المجلة الثقافية الجزائرية

“الحكمة الشعبية” الفلسفة الشعبية والقصص الشعبي

داود سلمان الشويلي

((شاع بين الناس أن الفلسفة موضوع لا تتناوله إلا عقول خاصة، وأنها لا تلذ إلا لقوم نظريين لم يروا في الحياة خيرا من أن يجهدوا عقولهم في حل مسائل هي إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة، وأنها تبحث في خيالات عقيمة لا ينبني عليها في الحياة عمل؛ وإنهم في زعمهم لمخطئون.
لم يرفع الإنسان عن مستوى الحيوان إلا فكره وقوته العاقلة، فالحيوان يرى ويسمع بل ويتذكر، ولكنه لا يستخدم هذه القوي إلا في حاجاته الوقتية؛ أما الإنسان فيرى ظواهر الكون على اختلاف أنواعها فيتصورها ويكون له فيها رأيا، ثم يجتهد في تعرف عللها وعلاقة حقائق الكون بظواهره؛ وهذا طريق فهم الشيء فهما واضحا، فإن فعل هذا قلنا: إنه يتفلسف، ولا نعني بهذه الكلمة إلا أنه يفكر في شيء خاص – ذاتا كان أو معنى – ويحاول الإجابة على هذه الأسئلة:
(1) ما هذا الشيء الذي يبحث فيه عقلنا؟
(۲) ما أصله؟
(۳) ما علاقته بغيره من الذوات أو المعاني؟
وبعبارة أخرى معنى «يتفلسف» أنه يبحث في ماهية الأشياء وأصولها وعلاقة بعضها ببعض، وليس يخلو إنسان من هذا العمل وقتا ما، فساغ لنا أن نقول: إن كل إنسان متوسط الفكر يتفلسف، وإن كل الناس فيلسوف إلى حد ما، مع تفاوت فيما بينهم، إلا من استعبدته شهواته وانغمس في اللذائذ المادية)). (مبادئ الفلسفة –أ.س.رابوبرت – تر: أحمد أمين-مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة – ص15)

لم تكن الفلسفة الشعبية في يومٍ ما فلسفة مدرسية ذات مناهج محددة ومدروسة، كما هي اليوم، بل هي فلسفة بسيطة إلّا انها عميقة، تأخذ من الأشياء الظاهر منها، لكنها في النهاية عميقة جدا. ومن هذه الجدلية بين ما هو ظاهرٌ وبين الأعماق تشكلت على مر السنين تراكمات كثيرة طبعت الكلام العامي، الشعبي، بطابع فلسفي.
إن القاريء لأكثر القصص الشعبي يخرج بنتيجة مفادها، إن هذا الكم الهائل من القصص الشعبي ما هو إلّا صورة من صور الفلسفة الشعبية، حيث إنها في النهاية تصب في المجرى العام لها.
صحيح إن الأمثال الشعبية قد حملت بين مفرداتها مفاهيم فلسفية شعبية كان التفكير الشعبي قد تشبّع بها، لما لهذه الأمثال من ((موقف صادق يختزن وجهة نظر قد لا تكون في الامتداد الايديولوجي السليم، ولكنها تحمل غبار التجارب الاجتماعية المادية والمثل كتعبير: يصوغ الموقف المادي بلا وساطة نظرية))(1).
