المجلة الثقافية الجزائرية

المثقفون الجزائريون وملف إيزابيل إيبرهارت: بين الانارة ولغزية الاثارة

مولاي علي نابتــي

 

   منذ سنة 1999م دأب مثقفو مدينة العين الصفراء، وجمعياتها الثقافية على إحياء ذكرى رحيل الكاتبة الصّحفية العالميّة إيزابيل ايبرهارت (1877-1904). حيث أثمر هذا الحراك الثقافي، بمرور السنوات، تعريف الجزائريين بهذه الشخصية المثيرة للإعجاب وللجدل في آن واحد. وفي السياق ذاته، تم غداة فعاليات السنة الجزائرية بفرنسا (2003م) توكيد مواقفها المناصرة للشعب الجزائري مطلع القرن العشرين بوصفها قاصة واقعية، ومراسلة حرب لفائدة جريدة الأخبار، ومتعاونة مع عدد من الصحف الكولونيالية بالجزائر وكذا بفرنسا وسويسرا. لقد أفضت النقاشات حول إيزابيل إلى تفاعل الأوساط الثقافية والجامعية العالميّة مع سيرتها المتفردة وكتاباتها الجريئة تزامنّاً مع ذكرى مائوية رحيلها في أكتوبر 2004م.  

   ومن العلامات الفارقة لزخم عودة إيزابيل ايبرهارت، ننوّه بتلقف الأوساط الأكاديمية الجامعية لسيرتها وكتاباتها، واتخاذها، من لدن الطلبة، موضوعات بحث متنوّعة في شتى تخصصات العلوم الاجتماعيّة والانسانية لنيل شهادتيّ الماستر والدكتوراه على غرار جامعات العالم. والحال لم تسلم هذه المنجزات الباهرة من دخول عُشاق اللّغزية والاثارة وحتى التشكيك في تعاطيهم مع ملف إيزابيل ممّا عطل فرص الاستثمار العلمي والسياحي في الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والصوفية لهذه الشخصية ذات الصدى العالمي والتي رافعت دفاعا عن الجزائريين في كتاباتها الأدبية والصحفيّة، منذ دخولها، رفقة أمها، إلى الجزائر المحتلة عبر ميناء عنابة، واعتناقهما لدين الاسلام والإقامة بحي شعبي. ثم انخراطها في الطريقة الصّوفية القادرية، وحرصها على تغطية مقاومة الشيخ بوعمامة، بالجنوب الوهراني، في أعوامها الأخيرة. 

   ضمن هذا المساق، سنحاول الاشتغال على “الضجة الإعلامية” التي أحدثها الأستاذ جمال غلاّب بمداخلته الموسومة: «إيزابيل إيبرهارت من الحياة الأرستقراطية إلى التصوّف ومقاومة الاستعمار في الجزائر» إثر مشاركته السنة الماضية، في الندوة الفكرية التي نظمتها الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية – مكتب العاصمة – بالتعاون مع الجاحظية ومخابر البحث في الجماليات يوم 18 أكتوبر 2025. من ناحيتي، حاولت انطلاقا من صفحة الأستاذ غلاّب على الفيسبوك أن أتبيَن الأدلة التي ارتكز عليها في مداخلته المثيرة للجدل من خلال سؤال مباشر طرحته عليه بهذا الشأن، ولقد رد عليَ مشكوراً، عبر الميسنجر، بارسال مضمون يتألف من سبع صفحات، عبارة عن تلخيص لسيرة ايزابيل غير أنّ تركيزي قد انصب على رصد الأدلة التي اعتمد عليها لاثبات اغتيال إيزابيل بإيعاز من الجنرال ليوتي! علني أكتشف جديدا دامغاً في ملفها المفتوح.. قرأت، بتمعن واهتمام، رسالة الأستاذ غلاّب الموسومة بـ يوميات إيزابيل ايبرهاردت، والتي يزعم فيها أنّه جاء بجديد، نقلا عن فيكتور بروكاند رئيس جريدة الأخبار، مفاده أنّ إيزابيل قد اغتيلت يوم 21 أكتوبر 1904 بتدبير من الجنرال ليوتي قائد الاقليم العسكري للعين الصّفراء. 

