مها الورهاني
يتوق العرب إلى شكل جديد من أشكال الدبلوماسية يتمثل بالدبلوماسية الثقافية التي ينبغي أن يتبعها المعنيون من المحيط إلى الخليج لتربط الوطن العربي بالعالم وتربط العالم بالوطن العربي فهل هذا صعب المنال ؟
ونظرا لجوهر الدبلوماسية الثقافية التي تسمح للدول أن تتقاسم أشكال التعبير الإبداعي الخاصة بها، فهي مرنة بشكل طبيعي وبالتالي يمكن أن تكون واحدة من أكثر الأدوات الدبلوماسية فعالية ومثال حقيقي لما يسمى باليوم بالقوة الناعمة أي القدرة على الإقناع والتأثير عبر الثقافة والقيم والأفكار بدلا من القوة الصلبة التي يتم اكتسابها وتنفيذها من خلال العمليات العسكرية (د. نجم الدين كرم الله).
وبينما يضيع العرب وقتهم بالقلق على المُستقبل أو الحَسرة على الماضي يستند أبناء أمم وشعوب أخرى إلى جدران حضارية صلبة من الماضي والحاضر معا ركزت عصاراتها على مختلف العلوم والثقافات تحديدا العربية والاسلامية فتعلموا من تجاربها على كافة الصعد فكان أن قرروا ساعة الخلاص من تخلفهم وعصر انحطاطهم ووصلوا إلى ما هم عليه اليوم من تقدم ورقي.
يعتقد بعض الباحثين والمفكرين أن أبناء أمة “اقرأ” لم يعودوا يبحثون انطلاقا من أن البحث بحد ذاته زوبعة سامّة، مساحةٌ لامُتَناهيةٌ من أنصاف الاحتِمالات والآمال المبتورة المقعدة. إنَّه مجرَّدُ عمَلية غريبة وعَقيمة، كآفاق مُتَرامية تمتد حتى خط مُستقبَل غير مَرئي، حيث تَموتُ كل الضَمانات ولذلك فإن البَحثُ صورةٌ من صوَرِ الاحتياج، لا أكثر.
إن الكفاح يفجر الإبداع وينتج ثقافة تحررية إنسانية ويحث الطاقات الكامنة في داخل الإنسان إلى إنتاج كل ما يرتقي بالقيم الإنسانية، كونه يرتبط بالهدف النبيل وهو الحرية والسلام لكافة الشعوب والامم فجميع البشر يتطلعون إلى العيش المشترك أكثر من التطلّع إلى النزاع ويميلون إلى البناء الحضاري أكثر من الصدام الحضاري.
ولأن الثقافة شرط أساسي للوجود الإنساني لما توفره من إمكانات لإبداعه في جميع المجالات، فإنها حجر أساس العلاقات التي يقيمها الإنسان مع أبناء مجتمعه ومع المجتمعات الأخرى وفق رؤية (د. حمد بن عبد العزيز الكوّاري) . بمعنى أن الثقافة تهب المجتمع هويته الاجتماعية التي لا يقدر على الاستغناء عنها، فتكون الثقافة أشبه بالتربة التي تتوغّل فيها الجذور فتنمو وتحيا.. ذلك يعني أن الثقافة تحمل في داخلها عناصر الحوار والتبادل والتواصل، وهي ليست دائرة مغلقة على نفسها، فلو كانت تتسم بالانغلاق لما اغتنت الحضارة الإنسانية بروافد الإبداع الثقافي من كل المجتمعات أيّا كانت درجة الإسهام كمًّا ونوعًا. وإحياء أدوار الثقافة من شأنه رأب صدوع كثيرة في العلاقات الدولية، ولذلك فإن التفاعل الثقافي بين الأمم.. جوهر الدبلوماسية الثقافية التي يجب أن تكون ندية وليس بين قوي وآخر ضعيف .
في الحالة العربية والاسلامية لا يستقيم هذا الامر لأن العرب والمسلمين منقسمون على أنفسهم وتفرق بينهم حدود مصطنعة ويتباكون فوق الاطلال على مجد غابر لم يحافظوا عليه. كما أن العلاقة بين السياسي والمثقف العربيين ميتة نتيجة التمسك بمفاهيم الهوية الصغيرة والثقافة الضيقة ولذلك لا يعتبر العرب والمسلمون مصدرا مهما للإبداع والابتكار إلا ما ندر في الأدب والفن والعلوم والتكنولوجيا حيث أدى هذا الامر إلى اكتشافات وصياغات مبتكرة فيها ضاعت في دائرة الخلافات الداخلية وتلقفها آخرون كثر على وجه البسيطة لتضاف إلى أقانيم حضارتهم ومنهم من يواصل شن الحروب التدميرية باسمها ومن أجلها تحقيقا لمصالحهم على حساب مصالح غيرهم علما أن أحد أسرار خلق هذا الوجود هو ذلك التنوع والاختلاف. فهل يعود أبناء لغة (ض) إلى استئناف دورهم في بناء الحضارة الانسانية يكون أساسها دبلوماسية ثقافية حقيقية تكرس ندية فاعلة وإلا فالموت والزوال بانتظارهم عاجلا وليس آجلا.
كاتبة واعلامية
ألمانيا