ولكن العامة لم تقف في حدود المثل للتعبير عن فلسفتها، بل هي قد صاغت هذه الفلسفة بصيغ أدبية مختلفة، كالحكايات الشعبية، والحكايات الخرافية، وحكايات الحيوان، وغيرها من القصص الشعبي الذي هو النوع الأدبي الصادق الذي عبّر فيه الضمير والوجدان الشعبيين عن آماله، وتطلعاته، وطموحاته، عن إنتصاراته وإنتكاساته، وعن كل شيء كان له موقفا خاصا، ولهذا فإننا كثيراً ما نقع، وفي أغلب القصص الشعبي، على مثل أراد القصص الشعبي توصيله الينا فراح ينسج حوله الحوادث والمواقف ليؤكد صحته إن كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وحكايات النصائح، أو هكذا يمكن أن نطلق على هذا النوع من الحكايات، هي وجه آخر من أوجه هذا النوع القصصي الذي يعتمد على الأمثال، حيث إنها جاءت لتؤكد صحة مقولة شعبية صاغها الضمير الجمعي الشعبي عبر الأيام، وليس من المؤكد واقعياً صحتها أو عدم صحتها، وان المهم في ذلك، انها تعبّر عن تجربة فردية، وأقول فردية لأن منشأ المثل الشعبي بحد ذاته منشأ فردي قبل أن يتمثله الضمير الجمعي الشعبي، وكذلك التفكير في الحياة اليومية. ولهذا فإننا واجدون في تلك الأمثال الكثير من التناقضات، لأن هذه الأمثال، ولكونها نسبت إلى الجماعة ((أصبحت تمثل طبيعة الجماعة بكل ما فيها من متناقضات ومن هنا ظهرت الأمثال في بعض الأحيان بصورة متناقضة ومتفقة في أحيان أخرى. ذلك لأن التجربة الجماعية غير مستقرة ومن ثم لا يمكن أن تخضع لأحكام عامة وثابتة، لأن التجارب الحياتية قد تتفق في نتائجها وقد تتناقض بعض هذه النتائج مع بعضها الآخر تماماً. وقد تعبر هذه التجارب عن النظام الكامل في الحياة، وعن أحوال العالم الذي تسير فيه الأمور على غير هدى))(2).
ومن هذا المنطلق، فإن النصائح التي صيغت حولها بعض الحكايات لم تكن كلها منسجمة مع الحياة اليومية المعاشة للضمير الجمعي الشعبي، ذلك لأنها في بنيانها الفلسفي تحمل التناقضات والتي تجعل منها واقعياً، صورة مخالفة لما نعيشه نحن أو نعتقد به، وهذا متأت – كما قلت – من أن المثل الشعبي، ومن ثم النصيحة الشعبية ذات منشأ فردي، وان التجارب الفردية هي التي ولدتها، وهذا ما تؤكده لنا أكثر النصائح التي بنيت حولها حوادث الحكايات.
ولكن، هل يمكن أن نعد ما ورد من نصائح في لحمة الحكايات صورة من صور الأمثال الشعبية؟
الجواب: نعم. وذلك لأن هذه النصائح، وبما تحمله من مواقف تعليمية أخلاقية، وإيجاز في العبارة، وتشبيه، وبما تمثله أيضاً من قاعدة عامة للذوق والسلوك، كل هذا يؤكد صحة ادعائنا، ويمكن أن تكون هذه النصائح ذات المنشأ الفردي كالمثل، كانت في يوم ما أمثالاً تبنتها مجموعة صغيرة من الشعب أيضاً، لكنه لم يستطع الديمومة والحياة لما يحمله من تناقض حاد ومواقف أكثر سلبية قد تؤثر في يوم ما على حياة الجماعة، وهذا وارد إذا تعرفنا على المدلولات الأخلاقية والاجتماعية لها.
فهذا النص العراقي \”ثلاث نصائح\” يورد النصيحة الثالثة \”أزرق العينين، أفرق السنّين لا تخاويه\”، أي لا تصادقه.
مثل هذه النصيحة لا وجود لها في الواقع أي تطبيق، على الرغم من انها قد تشكلت من خلال موقف فردي، ولكن أكثر النصائح التي أوردها القاص الشعبي ما هي إلّا مفاهيم فلسفية قد تشكلت عبر تراكمات زمنية لتجارب الانسان نفسه. فها هو يؤكد فلسفة أخلاقية تؤكد على الصبر، وللصبر مفهوم شعبي قد صيغ بأكثر من مثل، وله مفهوم ايجابي، ومفهوم سلبي أيضا.. فهو يقول: \”نم مهموماً.. ولا تنم ندماناً\” وهو شكل آخر من أشكال المثل القائل \”الصبر مفتاح الفرج\”.
والفلسفة الشعبية، تستمد مفاهيمها من خلال الظواهر الطبيعية والتجارب الحياتية، حيث انها تصوغ، وتسوق، مدلولاتها ومفاهيمها بكل بساطة، وذلك لأن التفكير الشعبي يتسم بخصائص منها:
1 – بسيط لا ينزل إلى الأعماق كما لا يحلق في الخيال. ويمكن أن يقال انه تفكير واقعي يعتمد على التجربة اليومية، ويعالج المشاكل الحياتية في صورتها الأولى غالباً(3). أي ان الفلسفة الشعبية تبتعد عن روح التحليل الذي يشكل جوهر الفلسفة الكلاسيكية، ولأن التحليل هو من عمل التفكير، والتأمل المعتمد على ملاحظة العلاقات بين الأشياء عند تصور هذه الأشياء(4).