   وحيث استند الأستاذ غلاّب، حسب ما ورد في مداخلته، إلى تضارب بين مضمون برقيتيّن صادرتيّن عن الجنرال ليوتي، أولاهما مؤرخة في يوم 24 أكتوبر 1904 وصف مضمونها باللّغز، المُتمثل في أنّ الجنرال ليوتي كان على علم بإغتيال ازابيل ايبرهارت يوم 24 وليس يوم 27 كما تتضمنه برقيته الثانية المؤرخة في يوم 27 أكتوبر1904 

   اللافت هو إصرار الأستاذ غلاّب على أنّ حادثة غرق إيزابيل تمت باغتيالها بتدبير من الجنرال ليوتي. غير أنّنا عند رجوعنا إلى السّياق التاريخي لهذا الحدث نكتشف أنّ جميع المصادر الرّسمية الفرنسيّة المُوَثقة من تقارير عسكرية وَصُحفيّة وبخاصة جريدة الأخبار التي يرأس تحريرها فيكتور بروكاند، لا تتحدث سوى عن برقية واحدة فقط هي تلك المؤرخة في 27 أكتوبر1904 والتي يُفيد مضمونها أنّ عسكر فرنسا قد توصل إلى العثور على جثمان السّيدة إيزابيل أهني المُزدادة إيبرهارت ويلهيمين تحت أنقاض البيت الذي استأجرته بالقرية الكولونيالية بمدينة العين الصّفراء. 

   وعليه أرى أنه من المُجدي إعادة تذكير جمهور القراء بالمعطيات المُختصرة التالية :

• إنّ محاولة الاغتيال الوحيدة والموكدة التي تعرضت لها إيزابيل ايبرهارت، جرت يوم 29 جانفي 1901م بقرية البهيمة (حساني عبد الكريم حديثاً) بالقرب من ولاية وادي سوف. من طرف المدعو عبد الله بن سي محمّد بن لخضر، من أتباع الطريقة التيجانية المنافسة للطريقة القادرية التي انخرطت فيها إيزابيل أواخر عام 1900م؛

• إنّ تحركات الصّحفيين الذين جاؤوا لتغطية أحداث المنقار (تاغيت جنوب اقليم ولاية بشار) كانت بترخيص وتحت رقابة وتأمين جيش الاحتلال الفرنسي؛

• إنّ تفرد إيزابيل ايبرهارت عن باقي الصّحفيين انطلاقا من اعتناقها للاسلام وارتدائها للباس الفارس العربي، ومعرفتها للعربية الفصحى والعربية الدّارجة واهتمامها بالحياة الاجتماعية والدّينية لساكنة الجنوب الجزائري بخاصة، نهاك عن اختلاطها بهم، هي العوامل التي شجعت الجنرال ليوتي في خريف 1903 ليتعرف إليها أكثر، في محاولة منه لاحتوائها والافادة من خدماتها أو بأدنى حد من تحقيقاتها الصّحفية بما يتسق مع سياسته المعروفة بــ «إقرار السّلم لاستمالة الرافضين للتوغل الفرنسي» نُذكِّر هنا بكتابه الموسوم la Pacification، ولهذا الغرض رخّص لها السّفر إلى قصر القنادسة حيث أقامت بالزاوية الزيانية، واستطاعت تدوين أهم مقالاتها رغم الحمى التي استبدت بجسدها النحيل ! 

   في السّياق، كانت للجنرال ليوتي مع ايزابيل نقاشات في الأدب والثقافة وكذلك في سياسة فرنسا الكولونيالية في الجزائر.. وحتى نتعرف عن موقفه من آرائها نقتبس فقرة لافتة للانتباه من كتابه الموسوم بـــ «نحو المغرب.. رسائل الجنوب الوهراني» يُصرح فيها أنّ إيزابيل كانت عاصية « كنا نفهم بعضنا بعضا جيّدًا، أنا ومحمود المسكين، وسأظل أحتفظ دائمًا بالذكريات الجميلة لأحاديثنا المسائية. كانت أكثر ما أحبه في الدنيا، عاصية. أن أجد شخصًا يكون على سجيته، متجاوزًا كل الأحكام المسبقة، كل الخضوع، كل الكليشيهات، ويعيش حياته حرًا من كل شيء كطائر في الفضاء، يا لها من متعة ! أحببتها كما كانت ولما لم تكن (…) » كما كانت مغامرة شجاعة، كاتبة مقتدرة..، ولما لم تكن، متعاونة مع فرنسا الكولونيالية القمعية !

• أمّا بخصوص دعوة إيزابيل لــ أرنست جيرو Ernest Girault للمجيئ إلى الجنوب الوهراني للتحقيق في تجاوزات الاحتلال العسكري الفرنسي ضد الجزائريين وتعبيرها له عن استعدادها لمساعدته في ترجمة تواصله معهم. وَكَد جيرو هذه الدعوة في كتابه الموسوم بـ مستوطنة الجحيم Une colonie d’enfer (1905) والذي ضمنه توثيق وقائع سفره إلى الجزائر رفقة الثائرة لويز ميشيل والتي منعها كِبَر السن والمرض من مواصلة السفر معه باتجاه الجنوب الغربي، حيث كانت له وقفة بالعين الصفراء حقق خلالها مع الفرنسيين والجزائرييين ليس في حادثة غرق ايزابيل ايبرهادرت فحسب بل في السياسة القمعية للاحتلال الفرنسي بالمنطقة. 

