المجلة الثقافية الجزائرية

المُعَلَّقَةُالإيمانِيَّة

مِنْ رِحابِ الحرمين الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ والمسجد النبوي الشريف.

أُحيي مكَّةَ

واصل طه

-١-
أُحَيّي مكَّةَ العالي ذراها
حِراستُها أبابيلٌ فِداها
مكرَّمةٌ بأدْعِيَةٍ وآيٍّ
بترتيلٍ يَطيبُ لنا غِناها
تعلَّقتِ القُلوبُ بهِا فبانتْ
شُموسٌ باحْتِشامٍ في عُلاها
وما غَمَضَتْ عُيونٌ لي وَجَفْنٌ
وما انسَبَلتْ رموشٌ في رُؤاها
أُغَنّي مكَّةَ الهادي نبينا
نسيمُ مُحَمَّدٍ عِطْرًا كَفاها
فَطُفْتُ مُلبيًا دعواتِ ربي
وَقَدْ سمعَ الأصمُ صدى دُعاها
سعيتُ وسعيُنا فيها حثيثٌ
لِمَرْوَتِها مرورًا في صَفاها
فَتَنْفَلِقُ الصُّخورُ بها عُيونٌ
إذا جَرَتِ المياهُ إلى حِساها (١)
وزمزمُ بئرُها تجري فُراتًا
فَيَرْتَوِيَ العطاشى مِنْ صَفاها
تفَتَّقَتِ العقولُ بُحورَ مجْدٍ
إذا انتَسبَ الفخارُ لَها تباهى
عتيقٌ بيتُها فيها تَجَلّى
يُكَرِّمِ كلَّ ضيفٍ قَدْ لَفاها
قداستُهُ عيونُ الله ترعى
وكَعْبَتُها قَديرٌ قَدْ رَعاها
جبالُ النُّورِ تسكنُ كلَّ قلبٍ
فَتُفْرِحُ كلّ عَيْنٍ لو تراها
عبيرٌ هبَّ من عرفاتَ شوقًا
إلى خطواتِ أحمدَقَدْمشاها
ونمشي خلفَهُ جمعٌ كموجٍ
نلبي دعْوةً ربي دعاها
سلوا الأشواقَ تنبضُ في فؤادي
حبيبٌ قادَ في الدنيا هُداها
جذورٌ راسخاتٌ في ثَراها
وبالإجلالِ خالِقُها كساها
ومَنْ سلكوا بمكَّةَ دربَ شِرْكٍ
وما عرفوا ضلالتَهمْ سَفاها
وظنوا اللاتَ والعُزّى مَلاذًا
إذا نَكَروا الرسالةَ والإلاها
فجاء الوَحْيُّ هَدْيًا في حِراءٍ
لِمَنْ ضلوا بدنياهم رفاها
وكانَ الفتحُ تطهيرًا لبيتٍ
بهِ الأصنامُ قَدْ عُبِدَتْ كَراها
فصارَتْ كعبةُ الإسلامِ طُهْرًا
وبالتَّوْحيدِ أحمدُ قَدْ جلاها
بنور الفتحِ قَدْ طَلُقَتْ قُرَيشٌ
وَفَكَّتْ قَيْدَها مِمَنْ سَباها
وروحُ مُحمدٍ في الخلقِ تسري
كما تسري الأشِعَةُ في فَضاها
وصوتُ بلالِ في الأرجاءِ مَوْجٌ
لَهُ رَجْعٌ يُجَلْجِلُ في سَماها
لِمكَّةَ حَجَّةُ الآنامِ رُكْنٌ
إذا لَمْ تَسْتَطِعْ، ربِّي فَتاها
أيا حُجَّاج بيتِ الله لبُّوا
بذكر اللهِ يعلو مُسْتَواها
بها وُلِدَ الرسولُ وقد تَعَلَّتْ
بعطرِ رسالةٍ نَشَرَتْ شَذاها
فعمَّتْ في أباطِحِها عُطورٌ
بأرضٍ رحْبَةٍ لمّا طَحاها
وأثرى أحمدُ.. بلدًا جَديبًا
فأزْهَرَتِ النفوسُ بها غَناها
تباركَ بالصلاةِ بها حجيجٌ
وبورِكَتِ السِقايةُ مِنْ سِقاها
تعزَّزَتِ المروءةُ في نفوسٍ
ونفسُ الحرِّ أقوى مِنْ بَلاها
وَطابَ بمَكََةَ الرَّفْدُ الكريمُ
عطاءٌ طَيِّبٌ رَغْدٌ قِراها
وغنى شاعرٌ بشعابِ وادٍ
غِناءً فاضَ مدحًا في سَخاها
وَصارَ الفتحُ في الأرجاء نهجًا
وبالتَّكْبيرِ نَكْبُرُ في عُراها
بأنوارِ النَّبيِ الكونُ يَزهو
