المجلة الثقافية الجزائرية

بحْثًا عن أدب السجون في الجزائر/ الجزء الثاني

كتب بشير خلف

السجون والمعتقلات جحيم المعذّبين خلال الثورة

       السّجن قديمٌ قِدم ظهور الحضارات، بينما الـمُعتقل لا يظهر إلّا في الحروب، والصراع بين الدُّولِ، والأزمات الداخلية، فيه يُحشر ذوو الأفكار الحرّة، والاتجاهات السياسية المختلفة، والمخالفة للسلطة القائمة، يبقوْن فيه مؤقّتًا من أجل التحقيق، ويتعرّضون فيه للعذاب النفسي، والإهانة، والتجويع، والقهر، والتعذيب لافتكاك الاعترافات، بينما السّجن يُودع فيه منْ تمّت محاكمتهم، وأُدينوا بأحكام زمنية، فالسجن يـحدُّ من حرية الفرد المسجون، فيُمنع من الحقوق المدنية، وحرية الحركة، والتواجد مع الأسرة، وفي المجتمع. في العهد الاستعاري الفرنسي تعدّدت المعتقلات، وكثُرت السجون التي زُجّ فيع آلاف الجزائريين بـمحاكمة، ودون محاكمة، إلّا أنّها تشابهت، واشتركت في تعذيب الجزائريين العذاب الذي قد لا يتخيّله منْ لـــمْ تُلْقِ به الأقدار في جهّنمها. فرنسا الاستعمارية لمّا اشتدّ أوار الثورة، وتضاعفت الاعتقالات أضافت المعتقلات والسجون لِما كان موجودًا قبل الثورة، كما لا فرْقَ حينها بين المعتقلات والسجون بالجزائر المستعْمَرَةِ، وبين السجون، والمعتقلات بفرنسا التي حُشِرَ بها الجزائريون الذين انضمُّوا إلى الثورة، وتمّ اعتقالهم، وحُكِم عليهم فسُجنوا، أو اعتُقِلوا، وعُذِّبوا ثمّ أُطلِق سراحهم، وبقَوْا تحْت رقابة أعْيُن البوليس.

الاستنطاق والتعذيب

 للحصول على معلومات الثورة، وأسرارها، ومجاهديها، ومناضليها استعملت السلطات الاستعمارية شتّى أساليب التعذيب كالضّرْبِ المُبْرح، وارتكاب الفاحشة بالمساجين، أو إرغامهم على فعْلها فيما بينهم، وتعذيبهم بالكلاب، وتجويعهم، ومنعهم من شُرْب الماء، وإرغامهم على صُنْع الطّوب، ثم تكسيره، والحفْر ثم الرّدْم، والهدْم، وتنقية المياه القذرة، والتنكيل بالتشويه الجسدي، والتّعقيد النفسي، ويـُحبس المعتقل المُعاقَبُ في الزنزانة منفردًا لعدّة شهور، ويُرغمُ المعتقلون، والسجناء بالجلوس على مؤخراتهم فوق الزجاج المُكسّر، وتُدقُّ أصابعهم بالمطرقة، كما تُكِوى بالنار، والكهرباء، ويُشَقُّ الجلد واللحم بالموسى، ويُوضع الملحُ في الأخاديدِ المجروحة، المفتوحة، ويُعلّقون من الأيدي والأرْجُلِ، والرأْسِ إلى الأسفلِ، وتُملأُ بطونهم بالماء، ويُضغط عليهم بشدّةٍ ليخرج الماء من كلّ منافذ الجسم كالأنف، والفم، والأُذُنِ، والدُّبُرِ، كما يُعذّبون بالحرمان من النوم، والوقوف العسكري لساعاتٍ، وحفْرِ القبور. 

1 ـــ محمد الطاهر عزوي، مجاهد، وسجين خلال الثورة نقله الاستعمار إلى عدّة سجون، يروي معاناة المساجين:

