المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الطُّوفان الأقصى!: (قراءة في بنية العقليَّة الاتِّباعيَّة)

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

كنتُ قد سألتُ (ذا القُروح) في المساق السابق: كيف امتدَّ الخِطاب العنصري من “التَّناخ/ العهد القديم” ليصبَّ في “العهد الجديد”؟ فأجاب:

– أنت تقرأ، مثلًا، في “إنجيل متَّى”(1): 

“ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُناكَ وانْصَرَفَ إِلَى نَواحِي صُورَ وصَيْداءَ. وإِذا امْرَأَةٌ كَنْعانِيَّةٌ خارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قائِلَةً:”ارْحَمْنِي، يا سَيِّدُ، يا ابْنَ داوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا”. فَلَمْ يُجِبْها بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ، وطَلَبُوا إِلَيْهِ قائِلِينَ:”اصْرِفْها، لأَنَّها تَصِيحُ وَراءَنا!” فَأَجابَ وقالَ:”لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرافِ بَيْتِ إِسْرائِيلَ الضَّالَّةِ.” فَأَتَتْ وسَجَدَتْ لَهُ قائِلَةً:”يا سَيِّدُ، أَعِنِّي!” فَأَجابَ وقالَ:”لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ ويُطْرَحَ لِلْكِلاب!” فَقالَتْ:”نَعَمْ، يا سَيِّدُ! والكِلابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الفُتاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مائِدَةِ أَرْبابِها!” حِينَئِذٍ أَجابَ يَسُوعُ وقالَ لَها: “يا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَما تُرِيدِينَ.” فَشُفِيَتِ ابْنَتُها مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ.”

فكيف يكون (يسوع) كما يصفونه وينظر إلى غير أبناء قومه، من “خِرافِ بَيْتِ إِسْرائِيلَ الضَّالَّةِ”، على أنهم “كلاب”؟! وحتى لو كانوا كلابًا، ألا يستحقُّون الرحمة، من باب الرفق بالحيوان؟! كلَّا، لا يستحقُّون؛ فالإنسان الكنعاني، الفلسطيني، لا ينبغي أن يُلتفَت إليه؛ لأنه من عِرقٍ آخَر، و”لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ ويُطْرَحَ لِلْكِلاب!” وتصريحات وزير العدوان الإسرائيلي، (يواف غالانت)، إذ وصف الفلسطينيِّين بأنهم “حيوانات بَشريَّة”، هو شاهد حيٌّ على ذلك الموروث المشترك بين أتباع العهدَين! تلك عقيدة راسخة لديهما، وليست وليدة اليوم. 

– ماذا عن الطُّوفان؟

– أمَّا قِصَّة الطُّوفان- كما قَصَّها “التناخ” تحديدًا، أو “العهد القديم”، كما يسمِّيه النصارى- فنحن نجد جذورها لدَى السومريِّين والأكديِّين، في (قِصَّة الطُّوفان)، أو “ملحمة كَلْكامش”، على سبيل المثال. 

