دكتور خالد عزب
صدر في القاهرة الترجمة العربية لكتاب (المكتبات في الدولة العثمانية) عن أركان للدراسات والأبحاث والنشر، الترجمة قام بها العالم الجليل الدكتور أحمد نجم، وهو مترجم ومؤلف قدير، الكتاب من تأليف إسماعيل أونصال الذي قضي ثلاثين عاما من البحث والدرس لكي يقدم لنا هذا الكتاب الذي صدر في عدة طبعات باللغتين التركية والإنجليزية، الكتاب يعد مراجعة شاملة وإعادة بناء تاريخ المكتبات في الحضارة الإسلامية، مركزا علي المكتبات في الدولة العثمانية، ولكنه يثير لدينا عدة تساؤلات متعلقة بتاريخ المكتبات ومشاركة الباحثين العرب علي الصعيد الدولي في هذا المضمار فالدكتور السيد النشار أستاذ المكتبات في جامعة الإسكندرية قدم لنا كتابا رائعا عن المكتبات في العصر المملوكي وهو كتاب قيم صدر عن الدار المصرية اللبنانية، كما أن رائد المكتبات والوثائق الدكتور عبد اللطيف ابراهيم رحمه الله قدم لنا عدد من الدراسات القيمة عن مكتبات العصر المملوكي، لكن تظل عزلة المدرسة المصرية عن تيارات الدراسات الإنسانية الدولية سببا في أن الدراسات المصرية لا تلقي نصيبها من الرواج.
نعود لكتاب المكتبات في الدولة العثمانية، إن أهم ما نستتنجه من مادة الكتاب أن الإدارة الصارمة لهذه المكتبات حفظت لها كنوزها من المخطوطات فلم يسرب منها إلا النذر اليسير إلي الخارج، عكس ماحدث في معظم دول العالم الإسلامي، لعل أهم وظيفة تعرض لها الكتاب وظيفة حافظ الكتب، وكان يطلق عليه أمين المكتبة، وخازن الكتب ،والكتابجي، ومن المدهش أن التوصيف الوظيفي له كان دقيقا في الوقفيات، وكان لابد أن يكون من العلماء حتي تكون له دراية بالكتب وقيمتها، فمن شروطه أن يكون “متدين ومؤمن وأمين” ويجب عليه أن يكون ” العارف بأسماء الكتب المعتبرة، الواقف علي تفصيل الكتب التي يحتاجها المدرس والمعيد والمستفيدين”، واعتبارا من القرن الثامن عشر الميلادي كان مؤسسي المكتبات قد وفروا منزلا لحفاظ بعض المكتبات بجوارها لسكنهم، وذلك بقصد تسهيل وتأكيد فتح المكتبة بشكل منتظم، وكان للحفاظ معاون يساعده، كما كان بكل مكتبة كاتب يقيد الكتب، وهو ما يعرف اليوم بوظيفة مفهرس الكتب، ومن الوظائف المهمة في بعض المكتبات العثمانية المجلد الذي كان يتولي صيانة الكتب أي ترميمها وبمصطلح الوقف يعمرها .
لكي نلقي الضوء بصورة واضحة علي مكتبات العصر العثماني فلابد من مراجعة هذه المكتبات، لكننا علي عكس المؤلف سنذهب إلي ما قام به الباحث السوري الدكتور محمود دغيم الذي أفني حياته في إصدار فهارس لمخطوطات مكتبات استنبول وأبرزها مكتبة السليمانية ومكتبة راغب باشا، والمثير أنه قدم لنا عبر فهارسه مئات المخطوطات المصرية المحفوظة بها وهو ما يعد إضافة لمعارفنا عن الإنتاج العلمي المصري في العصرين المملوكي والعثماني .
الكتاب علي روعته لم نجد به ما يشير إلي المكتبات في القاهرة في العصر العثماني، وهو مجال عمل عليه عدد من الباحثين مثل الدكتورة نللي حنا، لكن أيضا فإن الإنتاج المعرفي في الأزهر الشريف في هذا العصر يستحق الكثير، ويبرز منه قاموس تاج العروس الذي يعد تاج المعرفة في مصر في هذا العصر وعلي كونه مرجعا أساسيا إلا أن مؤلفه سرعان ما أكمله بذيل من عدة مجلدات حرص مجمع اللغة العربية في القاهرة علي نشره.
لكن كتاب المكتبات في الدولة العثمانية تميز بعدم تركيزه علي عاصمة الدولة العثمانية ومكتباتها، بل نراه يتطرق إلي المكتبات خارجها وانتشارها، وهو ما يري فيه المؤلف تعبير عن زيادة نسبة القراءة والكتابة، وهذا ما أوافقه عليه، ففي مصر علي سبيل المثال شهدت مدنها مكتبات في مدن متوسطة كانت تقرأ علي غرار المخطوطات التي وجدت في جامع طايل بمدينة فوة، لكنه ذكر لنا أنه في رشيد في مصر يوجد عدد من الكتب في مكتبة جامع المحلي كان عددها يقترب من ألفي مخطوط، وكان إبراهيم المناديلي من حفاظ هذه المكتبة أرسل كتابا إلي شيخه ابراهيم الدمنهوري أحد شيوخ الجامع الأزهر توفي 1788 ميلادية، يسأل فيه عن كيفية إدارة المكتبة، وأرسل شيخه خطابا يخبره بنصائحه في هذا الموضوع، لكن ما يبهر في الكتاب هو ذكره تبرع السلطان مراد الثالث لمدرسة الوزير حسن باشا في بغداد 1008 ه / 1600 م .
إن الطفرة التي تحسب للدولة العثمانية هي أنها أول حضارة بنت مكتبات في بنايات مستقلة، ولها كادر وظيفي لا يشغل مناصب أخري أي متفرغ لها، وبراتب أعلي، وتعد مكتبة كوبريللي أولي النماذج للمكتبات المستقلة، وأول نماذجها مكتبة كوبرولو التي أسسها فاضل أحمد باشا بن كوبرولو وكان شغوفا بالكتب، فأنشأ مكتبة بجوار ضريح والده، واحتوت المكتبة علي الكثير من المؤلفات النادرة والقيمة، وجمع لها كتب من القاهرة وحلب ودمشق والحجاز، ليوقف عليها أخوه فاضل مصطفي باشا وقفية ظهر بها الكادر الذي سيدير المكتبة وأختصاصاته، فضلا عن أن المكتبة فتحت أبوابها لراغبي المعرفة والعلم، وكانت هذه المكتبة نقله نوعية في تاريخ المكتبات في العالم لذا أفرد لها المؤلف صفحات.