«..فتحتْ فرنسا معتقلا في شلال جنوب مدينة مسيلة في شهر ماي 1955م، كان جحيمًا لا يُطاق بالحرّ الشديد، لا شجرَ، ولا مدرَ، في صحراء قاحلة نُصبت فيها خيامٌ، وكلّ خيْمةٍ فيها عشرة معتقلين يفترشون الرّمْلَ تحت وهج الشمس اللاذع يتصبّبون عرقًا، لا ينامون من شدّة الحرّ، تُزعحهم العقاربُ بكثرة طوافها، وتمرّ بينهم، وتعلو أجسامهم، وتلفح وجوههم في الليل والنهار، منطلقة من أوتاد الخِيمِ، ويوميا لها ضحاياها، وكم حلا للعدوّ الاستعماري حينذاك أن يجد حليفا يملك سلاحًا بالغريزة لا يملُّ من الهجوم بزرع السّموم، يلتذُ بالحرارة، وينشط أمام هبوب رياح السموم، ولأنّ التعب أنهك المعتقلين بما يتناولون من طبيخ طناجير الزّفْت، وبـما يشربون من الماء في الأواني التي تخلّى عنها الجنود الحرّاس، وألقوها بالمزابل، وصحون الأكل، فيأخذها السجناء، وينظفونها بالرّمل، لأنّ الماء لا يكفي لريّ السجناء المعذّبين. ويُصطفُّ هؤلاء المعذّبون في هذا الجحيم خمس مرّات في اليوم، ويُوجّهون إلى الشمس لتنعكس أشعّتُها على وجوههم نكاية بهم، وإحراقًا لسحناتهم، ويُساق الشباب منهم، وأقْــواهم إلى تنقية وادي اللحم المجاور من الأحجار، والأعشاب يوميًّا. » 

2 ــــ بول أوساريس، الجنرال في الجيش الفرنسي. المظلي، المعروف عن استخدامه للتعذيب خلال الحرب في الجزائر، قال:

«كان النظام الذي أنشأته يسيرُ بإحكام ودقّة إلى درجة أني تحصّلتُ بسرعة على أسماء متهمين لا يُشكُّ في ضلوعهم في العمليات الإجرامية، الأكثر دمويّة، وعندما تمّ إيقافهم ما وجدت فيهم صورة البطل، وإنما كانوا وحوشًا، لا غير، وجاء موعد استنطاقهم، كنت أبدأ بسؤالهم عمّا يعرفونه، غير أنهم أفهموني أنهم لا يريدون البوح بأيّ شيءٍ، وهكذا وبدون وازع من الضمير، أوضح لي رجال الشرطة تقنية الاستنطاقات الخشنة. بداية كان هناك الضرب الذي كان يكفي في الغالب، ثم بعد ذلك تأتي الوسائل الأخرى كالكهرباء والماء. كان التعذيب بالكهرباء يتمّ عن طريق مولدات كهربائية تُستعمل في الأرياف من أجل شحْن أجهزة اللاسلكي، كما كان التعذيب يتمّ عن طريق صعْق الأُذُنيْنِ، أو الخصيتيْن. وخوفا من هذه الوسائل، أو بفضلها كان السجناء يشرعون في تقديم معلومات مفصّلة، وحتى الأسماء التي كانت تؤدي إلى إجراء توقيفات جديدة. هذه المرّة وبمساعدة الشرطة كنت أجدني منساقًا إلى المشاركة أكثر، فأكثر في هذه الاستنطاقات الخشنة. » 

3 ـــــ قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي ساند الثورة الجزائرية عن الزبانية الذين أُوكِ إليهم تعذيب المساندين للثورة الجزائريين أكانوا جزائريين، أم من فرنسيين: 

«..رجالٌ قُسّاة أقوياء، أوكل إليهم أمْرُ ترويض أوقح البهائم، وأشدّها وحشية، وأكْسلها: البهيمة الإنسانية، ومن المفهوم أنهم لا ينظرون إليه عن كثبٍ، فالمهم أن يُشْعِروا السجينَ بأنه ليس من جنسهم، ولذلك يُعرّونه من ثيابه، ويربطونه بشدّة، ويهزؤون به. ويـمرّ جنودٌ بالقرب منه ذهابًا وإيّابًا يقذفونه بشتائم وتهديدات بلامبالاة. »

4 ــــ هنري إليغ مديرُ الجريدة “الجزائر الجمهورية”، Alger Republican من عام 1950 إلى عام 1955، مُنعت جريدته، فانضمّ إلى المقاومة السرّية، تمّ اعتقالُه سنة 1957، سُجن طوال أكثر من شهْرٍ، يروي ما سمع، وما رأى:

«..لقد مضى الآن أكثر من ثلاثة أشهرٍ على اعتقالي، ولقد رافقتُ خلال هذه الفترة من الآلام، والإذلال ما لا أجرؤ معه على أن أتحدّث بعد عن الأيام، والليالي من العذاب لو لم أكن أعرف أنّ ذلك قد يكون مفيدا. وطوال شهرٍ سمعت في الليل صراخ رجال كانوا يُعذّبون، وستظلّ صيحاتهم تتردّد في ذاكرتي إلى الأبد، وقد رأيتُ معتقلين يُضربون بالمطارق، ثم يُلقى بهم من طابقٍ إلى آخر، فيصيبهم من التعذيب، والضرب الخبلُ (الجنون)، حتى لا يعرفوا إلّا أن يُتمتموا بالعربية الكلمات الأولى من دعاء، أو صلاةٍ قديمةٍ. غير أني عرفت بعد ذلك أشياء أخرى، علمت اختفاء صديقي موريس أودان الذي ألقي عليه القبض قبل أربع وعشرين ساعة من اعتقالي، والذي عذّبه الفريق نفسه الذي تولّى أمْري، لقد اختفى كما اختفى الشيخ تباسي رئيس جمعية العلماء، والدكتور شريف زهّار، وكثيرون غيرهما. وفي “لودي” التقيتُ من بلدة” ميلي” كان يعمل في مستشفى البليدة لعلم النفس التطبيقي، وقد عذّبه المظليون، ولكن بطريقة جديدة: فقد ربطوه عاريًّا على كرسيٍّ معدني يخترقه المجرى الكهربائي، وما زالا ساقاه يحتفظان بآثار حروقٍ عميقةٍ. »

 يواصل أليغ الحديث عن تعذيبه شخصيا من المظليين:

«..وانتفضتُ انتفاضة شديدة، وأنا في قيودي، وجعلتُ أصرخ بأقْوى صوْتي، لقد أرسل” شا” في جسمي الشحنة الكهربائية الأولى، وكانت قد انبثقت بالقرب من أذني شرارةٌ طويلة، وشعرْتُ بقلبي يجمح في صدري، وأخذتُ أتلوّى من الوجع، وأنا أصرخ، وتتلوّى ضلوعي، بينما كانت الانتفاضات التي تأتيني من آلة الكهرباء في يد ” شا”، وبينما أنا في صراخي تناول” جا…” قميصي فطواه، وأدخله في فمي، وعاد التعذيب، وشددت بكلّ قواي على القماش بين أسناني، وشعرتُ فجأة بمثل عضّة وحْشٍ ينهش لحمي نهشات متقطعة، وكان” جا…” قد علّق الملقط في عضوي التناسلي، وظل فوقي يبتسم، وكانت الانتفاضات التي تهزّني من القوة حتى أنّ الحبال التي كانت مربوطة بقدمي قد تقطّعت، وما لبث الملازم أن أن تناول الآلة من” ج…” وكان قد جرّد سلكًا من ملقطه، وجعل يمرّره على صدري، فإذا بالانتفاضات العصبيّة تهزّ جسمي كله هزًّا متزايدًا، وجلس” شا…”، وأصدقاؤه يجرعون زجاجات البيرة، وكنت أضغط على قميصي بين أسناني لأفلت من المغص الذي كان يلوي جسمي كله. » 

5 ــــ الجنرال الجلّاد أوساريس لا يبدي أبدا «أسفه» لِـما قام به اذ يرى بأن حبّه لبلاده، واعتقاده بأنه كان يفعل أمراً جيداَ شكّلا خلفية سلوكه.. باختصار كان يقوم بـ”واجبه” وفْق ما دوّنه في كتابه المُشار إليه سابقًا: ” شهادتي حوْل التعذيب”. ففي حوار أجراه معه الإعلامي سامي نزيه في أحد مكاتب دار النشر الفرنسية تحت الأرض، لم يكن سهل مجالسة الرجل لأكثر من ساعتين، ففي كل رواية تشعر أنك تريد ان توقف آلة التسجيل اشمئزازا وتتركه مع ذكرياته السوداء قابعا في تلك الغرفة المغلقة، لكن الجنرال السابق الذي تتلمذ في بدايته في أفضل المدارس الادبية الفرنسية، يعرف بين الفينة والفينة كيف يرمي بالمسؤولية على من كان أكبر منه سياسيا وامنيا، ويسعى الى موْضعة نفسه في موضع الضحية.

«… لـم تتــغير نظرتي كثيرا إلى الجزائر، ولا يمكن قراءة التاريخ بعين الحاضر، فآنذاك كان رجال جبهة التحرير، أو جيش التحرير بـمثابة إرهابيين يقتلون جنودنا، أو المتعاطفين معنا، ويهاجموننا في وضح النهار، فكان لا بدّ ان نلجأ الى عقابهم. صحيح كان يموت البعض تحت التحقيق، لكننا كنا في فترة حرب، وكان ينبغي مثلا دفْع شخص للاعتراف بكل الوسائل، تفاديا لعملية أوسع كان يمكنها أن تقضي على الكثير منا، لو لم يعترف. 

