المجلة الثقافية الجزائرية

العنصرية

جاد حجار* 

 

يقول فرانتز فانون: (انّ معرفة أنني رجل ذو بشرة سوداء، لا يعني أنني اعرّف نفسي كرجل أسود في فرنسا).

هذه العبارة البسيطة، سوف تطلق فلسفة جديدة عن العنصرية.

 لو كنت رجلا فرنسيا أبيض في ستينات القرن الماضي، ونظرت إلى المرآة، سوف تتأمل في ملامحك كما تراها أنت شخصيا ولن تقول بالطبع انني رجل أبيض البشرة، مع أنّ البعض ينظرون إليك كأبيض في الدرجة الأولى إلا أنّ هذا لن يغيّر شيئا في نظرتك إلى نفسك.

يلاحظ فرانتز فانون خلال دراسته الجامعية أنّه ليس حرّا في تعريف هويته في المجتمع، فهو رجل أسود يدرس الطب وليس مجرّد رجل فرنسي يدرس الطب، فصفة السواد ملصقة عليه قبل أي شيء آخر.

يقول فانون: (لقد تعرضت الى ثقل نظرة الأبيض اليّ، في القطار يترك لي مقعدين او حتّى ثلاثة، كنت ببساطة أريد أن أكون رجل عادي في المجتمع، ولكن المجتمع الأبيض لم يسمح لي بذلك، لقد كنت مجبرا على العزلة والتقوقع، كنت أكره العالم والعالم يكرهني، عندما يكرهونني يقولون نكرهك وليس لأنّك أسود، وعندما يحبّونني يقولون نحبّك مع أنّك أسود، أنا أسير لون بشرتي).

إنّ الحالة التي يصفها فانون تسمّى فلسفيا بالغربة، وهي حالة عدم انتماء حيث لا يستطيع الفرد أن يحدّد هويته في المجتمع. لكن تجدر الإشارة بانّ العنصرية التي يتحدّث عنها فانون ليست فعل شرّ قصدي، إنّ العنصري ليس شخصا شريرا، إنّما المشكلة تنبع من نظرته إلى الآخر، والعنصري لا يدرك أنّه عنصري وبأنّه يسبّب الأذى للآخر، وعلى هذا المبدأ تماما سوف نحلّل ماهية العنصرية.

إنّ العنصري هو شخص لديه نظرة تحصر هويّة الآخر بلونه أو بعرقه، ويعمّم صفات معيّنة على مجموعة معيّنة. انّ هذه النظرة تعدّ فعل عنيف، حتّى لو لم يفعل العنصري بأي فعل يؤذي الآخر، وذلك لانّ نظرته تجعل الآخر مسجونا في سجن لن يستطيع الإفلات منه، فالرجل الأسود هو قبل كلّ شيء أسود وتلك النظرة إليه تكون بشكل غير واعي وغير مقصود، والعنصرية ليست قرارا شخصيا بل هو حالة مجتمعية.

يقول فانون: (إنّ مجتمع ما هو عنصري أو غير عنصري، لا يوجد درجات في العنصرية). ما يعنيه فانون بهذا، هو انّ مكافحة العنصرية لا يكون على المستوى الفردي، فقد تجد في مجتمع ما أغلبية غير عنصرية، الا انّه لو وجد شخص عنصري واحد سيكون هذا المجتمع عنصري برمّته، لانّه يستشفّ أفكاره من اللاوعي المجتمعي الذي ينتمي إليه، ويزيد فانون على ذلك بانّه من المحال ألّا تكون عنصريا في مجتمع عنصري.

إنّ الأفكار العنصرية المسبقة في لاوعي المجتمع سوف تنتقل بشتّى الطرق إلى الضحيّة، وهو بالتالي سوف ينظر إلى نفسه كما يرونه الآخرين، وذلك سوف يؤدّي الى انفصام داخلي عنده بين ما هو عليه فعلا وبين ما ينظر إليه من الآخر، فكيف يتعامل ضحية العنصرية مع هذا الانفصام؟

هناك ثلاث خيارات حسب فانون: الأوّل هو الرضوخ الى نظرة الآخر وتصبح الضحّة فعليّا ما يصنّفه الآخر، والخيار الثاني هو الاعتداد والفخر بما نحن عليه كسواد البشرة مثلا، مثل حملة (black is beautiful)، امّا الخيار الثالث فهو بحسب فانون: تدمير منهجي للتفكير الإستعماري الذي جعل من العنصرية وجهة نظر.

