المجلة الثقافية الجزائرية

اليسار الأمريكي بين المهام والمطالب والتحديات في بعض الدوائر السياسية والثقافية

د زهير الخويلدي

مقدمة: يشكل اليسار الأمريكي واحدة من أبرز القوى السياسية والثقافية في المشهد الاجتماعي للولايات المتحدة، رغم تنوعه الشديد وتعدد أشكاله. في بعض الدوائر الأكاديمية والنقابية والشبابية والثقافية، يظهر اليسار كحركة ديناميكية تتأرجح بين مهمة إعادة تشكيل المجتمع نحو العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وبين مطالب شعبية ملحة تتعلق بالمساواة والحقوق، وبين تحديات داخلية وخارجية تعيق تقدمه أو تحول دون تحقيق أهدافه. لا يُقصد باليسار الأمريكي هنا تيارًا واحدًا متماسكًا، بل مجموعة من التيارات الاشتراكية الديمقراطية والتقدمية والراديكالية التي تتقاطع في بعض النقاط وتتباعد في أخرى. يعكس هذا التنوع طبيعة المجتمع الأمريكي نفسه، الذي يجمع بين الليبرالية الكلاسيكية والرأسمالية المتقدمة والتطلعات التحررية. في الدوائر الجامعية، خاصة في المدن الكبرى مثل نيويورك وبوسطن وبركلي، وفي النقابات العمالية الجديدة، وفي الحركات الاجتماعية مثل “حياة السود مهمة” أو الاحتجاجات البيئية، يبرز اليسار كصوت يسعى لإعادة تعريف مفهومي “الحرية” و”العدالة”. هذه الدراسة تتناول هذا الظهور من خلال ثلاثة محاور مترابطة: المهام التي يضعها اليسار على عاتقه، والمطالب التي يرفعها، والتحديات التي تواجهه. فكيف عاد اليسار الى الواجهة في التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين في الانتخابات؟

المهام التاريخية والمعاصرة لليسار الأمريكي

تاريخيًا، نشأ اليسار الأمريكي في سياقات متعددة: من حركات العمال في أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بالحركة الاشتراكية في عصر “التقدميين”، وصولًا إلى حركات الحقوق المدنية والنسوية والمعارضة لحرب فيتنام في الستينيات. في العقود الأخيرة، تحولت مهمته الأساسية نحو مواجهة ما يُرى كتفاقم التفاوت الاقتصادي الناتج عن العولمة والرأسمالية المالية.

في الدوائر التقدمية، تتمثل المهمة الرئيسية في بناء “اقتصاد سياسي” يضع حاجات الإنسان فوق أرباح الشركات. يسعى اليسار إلى تعزيز دور الدولة في توفير الرعاية الصحية الشاملة، التعليم المجاني، والسكن الميسور، معتبرًا أن السوق الحر لا يحقق العدالة تلقائيًا. كما يضع على عاتقه مهمة “التحرر الثقافي”، أي تفكيك الهياكل الاجتماعية التي يراها قائمة على التمييز العنصري أو الجنسي أو الطبقي. في الجامعات، يتركز هذا في دراسات ما بعد الاستعمار، ونظرية التقاطع ، التي ترى أن أشكال الاضطهاد مترابطة وتتطلب حلولًا شاملة. مهمة أخرى بارزة هي مواجهة التغير المناخي كقضية طبقية، حيث يربط اليسار بين الاستغلال البيئي والاستغلال الاقتصادي، مطالبًا بـ”عدالة مناخية” تعيد توزيع الموارد نحو المجتمعات المهمشة. في دوائر الشباب، خاصة جيل زاد Z، أصبحت هذه المهام مرتبطة بالتكنولوجيا، مثل تنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى ومكافحة تأثير وسائل التواصل على الديمقراطية.

المطالب الرئيسية في الدوائر المختلفة

تتنوع مطالب اليسار الأمريكي حسب الدوائر، لكنها تشترك في جوهر يركز على المساواة والحقوق. في الدوائر النقابية والعمالية، تتصدر المطالب زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارًا أو أكثر، وحماية حق التنظيم النقابي، وتقليل ساعات العمل، وتوفير إجازات مدفوعة الأجر. يرى اليسار أن الرأسمالية المعاصرة أدت إلى “طبقة عاملة فقيرة” رغم الإنتاجية العالية، لذا يطالب بإعادة توزيع الثروة عبر ضرائب تصاعدية على الأغنياء والشركات.