فلا تَدْري عِشاها مِنْ ضُحاها
وَقَى اللهُ الحجازَ بكلِّ خيرٍ
بها الحَرَمانِ حِرْزٌ قد وَقاها
تُهامَةُ درعُها ، فرسانُ نجدٍ
بنو مُضَرٍ أُسودٌ في شَراها
وما هانتْ بيعربَ يوم ضُرٍّ
بلادُ العُرْبِ تُكْبِرُ مَنْ حَماها
توافدَتِ القبائلُ مِنْ فُجاجٍ
مِنَ الأعماقِ قَدْ لَبَّتْ ِنِداها
توحَّدتِ المدائنُ في سلامٍ
بروحِ مُحمَّدٍ أعلَتْ لِواها
وسوطُ الجهلِ فيها قَدْ تنََحّى
فَجَذَّرَتِ السَّماحَةَ في حِجاها
فَتاها مُسْتجابٌ يَوْمَ حَشْرٍ
أَعَزَّ اللهُ في الدُّنيا فَتاها
رأيْتُ النَّاسَ أمواجًا ببحرٍ
تطوفُ بكَعْبَةٍ ربي عَلاها
مشيتُ على ظِلالٍ وَهْيَ مني
وما لاذتْ شموسٌ في خِباها
أغَنّي مَكَّةَ التاريخ مجْدا
وراياتٌ ترفرفِ في رُباها
وفي الأرْجاءِ قد هَبَّتْ رياحٌ
عبيرٌ فاحَ نَدًّا مِنْ رَحاها
سلامٌ مِنْ شذى قانا جميلٌ
يتمتمُ كي ينالَ بهِ رِضاها (٣)
-٢-
ثنياتُ الوداعِ بهِ تغنَّتْ
فشرَّفها وصلّى في قِباها
وحاراتُ المدينةِ شاهداتٌ
على صُلْحٍ إلاهيٍّ هَداها
خَبا نارًا وثأرًا في ربوعٍ
ونيرانَ العداوةِ قَدْ طَفاها
وبالسَّعْدينِ قد رَسَختْ عهودٌ
وما خابَ المُهاجرُ من رَجاها (٢)
وصار القَومُ أنْصارًا لدينٍ
بصونِ العهدِ قَدْ وَسِعَتْ يداها
خيولُ مُحمَّدٍ صَهَلتْ ببدرٍ
تُناصِرُ مؤمِنًا باللهِ فاها
وفي أُحُدٍ لنا ذكرى رُماةٍ
جبالُ الجنَّةِ اللهُ اصْطفاها
نُسَيْبَةُ بنتُ كعبٍ قد تصدَّتْ
دفاعًا عَنْ نبيٍّ مِنْ تُقاها
أُغني للمدينةِ بابتهاجٍ
وَأهْتِفُ للْقَسَامَةِ أوْ حَلاها
مآذِنُها مِنَ الأبعادِ تَهْدي
إذا نظرَ الضريرُ لها رَآها
أُقبِّلُ في المدينةِ كلَّ طيفٍ
وما سكنَتْ جوارحَنا سِواها
وَنَنْسِمُ مِنْ ثناياها نسيمًا
مِنَ الايمانِ نغرفُ من هَواها
أُحِبُّ نخيلها ظُلَلًا وظلًّا
وَنورُ اللهِ نوَّرَها بِطاها
لدارِ محمدٍ جئنا هُيامًا
ودمعُ الْعَينِ يروي مَنْ رَواها
بِحُبِّ مُحَمَدٍ فاضت عيوني
وجاريتُ الْعيونَ إلى مداها
وَجُودُ محمدٍ فيها قِراها
وُجُودٌ قد تولّدَ في حشاها
ثناياها بها الأضواءُ هلَّت
أضاءتْ عَيْنَ مَنْ عشقوا صِباها
حلَلْتُ برَوْضةٍ فيها نبينا
فعانقتُ السماءَ وَمَنْ براها
ومسجدُها وروضتُها عبيرٌ
يعانقُ في المدينةِ مَنْ أَتاها
مآذنُها شموسٌ مُشرقاتٌ
وبدرٌ ساطعٌ يضوي عشاها
منوَّرةٌ بأنْوارٍ وصَحْبٍ
وَخيْرُ الخلقِ يسجو في حِماها
ويبهرُني رياضٌ فيهِ سحرٌ
وآثارُ الخُطى لمّا خَطاها
ويَنْتَشرُ الشَّذى في كلِّ رُكْنٍ
ويَختَلِسُ القَرَنْفُلُ مِنْ شَذاها
وصَحْبُكَ أنجمٌ في كلِّ أَرضٍ
هُمُ الأوتادُ عمقًا في وَطاها
مناراتٌ لِمَنْ تاهوا وضَلّوا
أبو الزهراء بَدْرٌ في عُلاها
وَألْسِنَةُ الطُّيورِ مُزقزقاتٌ
تَرِدْنَ الماءَ تَشْكُرُ مَنْ سَقاها
هي الآياتُ تَظهرُ كلَّ يومٍ