– ما الذي حدث؟ 

– تدلُّ الحفريَّات الأثريَّة الحديثة على أنه قد حدث في (العراق) وما جاورها فيضانٌ رهيبٌ بالفعل في قديم الزمان. ومن خلال المكتشفات الأثريَّة لمدينة (أور) يتبيَّن أنَّ حضارةً كانت قائمةً هنالك ضربها طُوفانٌ عظيم، ثمَّ نشأت حضارات على آثارها. إلى غير هذا من الشواهد التي اكتُشفت في العصر الحديث، دالَّةً على أصلٍ تاريخيٍّ ما لتلك القِصَّة. أمَّا تلك التفاصيل الواردة في “التناخ”، فواضح أنَّ الخيال الشعبيَّ الأُسطوريَّ قد اشتغل عليها. وقد ظلَّت من مطاعن الملاحدة على المؤمنين، لتنافيها مع العقل والتاريخ. ولقد تسرَّبت بعض تلك التصوُّرات الأُسطوريَّة إلى الثقافة الإسلاميَّة أيضًا. مع أنَّ القِصَّة القرآنيَّة لا تُناقض العقل ولا شواهد التاريخ. فهي لا تعدو الإشارة إلى غَرَق قومٍ، كان فيهم رسولٌ يُدعَى (نوح). ولم تَرِد إشارة مطلقًا في “القرآن” إلى أنَّ الماء قد أغرق الكُرة الأرضيَّة. وأمَّا معنى “الطُّوفان”، ففيضانٌ مائي، كما جاء في الإشارة إلى فيضان (النِّيل) على قوم (فرعون): ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ، والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ، والدَّمَ، آياتٍ مُفَصَّلَاتٍ، فَاسْتَكْبَرُوا، وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِين.﴾ كما لم يَرِد الزَّعم أنَّ من كان مع نوح في الفُلك هم أصل البشريَّة، التالية على ذلك العهد، فضلًا عن أنَّ من جاء بعد نوح هم من نسل نوحٍ فقط. كلُّ ما هنالك أنه حملَ معه أهل بيته المؤمنين، ومَن آمن معه من قومه، وما آمن معه إلَّا قليل، حتى إنَّ أحد أبنائه لم يؤمن. وبطبيعة الحال كان لا بُدَّ أن يصطحبوا معهم بعض حيواناتهم التي يعتمدون عليها، ولا غنى لهم عنها في حياتهم اليوميَّة، فاصطحب معه زوجين اثنين فقط من كل حيوان. تلك كلُّ الحكاية بعيدًا عن القِصَّة الكونيَّة التوراتيَّة العارمة. وهذا ما ورد عن ذلك، في أوسع تفصيل له، من (سورة هود)(2): 

﴿… وأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ: أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ؛ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. واصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ووَحْيِنَا، ولَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا؛ إِنَّهُم مُغْرَقُونَ. ويَصْنَعُ الفُلْكَ، وكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ، قَالَ: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا، فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ، ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا، وفَارَ التَّنُّورُ، قُلْنَا: احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وأَهْلَكَ، إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ، ومَنْ آمَنَ، ومَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. وقَالَ: ارْكَبُوا فِيهَا، بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا ومُرْسَاهَا، إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ. وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالجِبَالِ، ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ، وكَانَ فِي مَعْزِلٍ: يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا، ولَا تَكُنْ مَعَ الكَافِرِينَ!  قَالَ: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ، قَالَ: لَا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ، إِلَّا مَن رَحِمَ. وحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ، فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ.  وقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ، ويَا سَمَاءُ أَقْلِعِي، وغِيضَ المَاءُ، وقُضِيَ الأَمْرُ، واسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ، وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. ونَادَى نُوحٌ رَبَّهُ، فَقَالَ: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ، وأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ. قَالَ: يَا نُوحُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ؛ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ؛ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ! قَالَ: رَبِّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ، وإِلَّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي، أَكُن مِنَ الخَاسِرِينَ. قِيلَ: يَا نُوحُ، اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وعَلَى أُمَمٍ مِمَّن مَعَكَ، وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ ولَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا؛ فَاصْبِرْ، إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.﴾ 

– وماذا عن عُمْر (نوح)؟

– جاء في (سُورة العنكبوت: الآية 14) أيضًا ذِكرٌ لعُمْر (نوح): ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وهُمْ ظَالِمُونَ.﴾ وكذا جاء في “التناخ”: “وعَاشَ نُوحٌ بَعْدَ الطُّوفانِ ثَلاَثَ مِئَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً. فَكانَتْ كُلُّ أَيَّامِ نُوحٍ تِسْعَ مِئَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وماتَ.” 

– غير أنَّ من المسلمين، يا (ذا القُروح)، من فهم أنَّ “الألف سنة إلَّا خمسين عامًا” إنَّما هي القرون من مبعثه إلى وقوع الطُّوفان، وقد عاش أيضًا، كما زعموا، قبل البعث سنين طويلة، وبعد الطُّوفان سنين أطول! 

– لا حول ولا قُوَّة إلَّا بالله! العجب أنَّ هؤلاء الرُّواة يتجرؤون بطرح مزاعم في هذا لا أساس لها من تاريخ أو من نصٍّ يُرجَع إليه! وإلَّا فإن السؤال البدهي: من أين كانت تُستقَى المعلومات حول عُمْر نوح، للقول:” بَعث الله نوحًا وهو ابن أربعين سنة، ولبث فيهم ألف سنة إلَّا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وعاش بعد الطُّوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا”؟(3) أجاء ذلك في قرآن؟ كلَّا! أم جاء في حديث صحيح عن الرسول؟ كلَّا! وإنْ كان قد رُوي حديث ضعَّفه علماء الحديث، يشير إلى أن عُمْر نوح 1450 سنة.(4) ولو صحَّ، لما وقع الخلاف في عُمْر نوحٍ، بين مقدِّم ومؤخِّر.

