المجلة الثقافية الجزائرية

بوَّابةُ المقدمِّة الذهبية:

بوَّابةُ المقدمِّة الذهبية: كتابةُ الظلِّ أم المفتاحُ السحريُّ الذي يأسرُ القارئ؟

نمر سعدي / فلسطين

  

مقدمة الكتاب هي البوابة الذهبية للنص، وكتابة مقدمة لعمل أدبي (كتاب، رواية، أو مجموعة شعرية) لا تعني تلقائياً أن لكاتب المقدمة دوراً مباشراً وحقيقيا في تأليف العمل أو صياغته أو التأثير المباشر على صاحبه، فطه حسين والعقاد كتبوا عشرات أو ربما مئات مقدمات الكتب للآخرين من الأدباء والشعراء.

طبيعة دور كاتب المقدمة أو المدخل النقدي في مطلع الكتاب الأدبي يؤدي دوراً نقديا وتحليليا في أغلب الحالات، إذ يقتصر دور كاتب المقدمة غالباً على قراءة العمل بتمعن، وتقديم قراءة نقدية، أو تسليط الضوء على مكامن الجمال والرسائل الخفية فيه لتسهيل تلقيه من القارئ، وقد يكون شهادة تزكية ودعم معنوي فغالباً ما يطلب الكتاب الشباب من أدباء ونقاد معروفين كتابة مقدمات لأعمالهم الأولى كنوع من التزكية الأدبية، أو كنوع من الوصاية الشعرية كتقديم أمير الشعراء أحمد شوقي لديوان أمين نخلة “دفتر الغزل” بقصيدة ظريفة يشيد فيها بمكانته الشعريَّة الرفيعة على صغر سنِّه حينها. نظمها عندما زار لبنان قبيل وفاته، وقال فيها عن الشاعر أمين نخلة:

هذا وليٌّ لعهدي وقيِّم الشعر بعدي

فكلُّ مَن قال شعرًا في الناس عبدٌ لعبدي 

والمقدمات بشكل عام تلقي ضوءا على جوهر الكتاب أو تختبر ذائقة القارئ وتحفِّز ذهنه على استقبال الكتاب مما يمنح العمل الأدبي مصداقية وجاذبية أكبر في الواقع أو في السوق.

وتكمن إضاءة السياق في صميم التقديم عادةً، فقد يركز كاتب المقدمة على شرح الظروف التاريخية، السياسية، أو الشخصية التي وُلد فيها هذا العمل الأدبي والحالات الاستثنائية التي أحاطت بتشكُّله. وقد تشي المقدمة بدور آخر، مثل دور المترجم مثلا، فإذا كان كاتب المقدمة هو مترجم العمل، فمقدمته تشرح منهجيته في الترجمة والتحديات اللغوية التي واجهته. أو دور المحرر الأدبي فإذا قام كاتب المقدمة بمراجعة وتعديل النص وتنسيقه بالاتفاق مع المؤلف فقد يتقمص المحرر دور المحقق أو الباحث، ففي كتب التراث والمخطوطات القديمة، يكتب المحقق أو الباحث مقدمة يشرح فيها جهده في جمع النسخ والخطوطات الكثيرة المختلفو والمتباينة وتصحيح الفروق بينها والمقارنة بين طروحات وحيثيَّات واختلافات العمل الأدبي.

وبرأيي وجود اسم ناقد كبير أو مفكِّر لامع على مقدمة كتاب سواء شعري أو فكري أو أدبي هو اعتراف بقيمته وبوزنه الأدبي أو النقدي، وليس شراكة في الإبداع أو التأليف، ما لم يُذكر غير ذلك صراحة داخل المقدمة نفسها.

برع عميد الأدب العربي طه حسين وعملاق الأدب والفكر عباس محمود العقاد في فن كتابة “المقدمات”، حيث استخدم كل منهما هذا الفن ليس فقط لتقديم الكتب، بل لطرح رؤى نقدية وفلسفية وتاريخية عميقة تعكس أسلوبهما المميز في الأدب والفكر العربي.

تميزت مقدمات طه حسين بأسلوبه السلس، واللغة الرصينة، والنزعة الإنسانية العميقة التي تعلي من شأن العلم والأدب والفن. وفي مقدمة كتاب “محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره” (تأليف د. عبد الوهاب عزام) أشاد طه حسين بجهود المفكر الباكستاني محمد إقبال، واستعرض أهمية التقارب بين الشرق والغرب، مسلطاً الضوء على دور الفلسفة الإسلامية في النهضة.

