المجلة الثقافية الجزائرية

الفتاوى الشاذة في عصر الفضائيات والانترنت إلهاء للأمة وضياع لهيبة الفقهاء..!

د/عبدالوهاب القرش

بالرغم من تحمل بلاد الربيع العربي أعباء الحياة، وصبرهم على الظروف المعيشية والتحديات الصعبة التى يواجهونها ، إلا أن هناك تحديات أخرى لا تقل عنها أهمية وهى التى تخص الجانب الروحى ونقصد هنا الدين فلا يزال مسلسل انتشار الفتاوى الشاذة والأراء المردودة تخرج في ثوب الفتوي‏، والفتوي منها براء‏، ومن تلك الفتاوى فتوى “أباحة القبلات بين غير المتزوجين ، فى حالة تعنت الأهالى فى اتمام الزواج بسبب الشروط المادية المكلفه ، لأن القبلات ليست من الكبائر مثل الزنا بل من الصغائر التى تعالج بالحسنات”..ناهيك عن فتوى “أن الراقصه إذا قتلت وهى فى طريقها لعملها للحصول على المأكل والمشرب فهى شهيدة لأنها خرجت تطلب الرزق”، ومنها فتوى “وجوب هدم أبوالهول والأهرامات الثلاثة لأنهم من الأصنام كما حكم الرسول صلى الله عليه وسلم الأصنام بمكة التى كان يعبدها المشركين”..وفتوى “على المسلم المسافر على متن الطائرة أن يتحدث مع الكابتن طيار ويطلب منه أن يتجنب الطيران فوق بلاد الكفار وإذا كان مُضطراً فعليه أن يحاول الطيران فوق تجمعات المسلمين وهذه طريقة سهلة فمآذن المساجد مرتفعة ويمكن أن تكون دليلاً للطيران الشرعي الحلال”..فتوي “المرأة التي تعمل سكرتيرة لرجل بأن تقوم بإرضاع مديرها من ثدييها ثلاث مرات بحضور زوجها عندها تكون كوالدته وبحكم الأم ويحق لهما شرعاً الاختلاء دون أثم في مكان مغلق معاً !”.. وفتوى ” على الشباب الذي يرغب أن يسبح في حمام سباحة ظن أن أجساداً عارية وبضّة وناعمة سبحت فيها من قبل.. فإذا كانت المياه جارية فالسباحة فيها حلال أما إذا كانت المياه راكدة فالاقتراب منها حرام !”..وغير هذه الفتاوى الشاذة الكثير ، ومنها فتوى مصطفى راشد -المعروف إعلامياً بمفتي استراليا- بالحج إلى جبل الطور بسيناء بدلاً من مكة ووقف الحج والعمره إليها لأن سيناء هى أقدس مكان على وجه الأرض وليس مكه على حد قوله، وبذلك يتم توفير مئات المليارات لأن ذلك فى مصلحة الشعب والأمة، ولهذا الدعي الكثير من الفتاوى الشاذة مثله.
ولعل تلك الفتاوى الشاذة يقودنا إلى فتح ذلك الملف الشائك وبمرارة الحدب على تبجيل الفتوي كرافد ديني وشرعي ، يلعب دوراً في تثقيف المسلم ، بتكاليفه وواجباته وحقوقه المشروعة، وقد كانت حتي الأمس القريب ، جمرة لا يحتمل الإمساك بها خوفاً من الوقوع في الاسم ووزر خطئها ، إلا المخلصون للدين والحنفاء له من العلماء الذين يخشون الله في منطوق الفتوي إلا بعد التقين ، وأولئك الورعين الذين يمسكون بناصية العلم الشرعي !
فباتت الآن وبكل أسف و بعد انطلاق الفضائيات وتنافسها المدفوع الثمن ، لعبة ينطق بها كل حنك أدار حوله لحية ، وتنساب سيلا من الاجتهاد العشوائي لكل رأس طوقته عمامة أو طاقية العلماء أو تدلت منه ، خرقة بيضاء !
