د. جمال حضري
تتضمن المجموعة القصصية “همس النوايا” لفاطمة بوزيان أربعا وعشرين قصة، تمتد على حيز ورقي يمتد من الصفحة الخامسة (ص5) إلى الصفحة السبعين (ص70)، مما يعني أن المجموعة تشكل متنا متنوعا جدا إذا ما قيس عدد القصص بحيز انتشارها، لكن هذا التوزيع المتشعّب والمشوِّش للحاسة القرائية سرعان ما يستسلم لطاقة الجمع والتوحيد، ويلتئم الشمل المتبدّد ليرسم مسارا ممتدا بسلاسة وخفّة، يبرز تارة في صلف، ويتخفّى تارة أخرى، فلا تبين منه إلا آثار مشي خفيف رفيق، إنه مسار الكتابة ذاتها ومسار السرد ذاته، إنه مسار المثقّف ذاته ومسار السارد ذاته، تتلوّن صوره وأقنعته، ولكنّها تتجمع وتتكثف في عمق ليس بعيدا كثيرا عن سطح التمثيل، بل سرعان ما تنكشف وساوسه، وتكشفه سلوكاته المعهودة التي رسمها هذا المتن القصصي، وذهب يرسخّه من طور إلى طور، حتى استوى عند النهاية رسما متجلّي الملامح، رسما للمثقّف المشطور، والسارد المتشظّي.
وهذا الاستواء لم يكن متدرّج الخطوات كما قد يفهم، بل إنه استواء في غاية من النّصَب والجهد، يتموّج عبر القصص المختلفة، فيعطي بعضه فيها، ويضنّ بالبعض الآخر، حتى يحوج الباحث عن ملامحه إلى قراءات متوالية ليستنبط الملمح المضاف، ويستولد العضو الناقص يكمّل به الصرح المشيّد، فيحتاج إلى تأويل وتركيب وتنميط وتكميل. هذا هو جهد القراءة الذي حتّمه هذا المتن المكتنز بالتشعّب والتنوّع، ولكنّه الراقد أيضا على هذه الصورة التي غدت نمطا واضحا، نمط المثقّف الفاعل طورا والمستقيل أطوارا، نمط السارد المهيمن تارة والمستنجد بالآخرين أطوارا، يتحمّل السرد مرة فيرسم خطوطه ممسكا بتلابيبها، مستقلا بقرارها ومصائرها، وعازفا مرات عن تحمّل المهمة الجسيمة، فيدخل غيره ويتوارى خلف أقنعتهم، ممسكا عن إبراز وجوده وإثبات حضوره، وما أشدّ حضور هذا الغياب، وما أشدّ غياب هذا الحضور في أداء وظيفته في الحالين والطّورين.
في قصة “طحين ليلة شبه بيضاء ” ينخرط السارد من خلال ضمير “نحن” ليجلّي المكان الملهِم بالسرد، ثم سرعان ما ينفرد من خلال ضمير “أنا” الذي يصرّح بوضوح: “أريد أن يكتمل عندي جسد الحكاية هذه الليلة..”، وحين تتحرّك آلة السرد ينكشف الضمير المتكلم عن الأنثى التي تحرّك المسارات أو تحركها السلطات، وترتسم أولى المتضادات الأساسية في مسار المثقف: المثقف/ السلطة بمفهومها الواسع المجاوز للسائد والعام، ونفهم أن الكتابة جرم يعاقب عليه صاحبه ويحاسب ويستنطق، وفي المقابل يرتسم ملمح مثقف آخر “فقيه المدشر”، ولأن الأشياء تتمايز بأضدادها، فإن المثقّف قد يصير سلطة تجاه مثقف آخر، حيث تتّسع للواحد المنابر وتضيق على الثاني المنافذ، وأكثر من ذلك تنبثق عن هذه المسارات الأولية صورة نمط من المثقفين المتحالفين مع نمط من السلطة القبلية أو الماضوية، ويتحصّن هذا الفريق بذاك، مما يعطي لمعركة الأفكار كل حيويّتها ومصيريّتها. والقصة تعطي بعدا آخر للمسألة يربط بين الماضي والحاضر، فالجد مقران الذي تسير لحظات المدشر على وقع لحظته يموت، ولكن سطوته وسلطته تستمر من خلال