المجلة الثقافية الجزائرية

تشظي المعنى في زمن الفردانية

د.عبد المنعم همت

في هذا العصر الذي يتسم بسرعة التغير وبتحول العوالم المادية والرمزية على حد سواء، نشهد انزياحًا عميقًا في أنماط العيش والمعنى، بل وفي جوهر الإنسان ذاته. فالتغيرات التي طرأت على نمط الاستهلاك وعلى بيئات العمل والتواصل، والتي باتت افتراضية أو شبه افتراضية، لم تكن مجرد تحولات تقنية أو تنظيمية، بل كانت عميقة الأثر في تكوين الوعي الجمعي والفردي. لقد نشأ واقع جديد يمكن وصفه بأنه ضيق ومختنق، يتسم بتسارع الإيقاع اليومي، وبانشغال الإنسان بنفسه على نحو غير مسبوق، إلى حد أن مفاهيم الخير والحق والجمال باتت تُنظر إليها كترف فكري أو روحي، لا كتجليات جوهرية للوجود الإنساني.

لقد أصبحنا نعيش في زمن تعاظمت فيه النزعة الفردانية، حتى كادت أن تجهز على الفكرة القديمة للمجتمع بوصفه نسيجًا متداخلاً من العلاقات المتبادلة والمسؤوليات الأخلاقية. وتدريجيًا، بدأ الإنسان المعاصر في التخلي عن المجتمع، ليس بوصفه كيانًا خارجيًا فقط، بل باعتباره شرطًا داخليًا لتكوينه النفسي والروحي. لم يعد “الآخر” حيزًا للقلق أو المشاركة، بل صار مصدرًا للإزعاج أو للمنافسة. وبهذا، انزاح مفهوم “الخير” من كونه قيمة تتطلب التعاطي معها في سياق إنساني إلى كونه سلوكًا انتقائيًا، خاضعًا لمعايير البراغماتية التي تنأى عن الإلزام الأخلاقي. لقد تحول الخير من واجب إلى خيار، ومن التزام إلى رفاهية.

وكما طال التشويه مفهوم الخير، انسحب الأمر ذاته على مفهوم الحق. الحق لم يعد ينهض على معيار أخلاقي أو كوني، بل صار يقاس بمدى الفائدة المرجوة منه، أو بالسلطة التي تملكه وتفرضه. وتم إفراغه من جوهره العدالي، ليُختزل في شكليات قانونية أو مواقع قوى. إننا نشهد تآكلًا بطيئًا، لكنه عميق، للمرجعية الأخلاقية التي كانت تؤطر الحق وتضفي عليه معناه الإنساني العام. لقد أصبح الحق سلعة تُنتزع، أو يُتنازل عنها، أو تُستبدل، بحسب متطلبات السوق والتوازنات الفوقية.

أما الجمال، فقد تم تقييده بصورة أكثر فجاجة. ليس الحديث هنا عن الجمال الحسي فقط، وإنما عن الجمال بوصفه تجربة روحية، إحساسًا بالانسجام، وتوقًا إلى ما هو أسمى من المادي والمباشر. لقد جرى تسليعه، واحتكاره ضمن معايير استهلاكية تُحدد بالطلب والموضة والصورة، لا بالذوق أو الإدراك أو التأمل. تحول الجمال إلى سلعة ثقيلة التسويق، لا إلى تجربة تُفضي إلى التهذيب أو الارتقاء. لقد باتت المقاييس الجمالية تنحدر من الخارج إلى الداخل، تُفرض من فوق، ولا تتكون من تحت، أي من الذات المنفعلة بالحياة. وبهذا تم تفريغ الجمال من محتواه القيمي، واختزاله في صيغ جاهزة ومصطنعة.

هذا التشكل الجديد يساهم في صياغة الإنسان “اللا أخلاقي”، ليس بالمعنى الجنائي أو العدمي فقط، بل بالمعنى الأعمق: الإنسان الذي يتمترس حول ذاته، ويجعل من رغباته معيارًا وحيدًا لكل سلوك أو موقف. إنه الإنسان الذي لم يعد يرى في العالم سوى امتدادٍ لذاته، لا موضوعًا للحب أو التضامن أو حتى التساؤل. من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة تعريف المفاهيم الكبرى التي تشكل الوعي البشري: الخير، الحق، الجمال، والغير. وهذه ليست مهمة فلسفية خالصة، بل مسؤولية ثقافية ومجتمعية. إذ لا يمكن بناء إنسان أخلاقي في بيئة تحتفي بالفردانية المطلقة وتُعلي من قيم السوق والمظهر والنفع الفوري.

لقد اتسعت المساحات أمام ثقافة استهلاكية هشة، ذات مرجعية متهافتة، لا تصمد أمام التساؤل ولا تحتمل العمق. إنها ثقافة تُغري بالتفاهة، وتُقصي التأمل، وتُبدي الاستهلاك على الإنتاج، والمظهر على الجوهر، والسرعة على الفهم. والمقلق في هذه الثقافة ليس فقط هشاشتها، بل قدرتها على التسلل الناعم إلى الأذهان، حتى تُصبح معيارًا عامًا يُحتذى، وتُقاس به التجارب والنجاحات. إنها ثقافة تقتل الإنسان من داخله، وتجعل من التفكير فعلًا نادرًا، ومن الأخلاق عبئًا، ومن الفن ترفًا. ومعها يتآكل الوعي الجمعي، ويبهت الإحساس بالمسؤولية، وتتحلل الروابط التي كانت تشكل معنى العيش المشترك.

ما نحن أمامه ليس مجرد تحولات اجتماعية، بل تغير في نمط الوجود نفسه. الإنسان الجديد الذي يُعاد تشكيله اليوم، لا يشبه سابقه إلا في المظهر. داخله مختلف: أكثر قلقًا، أقل انتماء، أقل إحساسًا بالزمن الطويل، وأكثر افتتانًا بالزمن القصير والمجزأ. إنه الإنسان الذي يُلاحق كل شيء ويفوته كل شيء. ولذلك، فإن الحاجة لإعادة ترتيب المفاهيم ليست ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة للنجاة. فإما أن نعيد للخير معناه، وللحق وزنه، وللجمال عمقه، أو سنواصل الانحدار نحو مجتمع تقوده النزوات ويؤطره الفراغ، ويُنتج ذاتًا تستهلك كل شيء، وتفقد كل شيء، بما في ذلك ذاتها.