نعم نحن نعلم مقدار الحرية التي ينبغي أن ينعم بها الإعلام في مخاطبة عقول الناس واختبار أذواقهم ، سواء في مجال البرامج العلمية أو الأدبية أو الفنية أو حتي السياسية !
ولكن أن ينفرط العقد ويسقط في هذا الدرك ، ليكون الإعلام فضاءاً مفتوحاً بلا سقف أو كوابح ، فيصبح أداة لارباك العقول وطمس مفاهيم الناس بما هو ليس متحققا في صحته أو حتي مطلوباً في مستوي أولويات المسلم ، وباسم الدين والفتوي الشرعية ، فهذا ما ينبغي أن يوضع له قسمات الشروط الواضحة والصارمة عند التصديق من الجهات المختصة لآية جهة تطلب تصديقاً بإنشاء فضائية أو إذاعة خاصة أو حتي مجلة مختصة في نشر العلوم الدينية والإسلامية على وجه الخصوص ، بل و تكون العقوبات قاسية تصل إلى درجة إغلاق المرفق المخالف إذا ما ثبت بعد التحقق مما بث أو نشر أنه يدفع في اتجاه الضرر بالدين أو المسلم.
رحم الله زمناً جاء فيه أنَّ الإمام مالك قال:”إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة ، فما اتَّفق لي فيها رأي إلى الآن” .
ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قال:”إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون”.
ومع احترامي لكافة الشيوخ الذين نسبت اليهم سلسلة من الفتاوي التي أوردناها أعلاه ، ومنهم من توفاه الله الى رحمته تعالى ومنهم من نتمني له طول العمر والعافية ، بعضهم معروف لدي الكل ومنهم أسماء لم نسمع بها ، ولا ندري إن كانت حقيقية أو متقمصة كالمدعو مصطفى راشد!
فانني اتمني صادقاً أن كان نسب إلى بعضهم ما لم يفتوا به ، أن تبادر الجهات اللصيقة بهم إلى تبيان الحقيقة ، فهم علماء لا نشك في ورعهم وعلمهم وحرصهم على إرشاد الناس بما يصلح حياتهم في دينهم وفي معاشهم ، وعلاقاتهم الخاصة الأسرية والزوجية والاجتماعية ، لأن الدين ، كل لا يتجزأ في تلك الجوانب الهامة ، وأن بدرت مع الأسف شواهد تسعي لإفساد تلك العلاقة ، لاسيما بعد اقحام دنس السياسة في متون قدسيته ، ومن هنا تسلل دعاة الفتوي للصيد في مياه السياسة العكرة خدمة لمصالح ذاتية ضيقة ، ونسوق هنا مثلا بذلك الشيخ الذي افتي بدخول النار والويل يوم القيامة لكل من لم يصوّت للسلفيين في انتخابات مصر الأخيرة ، وهو كلام فيه قمة الإرهاب واللعب على عاطفة الناس البسطاء المرتبطة بالدين ، والخائفة من المجهول بالنسبة لها في ظل تعمية تلك التنظيمات المتعمدة تحقيقاً لمصالحها الدنيوية ، وعد الاخرين بنعيم الأخرة إذا ما اتبعوهم وإلا فانهم يعدون في صفوف الكفرة !
وتلك لعمري تداعيات وتوجهات ثمنها على ديننا الحنيف وشرعنا الطاهر سيكون باهظاً ، فهي تصوره لدى الآخرين وكأنه ، متخلف عن النهضة العلمية التي أثبتت الكثير من الظواهر كحقائق علمية موثقة ، ربما وردت في كثير من استشراف الأعجاز القرآني وأمن عليها المطلعون من علمائنا الذين ربطوا الدين بالعلم وابعدوه عن الخرافات التي يحاول كثير من الجهلة ومدعو العلم اعادة نشرها وتشتيت اهتمامات الناس بها عن المقاصد الحقيقية للدين الذي ربط بين الحياة والعلم والعقل !