   وبخصوص مزاعم اغتيال ليوتي لازابيل لم نعثر في كتابه على أي معطيات تُؤشر إلى أنّها تعرضت للاغتيال بل ظلت شهادة وفرضية الضابط ريتشارد كوهين، الذي عثر على جثمانها تحت أنقاض المنزل الذي استأجرته، هي الأكثر تداولا في كتاب جيرو وفي كُتب أصدقاء إيزابيل ايبرهارت. وحتى الباحثة الانجليزية سيسلي ماكوورث التي أنجزت بموضوعية لافتة عملا بيوغرافيا عن «قدر إيزابيل» فإنّها لم تنتهي إلى هذه النتيجة غير المُثبتة : اغتيال ليوتي لايزابيل ! ليس دفاعا عن الجنرال بل انصافا لموضوعية الأحداث، أعتقد أنّ ليوتي لم يكن ينظر إلى إيزابيل ايبرهارت بوصفها مصدر خطر يُهدِّد مسيرة الاحتلال العسكري الفرنسي وتوطين فرنسا الكولونيالية بالجنوب الوهراني، فلو كانت متورطة في هذا الأمر لتم منعها من التّحرك بحرية في الجنوب الجزائري الذي كان محل أطماع سلطة الاحتلال العسكري الفرنسي ! ولتمت مصادرة وحجز كراريسها أو بكل دناءة تكليف أحد الخونة بسرقتها من البيت الذي استأجرته بالقرية الكولونيالية ! وحتى إنْ سلمنا جدلا وجود نية لدى الجنرال ليوتي لاغتيال إيزابيل ألم يكن ذلك متاحا عندما كانت طريحة الفراش بالمستشفى العسكري للعين الصّفراء أو تدبير تصفيتها بنفس سيناريو محاولة الاغتيال التي تعرضت لها في قرية البهيمة بوادي سوف؟ 

   أعتقد بأنّ الكتابة عن سيرة إيزابيل إيبرهاردت قد بلغت ذروتها وتشبعت بما يكفي من شواهد وتحليل وتفسير، كان آخرها العمل الجامع الضخم الذي أنجزته إيدموند شارل رو الموسوم بـــ إيزابيل الصّحراء (2003). ألم يان لنا أن ننتصر لدراسة كتابات إيزابيل بقراءتها وقراءتها ثم قراءتها عوض النبش في جراح إيزابيل وإمتهان غربتها بطرح فرضيات عبثية لا طائل منها غير «إشعال مفرقعات لينتبه النّاس أنّنا هنا«

   وإعراضاً عن هذه الوُجهة، لا يسعني سوى التنويه والاشادة بالعمل الأدبي النقدي البنّاء الجاد الذي أنجزه الفرنسي الأستاذ محمّد روشد باشتغاله على تخليص كتابات ايزابيل إيبرهاردت من التعديلات والاضافات التي أدخلها عنوة فيكتور بروكاند رئيس جريدة الأخبار على الكتاب الذي وسمه «في ظلال الاسلام الدافئة». ولا أبرح هذا المقام دون أن أشيد وأنوه بالعمل الرائع الذي أنجزته الصّحفية ماري أوديل دولاكور وزميلها الصّحفي جان روني إلو باخراجهما لكتابات إيزابيل إيبرهاردت من أدراج مركز الأرشيف بآكسو بروفانس بفرنسا وترتيبها ضمن خمسة كتب ونشرها بمناسبة مائوية رحيلها (1904-2004)، وأختم بالمسك مُشيداً ومعترفا بالمجهود النبيل الذي قام به المرحوم بوداود عميَّر من خلال مقالاته العديدة في الصّحافة الورقية والالكترونية وعلى صفحته المائزة المرجعية على الفيسبوك للتعريف بحياة وآثار إيزابيل إيبرهاردت والتي توجها بترجمته لرائعتها ياسمينة وقصص أخرى (2011) من لغتها الأصلية الفرنسية إلى اللغة العربية، ونشرتها له دار القدس بوهران، مما أتاح للقراء التّعرف على هذه الأديبة الصّحفية التي اختطفها المنون في ريعان شبابها وأوج عطاءها السّلام لروحها.