 لـم أقتل العربي بن مهيدي خلال التحقيق، فالتحقيقات كانت انتهت معه، لم يتعرض للضرب، فهو اعترف بكل شيء حين قال له أحد المحققين إن أصدقاءه البربر قالوا كل شيء وخدعوه، هو العربي الوحيد بينهم في قيادة جبهة التحرير، وكان يريد أن يثبت لنا أن لدى رجاله الكثير من العتاد، والعزم على مقاتلتنا، فكشف لنا، ومن منطلق الاعتداد بنفسه، ومقاتليه الكثير من الأسرار التي كنا نريد أن نعرفها. بعدما انكشف أمرُ اعتقالنا له، وكنا نعرف أنه المخطط الأول لأبرز العمليات ضدنا، سعى البعض وبضغوط سياسية لنقله إلى محاكمة أخرى، وكنا نخشى أن ينجو من أيدينا، ومن الموت أو ان تبرأ ساحته, وحينها اتصلت بالجنرال ماسو الذي كان قائدا لكل اجهزة الاستخبارات الفرنسية في الجزائر آنذاك، وكنا نعرف أن القادة العسكريين في أي مكان من العالم يحتفظون بمادة السم في جيوبهم، فينتحروا لو اعتُقلوا, لكننا لم نجد في جيبه شيئا من ذلك، فقررنا شنقه، فشنقته بيديّ وشعرتُ لحظتها بارتياح، فهو كان بالنسبة الينا إرهابيا تماما كما هو الشأن اليوم مع أسامة بن لادن. أفهم سبب نضالهم، لكني لم ولن أؤيد الأساليب الإرهابية التي كانوا يلجؤون إليها لترويعنا، أما بالنسبة إلى الجزائر الفرنسية، فما زلت أؤمن بها. لقد علموني أن أقتل من دون أن أترك اثرا، علموني كيف أكذب وكيف لا أبالي، لا بعذابي، ولا بعذاب الأخرى »

6 ـــ المرحوم بشير بومعزة من رجال الحركة الوطنية، ومن زعماء الثورة الجزائرية، ومُـمثّلها في فرنسا، اعتُقل في باريس، وعمره 31 عامًا، عُذِب، ونُكِّل به، روى، ووثّق بخطّ يده:

«..أمروني بتعرية نفسي من الثياب، ولـمّا لم أتعرّ بالسرعة التي يريدون، أتْبعوا أمرهم بلكماتٍ جديدة وجّهوها إليّ بجمع أيديهم، وضربات أخرى بأقدامهم. ولم أكد أتعرّى تمامًا حتى عصّبوا عينيّ من جديد، وأركعوني، وربطوا يديّ وكوعيّ، ثم أولجوا عارضة حديدية خلْف ركبتيّ، ثمّ علّقوني في الفضاء، ورأسي إلى الأسفل. وبدأت جلسة التعذيب بأن أخذ شرطي يُدير المولّد الكهربائي وشرطي آخر يُنقِّل قُطبي الكهرباء فوق جسدي متلبّثًا قليلا فوق أعضائي التناسلية، بينما الآخرون يقذفون جسدي بالماء، لكيلا تبدو آثار التعذيب من ناحية، ويكون الألم أشدّ قسوة.

 بعد ربع ساعة فكّوا قيودي فيها، ومارسوا لعبتهم المفضّلة ّ كرة القدم”، وشرعوا معي من جديد بأن قادوني عاريا تماما، وعيناي معصوبتان إلى غرفة مجاورة في نفس الطابق، وسمعنُ أحدهم يقول:

«يجب أن نقتل هذا الوسخ الحقير»، ومدّدوني على بطني فوق مقعد خشبيّ، ورأسي في الفراغ، ثــــــمّ قُيِّدت ذراعي بخيوطٍ متينة على امتداد جسدي، وعادت الأسئلة التي رفضت الإجابة عنها، ثم رُفع المقعد الخشبي في انحناء إلى الأمام، وببطْءٍ شديد غطّسوا رأسي في حوْضٍ مليء بمائعٍ كريه الرائحة. وبين فترة وأخرى يجلس أحدهم فوقي منفرج الساقيْن، ويميل بكل ثقله فوق كليتيّ فأسمع غرغرة الماء الوسخ المائع الذي أتــــقيّؤه. »