شموسُ الكوْنِ تَسْبَحُ في سَماها
وَيَسْبحُ في مجرَّتِها هلالٌ
ليمحوَ نورُهُ ليلًا غَشاها
نشدُّ رحالَنا للرَّوضِ نَهْوي
كما تسعى الطيورُ لمُبْتغاها
مهابةُ روضةٍ فيها جلالٌ
وخشيَةُ مؤمِنٍ ربّي عَطاها
أبا الزهراءِ قد أهديتَ خلْقًا
فزادَحضورُهُمْ كرمًا وَجاها
أداروا دولةً لما استقروا
وَصارَ العيشُ رغْدًا في رُباها
تفتقّ ذهنُ جَمْعٍ لا يُجارى
بفلسفةٍ وعلمٍ قَدْ كساها
وَصانوا العهدَ موثوقًا بدارٍ
فَمَرْحى للدِّيارِ وَمَنْ بَناها
ورفَّتْ رايةُ الإسلامِ فيها
فَرَسَّختِ العروبةَ في ذُراها
وجاءّ النّاسُ مِنْ فجٍّ عميقٍ
كبحرٍ فاضَ عذْبًا ما تناهى
يظلُّ محمدٌ ظلًّا ونهجًا
ومشعلَةً بنورٍ قَدْ ضَواها
عسى الأيامُ تأتي زاهياتٍ
وتُعطي من فضائلها عَسَاها
فَنَنْسِجُ مِنْ زهاوتها قصورًا
ونَصنعُ كلَّ غالٍ مِنْ جَناها
وَتَنْهَضُ أُمَّةٌ هانتْ زمانًا
لينتصرَ الضياءُ على دُجاها
-٣-
وأولى القبلتينِ لنا تجلَّتْ
على وَجنَاتِها رسمَتْ صباها
ونكظمُ غَيْظَنا والصَّبر عونٌ
بِفِيهِ مُرابطٌ بالنَّصِر فاها
ومسرى أحمد في القدس حِصْنٌ
يصُدُّ بُراقُهُ لِصًا غَزاها
غُزاةٌ قد أتوا مِنْ كلِّ لوْنٍ.
وقد زادوا التَّعني في عَناها
وفيها ما انْحَنى يومًا لذُلٍّ
رضيعٌ أو رجالٌ أو نِساها
وآهٍ …ما علَتْ مِنْ فِيهِ طفلٍ
فما تُنْجي مِنَ المحْتَل آها
أَعِدّوا ما اسْتََطَعْتُمْ مِنْ خيولٍ
بوارقَ للوغى هَزَمَتْ عِداها
بها يَشتَدُّ عَزْمٌ ثمَّ يَقْوى
فتشتدُّ العزيمَةُ في قُواها
وتنبهرُ المحاسنُ إذ رَأَتْها
روايةُ حُسْنِها العالي رَواها
فَطيبي يا يبوسُ لنا ربيعًا
وطوبى للجمال إذا اعْتَراها
بهاءُ القدسِ في الأرجاءِ شمسٌ
وشمسُ الكونِ بعضٌ مِنْ سَناها
حَواريها قناديلٌ وزيتٌ
تُنيرُ سِراجَها تَضْوي خَلاها
وعينُ اللهِ ترعاها بخيرٍ
لتبقى في المعالي لا تُضاهى
ونورُ محمدٍ في القدس سَهْمٌ
كسَهْمِ النَّارِ يَرْمي مَنْ رَماها
وَقَدْ أهدى بِهَدْيهِ كلَّ إنسٍ
إذا ما انْغَرَّ في الدنيا وتاها
أتاها ساريًا كالبرقِ يَسْري
بأحضان النُّبُوةِ قَدْ حَباها
فَحَطَّ جناحُهُ جنَّاتِ عدنٍ
ولامسَ سِدْرَةً في مُنْتهاها
لنا في القدس تاريخٌ مجيدٌ
وأرضٌ قد جُبلْنا مِنْ ثَراها
رأيْتُ القدسَ في العينينِ دَمْعًا
فلن أنسى وَلَمْ أجهلْ شَجاها
وشعبٌ قَدْ تَحَمَّلَ ظُلْمَ باغٍ
وما هابَ المنايا إذْ حَماها
عَصاها تهزِمُ المُحْتَلَّ دومًا
وتطرُدُ كلَّ باغٍ لو عَصاها
حزيران / ٢٠٢٣
الديار الحجازية
مكة المكرمة والمدينة المنورة
اشارات:
١- الحسا : من حِساء وهو الماء الذي يغور في الرمل
حتى يصل صخرًا فإذا نبشتهُ ينفجر نبعًا.
٢- المقصود سعد بن معاذ زعيم الاوس وشهيد الخندق، وسعد بن عبادة زعيم الخزرج.
٣-قانا هي قانا الجليل -هي كفر كنا شمال فلسطين
‫