947 و1948، ضمن مجموعة طلاب. وكان صديق مشترك لهما في هذه المجموعة يرى ماركيز “حالة ميؤوس منها”، إلا أنَّ تلك الصداقات التي نشأت في أوساط الطلاب، أثمرت عن روائي حصل على نوبل للآداب عام 1982، وعن صداقة بُنيت في لحظات لقاء وافتراقٍ عديدة، وحملت معها أيضاً ما يترك الصداقات حيّة، في ثباتها، وعدم تحويل الاختلاف إلى خصومة.

إن كانت معرفة مندوزا بماركيز تعود إلى سنوات الصبا، فإنَّ تلك اللقاءات العابرة السريعة التي كان يرى فيها ماركيز “شابّاً مهملاً وفوضوياً”، تحوّلت مع لقائهما مجدّداً في الحي اللاتيني في باريس عام 1955، إلى صِلة دائمة رافقت صاحب “مئة عام من العزلة”. وما نشأ وسط الكولومبيين المقيمين في باريس، استمرَّ بينهما، وأنتجَ كتاب حوارات يحمل عنوان “رائحة الجوافة” (ترجمة فكري بكر محمود)، وصدر في طبعات عربية عديدة.

بدا في الكتاب لشدّة ثرائه، أنَّ معرفة مندوزا بمشروع ماركيز، نَمت مع الصداقة التي جمعتهما. والتي تخلّلتها علاقة عمل ومساندة، إذ بعد إغلاق الصحيفة التي كان ماركيز يعمل فيها مراسلاً مطلع عام 1956، انقطع راتبه، واضطر إلى الغناء في نادٍ لاتيني مقابل مبالغ صغيرة. آنذاك، أهداه مندوزا آلة كاتبة كتَب عليها “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”.

في أرشيف ماركيز 48 رسالةً بينهما، تمتد بين عامي 1961 و1971، تتناول شؤون العمل والأسرة ورحلاتهما. والأهم رسائله التي يشرح فيها تطوّر مشروعاته السردية والصعوبات التي يواجهها في أثناء الكتابة. من مثل إخباره مندوزا عن الاقتراب من إنهاء رواية “مئة عام من العزلة”، وعن رضاه عن صيغتها الأخيرة بعد أن رافقته منذ شبابه، وحملت اسمها الأوليّ “البيت”. كما يخبره عن إعادة بناء رواية “خريف البطريرك”، بعد تخلّيه عن تقديمها بصورة مونولوغ طويل بصوت الدكتاتور، وكان أحد قرَّاء ماركيز في أثناء عملية التأليف.

ربما هذه المقدمات الطويلة، أو هذا التجاور للمشروع الذي أتاحته سنوات الصداقة والعمل، جعلا من كتاب “رائحة الجوافة”، يأخذ صيغة المحادثة الطويلة، التي تكشف تفكير ماركيز في الفن، وعلاقته برواياته. فالحوار أقرب إلى الورشة، يتقاطع فيه مسارا الحياة والكتابة، وكأنَّما كلّ منهما يظهر في الآخر، وكأنما الكتابة اجتراحٌ مِن داخل العيش نفسه. إلى جانب ما يعرضه ماركيز من أفكار حول أساليب كتابة رواياته، وعلاقته بالخرافة وعاداته اليومية ومخاوفه، والمادّة التي قدّماها ربما تكون أحد أوضح مفاتيح عالم ماركيز الخاص السحريّ.

تشكّلت صداقتهما بالكثير من نقاط الاختلاف لا اللقاءات وحدها

مع ذلك، ما صنع الصداقة ليس اللقاء فقط، أيضاً مسارٌ موازٍ من الانقطاعات، خاصة مع تباين مواقفهما السياسيّة، بالمواقف التي اتخذها مندوزا، المناهضة للشيوعية وللأنظمة اليسارية في أميركا. حتى على الصعيد الشخصي، إذ اعترضت مرسيدس على تضمين مندوزا وقائع رأت أنها تخصّ الحياة العائلية، وذلك في كتابه “اللهب والجليد”، وسبَّب المخطوط ابتعاد الصديقين لسنوات. 

بعد أن مضت القطيعة، نشر مندوزا كتابين عن سنواته مع ماركيز، وهما: “تلك الأزمنة مع غابو”، و”غابو: رسائل وذكريات”، حيث نشر مختارات من المراسلات بينهما، خاصّة أن مندوزا كان حاضراً إلى جوار ماركيز في السنوات التي كان ماركيز مجهولاً فيها. أما بالنسبة إلى مندوزا كاتباً، فقد بدأ تجربته القصصية بكتاب “المنشقّ”، وكتب روايات منها: “سنوات الهروب”، و”خمسة أيام في الجزيرة”، و”بين ماءين”. كما أصدر كتباً في البورتريه الصحافي والمذكرات، إضافة إلى كتب سياسية شارك في تأليفها مع ماريو فارغاس يوسا.

*العربي الجديد