صورتين، إحداهما تصريحية تتمثل في الفقيه الذي يقرر في أمور السلم والحرب بين مختلف الأطراف، محافظا على توازن قيم الماضي واستمرارها في الحاضر، والثانية ضمنية تتمظهر في تحول رقابة الجد مقران إلى هاجس يسكن “أنا” الساردة، صوت الأنثى التي ما تزال تعيش لحظة الجد مقران أو تستحييها وتبعثها كلما همَّت ببعثرة أوراق المدشر وأوضاع القبيلة، إنها رقابة الذات على الذات، تلك التي تقسم المثقف وتشظيه، وتجعله يقفز على الأوضاع كالبهلوان، وعوضا عن ملامسةٍ تبعثُ الحياة والصّحو في الآخرين، يضطرّ إلى قفزات تثير هُزْءهم وسخريّتهم منه، وهم لا يدرون أنه كالقابض على الجمر ولكن من يحسّ جراحاته وعذاباته…
يستمر “التحرك على أرصفة الورق” في “إحالات صباحية”، وتبدو للمثقّف ملامح أخرى، قد تحتاج إلى التأويل الذي أثرناه بداية، وإلى تركيب تفرضه طبيعة التشكيل بالكلمات، ولكنّنا لن نبتعد كثيرا في صوغ كيان المثقف، لأن الطقس هو هو، والسلوكات هي هي، جريدة وفنجان قهوة وطاولة، مع سماء ملبّدة أو ماطرة وحسناء تتموّج بنيرانها اللاهبة مخلّفة حرائقها المهولة في الداخل والخارج.. ينطلق السّرد بضمير “أنا” متخفّ، والمسرود عنه هو المتباعد أو المبعد أو هكذا يبدو لنا، ولكن السّارد سرعان ما ينخرط في اللحظة وتسفر “أنا” عن الأنثى الثاوية الآن خلف الضمير المتكلم، فإذا هي صورة المثقف الضجر “..وأنا تعبت من إعادة قراءة الكتب الموضوعة جنب سريري..”، ضجر من مصيره وقدره الذي لا يملك إزاءه إلا الاستمرار في الخربشة على الأوراق، وما الذي تخطه يد المثقف يا ترى؟ يوهمنا السارد أنه يلاحظ الآخرين ويكتب حركاتهم ويتتبع لحظاتهم الساذجة المكرورة، ولكن الخدعة لن تنطلي علينا لأننا في النهاية سنجد أن المثقف أو المثقفة قد خطّت يوميّاتها الباردة، بعد أن خابت مغامرتها ووجدت أن من اختارته لرسم مسار آخر لحياتها لا يملك إلا كلمات وورد، وكلاهما لا يسمن من جوع ولا يؤمِّنُ من خوف، وتلك الملامح الأخرى لسوق الكلمات الذي لا يستر حاجة المثقف، ولا يقيه مؤونة الحياة فتغدو الكتابة مصيره وقبره.
“حبذا لو رأيتِ الكتب الجديدة في مكتبتي” هكذا قالت الساردة بضمير “أنا” الأنثى على لسان من يريد اقتناء عواطفها كما تقتنى الهدايا للحظات ثم تنسى في أماكن رصفها، ولكن في هذه القصة بالذات نلتقي بالذات المشطورة أو الساردة “معلّقة من عرقوبها”، تتناوشها النزعتان الأليمتان، نزعة نعم ولا، اللتان تمزقان كل فؤاد سكنتاه، ونلتقي أيضا بالمثقف في علاقته بالمثقفة، علاقة ترتسم في المؤقت والمؤجل، واللا حسم والعبور الدائم والسفر الدائم، لا قرار في حياة المثقف، بل تقلّب دائم، وبدائل مستمرة، حتى في حالة “الزواج” من المختلف ثقافيا، تظل العلاقة تلك تثير النوازع وتبلبل حياة المثقف، وكأنه قد اختار مصيرا لم يرده، وخطّ مسارا لم يرسم ملامحه، والأسوأ أن يعتقد أن الكلّ قد سلكوا المسارات التي لم يختاروها، ولكن الجميع يتظاهر بالرضى والدّعة، مع أن السلوكات تفضح الكلّ، كيف لا وقد ظهرت أغلب المكبوتات في البرودة التي تلفّ الحياة.