ومن أبرز المقدمات التي كتبها عبر حياته الغنيَّة والحافلة بالإبداع والفكر الإنساني تبرز مقدمة “ألف ليلة وليلة” (للدكتورة سهير القلماوي) حيث قدم لهذا العمل الرائد الذي يُعدُّ من أهم دراسات الأدب الشعبي في العالم العربي، ومقدمة كتاب “روح التربية” (لجوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر) فقد كتب مقدمة هامة في عام 1922، ناقش فيها عيوب التعليم في الشرق وسبل الإصلاح، وتأتي مقدمة كتاب”آلام فارتر” (لجوته، ترجمة أحمد حسين الزيات): محتفيةً بالترجمة واللغة العذبة ونصاعتها، في إشارة واضحةٍ إلى براعة الكاتب والتقاء العصور.

بينما عُرفت مقدمات العقَّاد بالصرامة الفكرية، والعمق الفلسفي، والجدل التاريخي الذي يكسر القوالب التقليدية، ومن أهم مقدماته نجد مقدمة الموسوعة التيمورية (للعلامة أحمد تيمور باشا) التي قدمها العقاد بأسلوبه النقدي والبلاغي المعروف.

عُرف الشاعر والناقد والمترجم اللبناني الراحل إسكندر حبش بغزارة إنتاجه في تقديم ومراجعة وترجمة عيون الأدب والفلسفة العالمية. ونظراً لخلفيته كصحفي ثقافي بارز وشاعر متأمل، تميزت مقدماته بصبغة نقدية وسيرية تضيء جوانب خفية من حياة المبدعين وتضع نصوصهم في سياقها التاريخي والإنساني، ومن أبرز المقدمات التي كتبها إسكندر حبش للروايات والأعمال الفلسفية المترجمة نذكر مقدمة كتاب “صراع الدين والفلسفة في محاكمة سقراط” (تأليف فيكتور دوروي وآخرون). حيث صاغ لها مقدمة تدرس أبعاد الثورة الأخلاقية التي أحدثها سقراط في أثينا والنزاع الأزلي بين الفكر الحر والسلطة. ومقدمة كتاب “حوارات حول الطغيان ونصوص أخرى”: للكاتب البرتغالي الشهير فرناندو بيسوا. قدم فيها حبش إضاءات حول فكر بيسوا الفلسفي والسياسي المعقَّد وتعدد شخصياته الأدبية. وفي مقدمة كتاب “كيرككورد.. فيلسوف ديني” (تأليف ليون شيستوف). يتتبع المسار الروحي والفلسفي الوجودي لكيرككورد.

ومن أجمل وأعمق المقدمات التي قرأتها لحبش مقدمة رواية الروائي ماريو فارغاس يوسا “دفاتر دون ريغو بيرتو” إذ ترتبط العلاقة بين الكاتب والمترجم اللبناني إسكندر حبش ورواية “دفاتر دون ريغو بيرتو” (Los cuadernos de don Rigoberto) للروائي البيروفي الكبير والحائز على جائزة نوبل من خلال قراءته النقدية المعمقة لها؛ حيث كتب حبش مقدمة نقدية ضافية وشاملة للنسخة العربية من الرواية الصادرة عن دار الفارابي في بيروت، من أبرز سماتها التحليل النقدي العميق والبارع إذ قدم حبش تحليلاً نقديًا لافتًا بنى عليه قراء تفكيك وفهم عوالم يوسا “الإيروسية”، معتبرًا الرواية امتدادًا طبيعياً وتكملة لرواية يوسا السابقة “امتداح الخالة”. الرواية لم يترجمها حبش نفسه، بل تُرجمت إلى العربية بواسطة المترجم السوري الشهير صالح علماني الذي نقل معظم نتاج يوسا إلى المكتبة العربية. وصدرت الرواية متضمنة رؤية وقراءة حبش ببيروت عام 1998 عن طريق دار الفارابي.

وسواء كتب المقدمَّة مؤلفُ الكتاب نفسه أو أي كاتب آخر فغالبا ما تكون المقدمة عتبة مضيئة ندخل منها إلى فهم طبيعة الكتاب وعالمه المجهول، والمفتاح السحري الذي يأسر القارئ.