جودت هوشيار
جبلي الكرملين
عنوان قصيدة للشاعر الروسي العظيم أوسيب ماندلشتام (1891 -1938) . وتعد أشهر قصيدة تهكمية في القرن العشرين ، كشف فيها القناع عن وجه حاكم مستبد وبطانته . وكانت السبب المباشر لأعتقاله ومن ثمّ إعدامه .
شعر ماندلشتام عصي على الترجمة ، فالمعنى عنده لا يظهر على السطح ، بقدر ما هو بين الكلمات , لذا وقع العديد من الشعراء الأجانب ، في أخطاء كثيرة ،عند ترجمة قصيدته الشهيرة ” جبلي الكرملين ” من لغة وسيطة في معظم الأحيان الى لغاتهم ، واخذوا بالمعانى الظاهرة للكلمات ، واضافوا الى القصيدة المترجمة ما هو غريب عنها من كلمات او عبارات. لذا سنحاول تقديم ترجمتنا لهذه القصيدة من اللغة الروسية مباشرة . ومن ثمّ تصحيح الأخطاء التي وقع فيها أولئك المترجمون .
نعيش دون أن نشعر ببلدنا تحت أقدامنا
أصواتنا لا تسمع على بعد عشر خطوات
في أي حديث عابر مهما ابتسر
جبلي الكرملين لا بد أن يذكر
أصابعه الغليظة دهنية مثل الديدان
كلماته فصيحة وثقيلة كعيار الميزان
وشارباه الصرصوريان يضحكان
جزمته اللامعة تخطف البصر
ومن حوله رعاع من القادة بأعناق نحيلة
وهو يتلاعب بخدمات أنصاف الرجال
واحد يصفر ، وآخر يموء ، وثالث ينوح
هو وحده يقصف ويجرح
كما الحدوة يقذف بوجوههم مرسوما اثر مرسوم
يصيب هذا في الفخذ ،وذاك في الجبين
وآخر في الحاجب ، ورابع في العين
كل اعدام عنده – مالينا
وصدر الاوسيتي جد عريض .
جاءت القصيدة كرد فعل على الواقع السوفيتي المرعب في فترة الثلاثينات . ماندلشتام يصف بدقة ملامح ذلك الزمن . دولة كبيرة تفضل الصمت:” كلامنا لا يسمع على بعد عشر خطوات “. كانت كل كلمة لا تعجب السلطة ، يمكن أن تؤدي بصاحبها الى الإعتقال أو الإعدام . مناخ الرعب هيمن على الإتحاد السوفيتي .
في قصيدة ” جبلي الكرملين ” رسم الشاعر بورتريه ستالين بدقة ، ولم يذكر اسمه بشكل صريح ، بل اشار اليه بـ ” جبلي الكرملين ”
الأصابع الغليظة للطاغية تقارن بالديدان ، وشارباه بالصراصير . ويلمح ماندلشتام الى ماضي ” ستالين” بكلمة ( مالينا) الدارجة المستخدمة في عالم الجريمة المنظمة ، والشاعر يشير هنا الى المرات الست التي حكم فيها على ستالين ، وكانت خمس منها بسبب السرقة والسطو ، ومرة واحدة فقط بسبب نشاطه السياسي . وليس من قبيل المصادفة الإشارة الى صدر الاوسيتي العريض ، لأن ستالين ولد في بلدة غوري ، في جنوب اوسيتيا. وصور الشاعر ،انصاف البشر ، من القادة الرعاع غير القادرين على الكلام بحضوره ، وهم يلعب بخدماتهم :
“واحد يصفر ، وآخر يموء ، وثالث ينوح .
ملاحظات على الترجمات الإنجليزية للقصيدة
أشرنا آنفاً أن قصيدة ” جبلي الكرملين ” ترجمت الى أهم لغات العالم ، ولكن لدى مراجعتنا للترجمات الإنجليزية ، تبين لنا أن العديد منها، لا تعبر عن روح النص الروسي. فقد ترجمت كلمة ( مالينا) الروسية الى ( التوت ) وهي ترجمة صحيحة لغوياً ، ولكنها خاطئة تماما في هذه القصيدة . لأن الشاعر لا يقصد بكلمة ( مالينا) ثمرة التوت ، بل اللفظ الدارج الشائع في عالم الإجرام في جورجيا وروسيا ، ملمحاً الى الماضي الإجرامي للطاغية .
ولم يكتشف هؤلاء المترجمون المعنى الحقيقي لكلمة ( مالينا ) وبعضهم أضاف اليها كلمة الأحمر. فقد جاء البيت ما قبل الأخير في ترجمة الشاعر الأميركي المعروف روبرت لويل على النحو التالي :” بعد كل إعدام ، يضع كأي قبلي جورجي / توتاً أحمر في فمه “. ولا وجود للشطر الأول من هذا البيت في القصيدة .
أما ف دبليو أس ميروين فيقول:” يدحرج الإعدامات على لسانه كثمرات عنبية / متمنيا معانقتهم مثل أصدقاء من الوطن .
ولا أدري من أين أتى ميروين بالثمرات العنبية ، وبالشطر الأخير. بل ان بعض المترجمين حلقوا بعيدا عن الأصل بقولهم : ” كل اعدام مأدبة/ وكبيرة هي شهية الجورجي ” وبعضهم قال ان التوت يرمز للدم بلونه الأحمر ، وآخرون قالوا ان التوت يعبر عن الرخاء والإنشراح.
مقتطف من بحثي الموسوم بالعنوان ذاته عن حياة وابداع اوسيب ماندلشتام –
*من صفحة جودت هوشيار على الفيسبوك