هل هي لعنة البدايات، تلك التي لحقت بالمثقف، فجعلت مصيره على هذه الصورة البائسة: حياة حائرة.. أسئلة بلا أجوبة .. خيارات مضطربة.. ومصائر مجهولة..؟؟ كيف لم يغير مسار التعليم والثقيف العالي هذه الأقدار؟؟ لماذا ظلت الإشكالية بهذه الحدة وبهذا التعقيد؟؟ لماذا يظل المثقف دائما يردّد نفس المقاطع من الحياة ونفس الإيقاع من سمفونية الضياع؟؟: فـ”يخرج من حجرته متثاقلا، يغسل وجهه.. يبلّل شعره، عله يستعيد شيئا من الحيوية الآفلة.. يتطلّع إلى وجهه في المرآة ويجده كالأمس: متحجّر الملامح ومعتكرا كسماء غائمة، يحوّل بصره بسرعة نحو الباب، فتقوده رجلاه إلى المقهى التي تزوّجها منذ أن طلقته الجامعة، يتسمّر فوق الكرسي الخشبي.. يفرغ فنجان قهوة مرة واحدة في جوفه.. يشعل سيجارة ويشرع في إنجاز مهمته الصباحية..” ، هذا الطقس الأبدي، أكان تأويلا واقعيا لمقولة مغرقة في القدم ولكنها مشحونة بالحكمة وقراءة الغيب ملخّصها: “منحوس من يولد فوق حصيرة”، هذا ما يبدو من مسار السرد الذي تلتقطه الساردة بإحالة صريحة على “الراوية” التي تتجّمع تحت أهدابها “الأنا” و”الهو”، الساردة والمثقف، ليبين عن توحّد المصير، ونستعيد صورة المثقف والوردة والكلمات التي لا تغني من جوع، صورة صادقة للمثقّف الزاهد بحكم الأقدار، كتاب يساوي وردة، وردة تساوي مثقفة أخرى معرضة للإغواء، هكذا هي المعادلة البسيطة وعناصرها الفقيرة، وفي الحال هذه تظل الفرحة بالنسبة للمثقف مؤجّلة، تتحكّم فيها “سوف” و”سـ” و”لعل”، فلا نعجب أن يكون جواب المثقف عن موعد الفرحة: “عندما سأعمل”، فإذا ألححنا عليه وقلنا: متى؟ لا نعجب أن يكون الجواب: (بياض الورق)، ويا له من جواب!! قالوا قديما: الصّمت علامة الرضى، أمّا عند المثقف فالصّمت علامة القهر.
ولا يقهر المثقف غير فقره، ولا تهدّه إلا المأساة، أقدار تكون قد رسمت مصائره منذ أن قذفته على حصيرة فقط، بل القائمة أطول وأعسر، قد لا يدري هذا المثقف المسكون بكلمات السر أو بسر الكلمات، أنه خطير إلى الدرجة التي تحرّك ضغائن أبعد الناس، مهما تفاوتت أنصبتهم من ميراث الحياة، ولكنّه قد لا يدري أنه يثير حفيظة من لم تبخل عليهم الدنيا بعطاياها وإيثارها، ولم تظن عليهم الأقدار بتجميع كل سلطة الأمر والقهر بألسنتهم، فلِمَ يا ترى تناصبُ كل هذه المخلوقات النافذة هذا المخلوق السليب والمسلوب؟ تلك هي مكاشفات المسودّات، وأسرار جنيالوجيا كل نص سردي، حتى وهي أجنّة في ظهر غيب المثقف، لم ينبس بها ولم تتلبّس بأوراقها.
يتخفّى السارد وراء ضمير “هو” الذي يفصح أكثر مما يلمّح، إلا أن الأمر متعلّق دوما أبدا بالكائن ذاته في منعطف جديد من عذاباته، يترصّد ليكتب، يصيخ السمع من وراء جدر، كيف لا وهناك أكثر من عين تترصّد رصده، وأكثر من أذن تتسمّع سمعه، وهذا كاف ليرى كل ظلّ يتتبع ظلّه، بل ليقرأ نواياه ويعيد تأويلها وتفسيرها، بل يسترجع هواجسه وقصائده الهرمة القديمة، حتى وإن سفحها على مسمع غانية، كلّها يمكن أن تكون دليل إدانة، وبرهان تلبّس لهذا المتلاعب باللفظ والقوافي، من يصدقّه والمدلولات نهب دوالّه، من يصدّقه والمعاني لعبة في فضاءات مقاصده اللعينة.. من يثق به وتجارته ليست إلا في الكلمات، وقد رأينا من قبل أي كساد يلفّ هذه السوق، فمن يعيره اللقمة لقاء دفع مؤجل؟ ومن يؤجّره سقفا في انتظار بيع قصيدة هاربة في الخيالات؟ لكن..ويا للمفارقة، هناك من لديه الاستعداد ليسكنه الدّهر كله ويطعمه العمر كلّه لقاء صمته.. وخرسه !!
هذا هو القدر، أن تظل الحكاية والكتابة في يد المثقف قاتلا أو مقتولا، وسواء أتنفس بها أم نفّس بها عن غيره، ستظل مصيره الذي استوت به حياته وتحدّدت ملامحه، ستظل الكتابة ما دامت مطاردة الظل الهارب منه، قد يبدو ظل حبيب أو ظل رقيب، ستظلّ أنامل الخط في حراك دائم ليؤثث الحياة، ليس بما هو زينة ورونق ولكن بما هو جوهري وحيوي، من يستغني عن لذّة البحر وغسل الماء، هي الكتابة غسل الفؤاد وروح الأنفاس المتعبة، من يحيى بلا أنفاس؟