في الدوائر الثقافية والأكاديمية، تركز المطالب على “العدالة العرقية” و”العدالة الجندرية”. تشمل ذلك إصلاح نظام العدالة الجنائية، إنهاء “السجن الصناعي”، وتعزيز التمثيل للأقليات في المؤسسات. كما يطالب اليسار بسياسات “الإيجابية” الموسعة، وتغيير المناهج التعليمية لتشمل روايات تاريخية أكثر شمولاً لتجارب السود واللاتينيين والسكان الأصليين. في دوائر النسوية ومجتمع الميم+، تبرز مطالب حقوق الإجهاض، حقوق المتحولين جنسيًا في الرياضة والمدارس، ومكافحة التحرش.

أما في الدوائر البيئية، فيطالب اليسار بـ”الصفقة الخضراء الجديدة” التي تجمع بين الانتقال إلى الطاقة المتجددة وخلق ملايين الوظائف في القطاعات الخضراء، مع ضمان عدم ترك العمال في الصناعات التقليدية خلفًا. كذلك، تظهر مطالب اقتصادية راديكالية مثل “الدخل الأساسي الشامل” أو ملكية عامة لقطاعات استراتيجية مثل الرعاية الصحية والمواصلات.

هذه المطالب لا تُرفع في فراغ؛ بل تُصاغ داخل حركات اجتماعية تستخدم الاحتجاجات، وسائل التواصل، والانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطي للضغط على المؤسسة السياسية.

التحديات الداخلية والخارجية

رغم حيويته، يواجه اليسار الأمريكي تحديات جمة تحول دون تحقيق طموحاته. داخليًا، يعاني من انقسامات عميقة بين “اليسار التقدمي” الذي يركز على الهوية والثقافة، وبين “اليسار الطبقي” الذي يرى أن الاقتصاد هو المفتاح الأساسي وأن التركيز المفرط على الهويات يُشتت الجهود. هذا الانقسام يظهر بوضوح في الجامعات، حيث يتهم بعض اليساريين الآخرين بـ”الاستيقاظية” التي تحول النقاش إلى رموز ثقافية بدلًا من تغيير مادي حقيقي. كما يواجه تحدي “النخبوية”: فكثير من قادة اليسار ومفكريه ينتمون إلى الطبقات المتعلمة في المدن الساحلية، مما يجعل صلتهم بالطبقة العاملة في المناطق الداخلية ضعيفة. هذا يؤدي إلى صعوبة في بناء تحالفات واسعة، خاصة مع تراجع التأثير النقابي التقليدي.

خارجيًا، يواجه اليسار معارضة شرسة من اليمين المحافظ والليبرتاري، الذي يصوره كتهديد للحرية الفردية والاقتصاد الحر. يُستخدم مصطلح “الاشتراكية” كسلاح سياسي فعال، خاصة بعد فشل بعض التجارب اليسارية في أمريكا اللاتينية. كذلك، يعيق النظام الانتخابي الأمريكي (الكلية الانتخابية، تمويل الحملات) من ترجمة التأييد الشعبي إلى سلطة حقيقية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه الحركات اليسارية اتهامات بالتطرف أو بالارتباط بأعمال عنف في بعض الاحتجاجات، مما يضعف صورتها العامة.

تحدٍ آخر هو “التغلغل المؤسسي”: رغم انتشار الأفكار اليسارية في الإعلام والأكاديميا، يبقى التأثير على السياسات الفعلية محدودًا بسبب قوة الشركات واللوبيات. كما أن جائحة كوفيد-19 وأزمات التضخم كشفت عن هشاشة بعض المطالب اليسارية عند مواجهة الواقع الاقتصادي.

خاتمة:

في بعض الدوائر الأمريكية، يظل اليسار قوة دافعة نحو التغيير، قادرًا على تحريك الرأي العام وصياغة أجندة سياسية طموحة. إلا أن نجاحه مرهون بقدرته على التوفيق بين المهام الكبرى (إعادة بناء الاقتصاد والثقافة) والمطالب الملموسة (تحسين حياة الناس اليومية)، مع التغلب على التحديات الداخلية بالوحدة والخارجية بالاستراتيجية الواقعية. يبدو أن اليسار الأمريكي في مرحلة انتقالية: بين إغراء الراديكالية الثقافية وبين ضرورة بناء تحالفات طبقية عريضة. إذا استطاع التوازن بينهما، فقد يحقق تقدمًا ملموسًا؛ أما إذا غرق في الانقسامات أو الرموز، فقد يبقى صوتًا مؤثرًا في دوائر محدودة دون أن يغير المشهد الوطني جذريًا. في النهاية، يعكس صعود اليسار وتحدياته تناقضات المجتمع الأمريكي نفسه: مجتمع يحلم بالمساواة بينما يعيش في نظام يمجد المنافسة والفردانية. كيف أثر اليسار السياسي على تاريخ الحركة النقابية والاجتماعية وماهي آفاق المستقبل بالنسبة للحركات الاحتجاجية والديمقراطية في العالم؟

كاتب فلسفي