2 – ان مصادر الفلسفة الشعبية لا تعرف الدهشة، لأن المفكر الشعبي دائم المراقبة للواقع وهو غير مستغرق أيضاً في تأمل يجعل ملاحظة الظواهر الاجتماعية والطبيعية مصحوبة بالدهشة وعنصر المفاجأة، وكذلك، لا يعرف المفكر الشعبي الشك، لأن القاعدة التي ينهض عليها التفكير الشعبي هي الإيمان، أما الشعور بالفقدان فقد يكون أحد مصادر هذه الفلسفة(5).
3 – لا تحاول الفلسفة الشعبية أن تسعى إلى ما تؤكده الفلسفة الكلاسيكية من اعطاء منهج للتفكير كما أنها لا تسعى لتكوين مذهب وان كانت تصدر عن عقيدة(6).
4 – الفلسفة الشعبية لا تتناول قضايا ذات أبعاد وتفاصيل وعلاقات بل تقترب من أن تكون اختصاراً لموقف معين من خلال الحكم عليه، فهي فلسفة موقف لا فلسفة قضية، وأعني بالموقف النصح المؤقت للتصرف حيال ظروف عارضة وليست بناء تتفرع منه القضايا والاتجاهات(7).
5 – تأخذ الحكمة الشعبية مضمونها من واقع الحركة الاجتماعية في اختصار شديد(8).
هذه مجمل خصائص التفكير الشعبي، ومن ثم الفلسفة الشعبية، والتي يمثلها المثل الشعبي أصدق تمثيل، وكذلك النصائح الشعبية الواردة في القصص الشعبي أيضاً. حيث انها كانت في يوم ما مثلاً شعبياً ولكن التجارب الحياتية قد لفظتها من طريقها.
فماذا نجد بعد ذلك في هذه النصوص التي بين أيدينا؟ ان الذي يواجهنا فيها هو:
1 – موقف حياتي فردي للظواهر الطبيعية \”لا تنم في وادٍ\”.. وكذلك للظواهر الحياتية للانسان \”أزرق العينين أفرق السنين لا تخاويه\”. و\”حبيبك اللي تحب ولو كان دُب\”، ومن التجارب لبعض الظواهر الفكرية الشعبية \”نم مهموماً ولا تنم ندماناً\” و\”ان الصبر أقوى من الحق\” كما صاغه النص السوداني\”بلا عنوان\”، وكذلك \”ساعة الحظ ما تتعوض\”، النص المصري، و\”اقنع بالقليل يأتيك الله بالكثير\”،النص اليماني، و\”لا تخون من ائتمنك ولو كنت خائن\”،النص اليماني والمصري.
ان اغلبية هذه الأمثال التي بنيت عليها بعض الحكايات كانت أمثالا شعبية سلبية، تدعو إلى الاتكال، والأفكار السلبية، والصبر على حالة الفقر، ولا تدعو إلى التفكير الصائب، وإلى العمل، والاجتهاد في الحياة.
2 – إيراد النصيحة قبل الحالة، أو المقام المناسب… وهذا ما تؤكده لنا جميع النصوص التي بنيت أساساً على النصيحة.. بعكس المثل الشعبي، الذي يأتي بعد الحالة المناسبة ليؤكدها. أما النصيحة فانها تأتي للتحذير.. ومن هذا المنطلق يمكن القول ان النصيحة هي \”أسئلة التحذير\” أو الوقوع في التحذير.
3 – خلو أغلب النصائح من الواقعية، مما حدا بأحد الباحثين إلى جعل هذه الحكايات في باب أدب اللامعقول. حيث يقول عن النصائح التي وردت في النص العراقي انها ((تضمنت اللامعقول في النصيحة الأولى. فليس من المعقول أن يكون الناس من أصحاب الاسنان المتباعدة ومن ذوي العيون الزرق، خونة.. وربما كانت هذه الصفات غير محببة لما لصفة الاسنان المتباعدة من شبه ببعض الحيوانات المفترسة كالذئب والثعلب.. وما للعيون الزرق من صفة الشبه بجمال المرأة وبالسحر، والخداع.. كما يتصور بعضهم))(9).