– أسئلة لم تكن لتدور في الذهن السَّلَفي، لا في هذه المسألة ولا في غيرها، بل هو يروي، ويردِّد، ويورِّث مَن بعده! 

– ولم يكن (ابن عبَّاس) وحده من تُنسَب إليه هذه المعلومات، التي لا يُدرَى مصدرها، بل تَرادَف آخرون حول الإدلاء بكلامٍ طويل حول عُمْر نوح. ومنهم (كعب الأحبار)، الذي رُوِي عنه أنه قال: “عاش بعد ذلك [أي بعد أَلْف سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا] سبعين عامًا!”(5) وغريب أن يكون هذا قول كعب، بصفةٍ خاصَّة، فيُظهِر أنه لا يعلم ما ورد في “العهد القديم”، مع أنه “كعب أحبار”! وقيل: بل عاش (1400 سنة)! روايةً عن (وهب بن منبِّه)!(6) والعجب هنا كذلك في رواية كهذه عن واحد من أهل الكتاب، كان يهوديَّ الدِّيانة، فإذا هو لا يتفق في قوله لا مع ما ورد في كتابه القديم، ولا مع ما ورد في كتابه الجديد! وزعمَ آخرون أنه لا صحَّة لما رواه السابقون، بل عاش نوح أكثر مما ذكروا، عاش: (1650 سنة)! وهو ما روي عن (عون بن أبي شدَّاد)، ويبدو أنَّ له من اسمه نصيبًا في هذا الزعم، قال: ” إنَّ الله تبارك وتعالى أرسل نوحًا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاث مئة سنة، فدعاهم ألف سنة إلَّا خمسين عامًا ، ثمَّ عاش بعد ذلك خمسين وثلاث مئة سنة”!(7) ثمَّ جاء، في هذا المزاد العلني، من زاد على (عون بن أبي شدَّاد)، فقال: لا، بل عاش: (1700 سنة)! وهي رواية عن (عكرمة)، الذي نُسِب إليه القول: ” كان عُمْر نوح عليه السلام قبل أن يُبعث إلى قومه وبعدما بُعث ألفًا وسبعمائة سنة”!(8) 

– ماذا أردت أن تقول يا (ذا القُروح)؟ ثمَّ ما لنا اليوم ولعُمر نوح وطوفانه، في زمن (طُوفان الأقصى)؟!

– ما أُحدِّثك عنه هو الطُّوفان الثقافيُّ الأقصى! ومَن لم يراجع أمسه، لم يفهم يومه. وإنَّ في ذلك لآية على مقدار ما في صفحات التراث ممَّا يستدعي المراجعة والنقد؛ أمَّا تقديس النقل والرُّواة، فنتاج العقليَّة الاتِّباعيَّة، ولا يُغني من الحقِّ والدليل شيئًا. 

– أجل، ما أكثر ما في سرديَّات تراثنا من هَرْفٍ لا يخفَى على ذي بصر، ومن استخفافٍ بالعقول، بل من فقدانٍ للعقل النقديِّ الفطري، مع عدم تساؤلٍ عن مصادر المعلومات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإصحاح الخامس عشر: 21- 28.

(2) الآيات 25- 49.

(3) يُنظَر: ابن كثير، (1999)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمَّد السلامة، (الرياض: دار طيبة)، 6: 268.

(4) يُنظَر: موقع “الشبكة الإسلاميَّة”: https://rb.gy/wb9ot 

(5) يُنظَر: ابن أبي حاتم، (1997)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: أسعد محمَّد الطيب، (مكَّة- الرِّياض: مكتبة نزار مصطفى الباز)، 3041. 

(6) يُنظَر: القرطبي، (1964)، الجامع لأحكام القرآن، (القاهرة: دار الكتب)، 13: 332. 

(7) يُنظَر: ابن أبي حاتم، 3042؛ الطبري، (2001)، جامع البيان، XE “قرآن [ك]” تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، (القاهرة: دار هجر)، 18: 370. 

(8) يُنظَر: السيوطي، (2011)، تفسير الدُّر المنثور في التفسير المأثور، (بيروت: دار الفكر)، 6: 456.