إنّ العنصرية ليست ميزة طبيعية عند الانسان مثل الغضب او الحب… فهي نتاج لاوعي جماعي في المجتمع الأبيض وضعت عن قصد كي يبرّر الغرب حقّهم بالإستعمار، فالخطاب الغربي لا يقرّ بانّ السود هم أدنى مرتبة لذلك تمّ استعمارهم، بل بالعكس تماما، فمن أجل تبرير الاستعمار اختلقوا نظريات شبه علمية عن اختلاف الأعراق البيولوجي من أجل الإيهام بانّ مسألة الاستعمار علمية وليست حقوقية.

إنّ التمدد الأوروبي في نهاية القرن الخامس عشر في شتّى أرجاء العالم أوجد فكرة الاستعباد عبر ارسال الأفارقة السود الى أميركا. وفي القرن الثامن عشر، ومن أجل تبرير الاستعمار، عملت النخب الأوروبية على ابتداع نظريات شبه علمية عن الأعراق، وقد ارتدّت تلك النظريات عليهم لأنّها اسّست في القرن العشرين للفكر النازي الذي يرتكز على نظرية سموّ العرق الجرماني، وبعد هزيمتهم اضطّر الأوروبيين الى التراجع عن تلك النظريات، واضطروا ان يبتدعوا افكارا جديدة من أجل تبرير الاستعمار وسمّوها (صراع الحضارات).

يقول فانون: ( إنّ العنصرية الغربية لم تتوقف ابدا، الا انّ وجهها قد تبدّل، فالعنصرية القديمة القاسية اوجدت على مرتكزات بيولوجية كاذبة، امّا العنصرية الحديثة بنيت على قاعدة ثقافية تحت عنوان اختلاف الحضارات وطرق التفكير).

إنّ الخطاب المعاصر حول صراع الحضارات، يكمن في طيّاته انّ الحضارات مختلفة وثمّة صعوبة في تعايشها معا، إلا انّ من ينظّر في تلك الأفكار هو الغرب الأبيض حصرا، وهو يضع معاييره في التصنيفات وهنا يكمن الفخ. من أجل ذلك تحديدا اختار فانون الطريقة الثالثة التي ذكرناها أعلاه لمحاربة العنصرية، ألا وهي تدمير المنظومة الفكرية التي قام عليها الاستعمار، وبذلك يكون فعل مكافحة العنصرية هو عمل سياسي شامل وليس عمل اجتماعي أو تربوي فردي.

إنّ محاربة العنصرية يتطلب تغييرا كاملا للعلاقات الإقتصادية العالمية، فطالما الدول الغربية تتحكّم بالمصادر الإقتصادية لدول الجنوب الفقيرة، سيكون هناك ضواحي مليئة بالمنبوذين في عواصمهم. وتجدر الإشارة بانّ اي فعل عنصري فردي يعاقب عليه القانون في الغرب، إلا انّ حكوماتهم لا تتوقّف عن تشريع قوانين تضيّق على الأجانب وتحثّهم على الرحيل، انّ هذا التناقض في المعايير يجعل من المجتمعات الغربية تعاني من التخبّط الثقافي والسياسي.

إنّ الانقسام الغربي بين يمين يريد التخلّص من الآخرين المختلفين عنهم وبين يسار يريد أن يستوعبهم، تجعل من اللاوعي الجماعي لتلك الشعوب يقرّ بأنّ مشاكلهم كلّها نابعة من الآخر.يقرّ فانون بانّ الحلّ هو جماعي: على السود والبيض سواسية أن ينزعوا أقنعتهم الملونة، وأن ينظروا إلى الماضي البشع بعين موضوعية، وان يتعاملوا مع الحاضر بطريقة: (الحب الثوري)، أي ألا يكون هناك مصالحات وغضّ نظر عن مشاعر الكره، بل مواجهة الحقائق التاريخية ونزع ثوب الاستعمار ومصادره الاقتصادية.

 *طالب دكتوراه في الفلسفة وباحث لبناني