4 – تؤكد جميع النصوص على عدم جدوى امتلاك المال.. حيث ان الكلمة الطيبة التي توصل صاحبها إلى الخير والجاه والثروة خير من ألف ليرة أو جنيه.. ولهذا نجد أبطال الحكايات يشترون الكلمات المجردة والتي هي ظاهرياً لا فائدة منها، بما يملكون من مال، ولكنه في النهاية يجدها ((خير عون.. في حياته بل خير عون للشعب في حياته الكادحة. ولا غرابة في ذلك وهو الذي أودع حكمه في أمثال كثيرة وفي حكاياته))(10). وهذا ما حدث في حكاية \”حسن آكل قشور الباقلاء\”.
لذا نجد هذه الحكايات – بنصوصها المتعددة – قد صيغت على هذا النحو لتؤكد الدور العظيم للكلمة.. ولا يغيب عن بالنا ما للمصادفة من أثر فعال فيها.. وأيضاً، ان إيراد مثل هذه الأحكام، وبهذه الصيغة المكثفة، التي تشبه إلى حد ما المثل الشعبي – كما قلت – بل تكاد تكون هي المثل بعينه، والتي هي تجسيد لحكمة وتجربة ذات قيمة اجتماعية فلسفية.. تحمل بين طياتها فلسفة ابن الشعب تحت ظروف دينية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية سيئة، هذه الفلسفة التي جاءت نتيجة حتمية مرّ فيها الفكر الجمعي الشعبي، على الرغم مما فيها من قيمة أخلاقية أيضاً، فانها في النهاية – وبعد التدقيق فيها – نجدها تدعو فيما تدعو اليه إلى روح الاتكال على القدر، أو بصورة أخرى فيها الكثير من القدرية اعتماداً على الكلمة أو ما تحمله من تاريخ طويل يحمل ارهاصات التجربة عبر التاريخ.
***
* النصائح التي ذكرت في الحكايات:
– \”حبيبك اللي تحب ولو كان دب\”.
– \”حبك حب ولو كان عبد و دب\”.
– \”ساعة الحظ ما تتعوض\”.
– \”من آمنك لا تخونه ولو كان خائن\”.
– \”لا تخون من أئتمنك ولو كنت خائن\”.
– \”اقنع بالقليل يأتيك الله بالكثير\”.
– \”إذا رأيت الرقص فلا يفوتك\”.
– \”يوم الهنا ما بتفوت ولو على قطع الرأس\”.
– \”الصبر أقوى من الحق\”.
– \”نم مهموماً.. ولا تنم ندماناً\”.
– \”أزرق العينين، أفرق السنّين لا تخاويه\”.
– \”لا تنم في وادٍ\”.
***
وهذه بعض نصوص الحكايات:
1 – النص العراقي \”ثلاث نصائح\”. (11)
2 – النص المصري \”بلا عنوان\”. (12)
3 – النص السوداني \”بلا عنوان\”. (13)
4 – النص اليماني \”على رأس الظالم تقع…\”.(14)
5 – النص الفلسطيني \”المرأة سبب كل شيء\”. (15)
***
الهوامش:
1– فلسفة المثل الشعبي– محمد ابراهيم ابو سنة – القاهرة – 1968– ص11.
2– الشعب المصري في أمثاله العامية– ابراهيم أحمد شعلان – القاهرة – 1971– ص33.
3 – المصدر السابق – ص51 .
4 – المصدر السابق – ص7 .
5 – المصدر السابق – ص8 .
6 – المصدر السابق – ص8 .
7 – المصدر السابق – ص8 .
8 – المصدر السابق – ص8 .
9 – مجلة ت. ش العراقية ع3 / س9 / 1978.
10 – قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية – د. نبيلة ابراهيم – بيروت – 1974 .– ص178.
11 – ت. ش. العراقية ع3 / س9 /1978 – ص166.
12 – قصصنا الشعبي – ص176.
13 – عز الدين اسماعيل – القصص الشعبي في السودان – القاهرة – 1971.
14– حكايات وأساطير يمنية – علي محمد عبده – بيروت – 1978– ص101.
15 – دراسة في المجتمع والتراث الشعبي الفلسطيني – منظمة التحرير الفلسطينية – مركز الابحاث – بيروت – 1973– ص165.