عبد العزيز الظاهري
لم أجد حاضناً لي سوى جدتي لوالدي المريضة -لا أعلم سبب مرضها فهي تفضل العزلة والصمت، فكنت أتسلل إلى غرفتها، وأثرثر معها وهي صامتة دافنة رأسها خلف خصلات شعرها الأبيض الطويل
كنت على يقين أن جدتي تستمع إليّ ، بل تتكلم معي وتضحك على نُكاتي رغم صمتها ، كان إخواني وأخواتي يسخرون مني عندما أخبرهم بذلك
على كل حال في أحد الأيام ، سألتُ جدتي قائلاً : يقولون أنك في ما مضى كنت من أجمل النساء وأكثرهم حكمه ؟
بما أنني حفيدك المحب بماذا تنصحينني ؟
حركت جدتي رأسها وأخرجت وجهها المدفون من بين خصلات شعرها ، وبعد نظرة طويله من عينيها الواسعتان حركت يدها و وضعتها على صدري بلطف وقالت : الأذن ، العين ، القلب ، لديهم جميعاً لحناً قد يبعث في نفسك الطمأنينة أو الخوف .. لكن القلب هو من يُستشارُ عندما تقف على مفترق الطرق.
والسبب يا بني أنه لا ينام ، ولا يستمد إيقاعه من محيطه ، بل يضرب طبوله ليل نهار داخل سجنه المظلم بين الضلوع
ولكي لا يختلط عليك الأمر ضع أُصبعيك في أذنيك ، أغمض عينيك ، واستمع إليه، وبعدها اتخذ القرار
من يومها عملت بنصيحتها، كانت تلك الكلمات كالسحر ، كانت نتائجها مذهله ، لكن كعادتي لم أكن حَذِقاً في إدراك الشيء ومداومة فعله
ففي أحد الأيام استيقظت مبكراً وفتحت نافذتي ، كان الجو بارداً وغائماً ، شيءٌ ما أقلقني وأنا انظر إلى تلك الغيوم السوداء ، فأنا لم أرى مثيلاً لها من قبل ، وزاد الأمرُ سُوءاً عندما سمعت نعيقاً ، فالتفتُّ فإذا به سربٌ لغربان ينتشر في الأفق ،انفصل فريق منه واتجه نحوي ، أخذت أتابعه بذهول وهو يتجه الى حديقة منزلنا و يهبط على غصنٍ جافّ أعلى شجرة الليمون ، كنت من مكاني أسمع أنين ذلك الغصن الهرم
انكسر الغصن وهوى ساقطاً على الأرض ، فحلّقتِ الغربان عائدة إلى سربها الذي غادرته ، يرافقها نعيقها المزعج
لم يمرَّ عليّ هذا المشهد مرور الكرام، شعرت بالرعب، فأخذت أردد أنها رسالة، نعم هي رسالة، فصرخت: جدتي .. جدتي
وأسرعت مذعوراً إلى غرفتها، ودفعت الباب بدون ان اطرقه ودخلت، فوجدتها جالسة على سريرها، التفتتْ إليّ، فرأيت ابتسامة في عينيها يرافقها عتاب لم تنطق به:
“ألم اقل لك : “فقط أنصت لذلك الحبيس”