   نختم ردّنا على ماجاء به الأستاذ جمال غلاب في الندوة الفكرية التي نشّطها بمقر الجاحظية بالجزائر العاصمة يوم 18 أكتوبر 2025 والتي يدعي فيها أنّ الكاتبة الصّحفية إيزابيل ايبرهاردت تم اغتيالها باغراقها في فيضان وادي العين الصفراء بتدبير ومؤامرة حاكها الجنرال ليوتــي. حيث أستكمل في هذه الورقة أركان الرد باطلاع قراء اللغة العربية بخاصة، ولأول مرة، بالنص الكامل للتصريح الذي أدلى به سليمان إهني، زوج إيزابيل، لمبعوث جريدة لاديباش ألجيريان la Dépêche Algériennne والمنشور يوم 30 أكتوبر 1904 في العدد 7027. واللافت للانتباه أنّ هذه الشهادة رغم أهمية حيثياتها إلاّ أنّ الباحث محمّد روشد لم يُدرجها كاملة في كتابه الموسوم «ايزابيل مغاربية بالتبني» (1992) واكتفى بوصفها بالمتضاربة مبديّاً استغرابه من الطوف الذي اتخذته ايزابيل من اللوحيّن؛ أمّا إدموند شارل رو فَلَمْ تلقي لتصريح سليمان بالاً وَراحت تحتفي بالشهادة التي أدلى بها ريتشارد كوهين الذي أسند فيها لنفسه دور البطولة والذكاء الوقاد ! 

   إليكم القصة التي رواها لنا أهني.. : »علمتُ أنّ زوجتي أُصيبت بالحمى، وأنّها كانت تتلقى العلاج في مستشفى عين الصّفراء لعدة أسابيع. في رسائلها التي كانت تُحدّثني فيها عن مشاريعها المُقبلة، لم تُخبرني قط عن مرضها. وكالعادة، لم تُرِد أن تُقلقني. أخبرتها بقرب وصولي، فتَلقَت الخبر بفرح. ثم غادرتُ صوب الصّفراء. بلغت العين الصفراء ليلة الكارثة تحديدا. كانت إيزابيل في استقبالي بمحطة القطار، لقد تحصلتْ لأجل ذلك على رخصة خروج مؤقتة من لدن الطبيب العسكري. داهمتني الحمى في المساء. زوجتي التي كان عليها الرجوع إلى المستشفى، حرروا لها تذكرة خروج نهائي حتى تظل بجانبي. لقد راقبتني طوال اللّيل، واهتمت بي وأعدت الجرعات التي أحتاجها. في صباح اليوم التالي، شعرتُ بتحسن. كانت السّاعة قد تجاوزت التاسعة بقليل، كنا نتناول القهوة في غرفة الطابق الأول حينئذ سمعنا صراخًا. لم نُعر الأمر أي اهتمام. من كان ليتوقع الكارثة المروعة التي كانت تتكشف في تلك اللحظة؟ بعد ثوانٍ قليلة، سمعنا ضجيجا مكتومًا. نظرنا لنرى من أين يأتي؛ كان المنزل المجاور قد انهار للتو تحت ضغط المياه. 

– صرخت زوجتي، التي حافظت على رباطة جأشها في وجه الخطر: اخلع ثيابك الثقيلة واتبعني! وفي الوقت نفسه، أمْسَكَت بلوحيّن طويليّن لتتخدهما كَـ طوفٍ، فربطتهما معًا، وأمسكت بأحد طرفيه بينما أمسكت أنا بالطرف الآخر. نزلنا هكذا ووصلنا إلى الباب المُفضي إلى الشارع. لكننا لم نتمكن من فتحه؛ فقد منعنا هدير السّيل. موجةٌ عاتية، إذ زاد اليأس قوتنا عشرة أضعاف، جعلتنا ننتصر على هذه العقبة؛ أصبحنا في الخارج.

– صرخت إيزابيل: لا تخف، أعرف السباحة، سترى، سأنقذك. 

في تلك اللحظة، ابتعدنا عن بعضنا بعضا وحال بيننا طول اللوحيّن. فجأة، انهار علينا المنزل الذي غادرناه للتو. سقطتُ، نصف مغشيا عليّ، سحبني التيار إلى أسفل. انتشلني خبازٌ من الموت. على الفور، بمساعدة منقذي، بدأنا البحث عن زوجتي. ناديتُ عليها بصوت عالٍ. لا شيء. لقد اختفت تحت الأمواج.

في ذلك المساء نفسه، بعد أن انحسرت المياه، فتشنا، بحثنا تحت الأنقاض، دون جدوى. لم يُعثر على جثة زوجتي إلا صباح أمس (27 أكتوبر 1904) بين أنقاض منزل مجاور، يسكنه بنو إسرائيل، حيث قذفها الانهيار العنيف «

أنهى سليمان إهني تصريحه لصحفي لاديباش ألجيريان قائلا:

– واجبٌ دينيٌّ عليّ القيام به؛ فقد أعْرَبَت زوجتي، في مناسباتٍ عديدة، عن رغبتها في أن تُدفن في مقبرة بون (عنابة حديثا) بالقرب من والدتها (بمقبرة زغوان). ويمكن تحقيق هذه الرّغبة، وأشكر كلّ من سيُساهم في تحقيقها: السّيد الحاكم العام والجنرال ليوتي.